ليبيا

ليبيا تستعيد سيادتها البحرية: إجماع تاريخي في مجلس النواب على اتفاقية الحدود مع تركيا يعيد رسم خريطة النفوذ في شرق المتوسط

مجلس النواب يقرّ بالإجماع مذكرة التفاهم البحرية مع تركيا ويلغي قرارات 2020

ليبيا تعيد ترتيب أولوياتها السيادية: مصادقة برلمانية على اتفاقية بحرية تعيد للبلاد حقوقها في المتوسط

ليبيا 24

ليبيا تستعيد بحرها: قراءة في دلالات المصادقة البرلمانية على الاتفاقية البحرية مع تركيا

القرار أولاً: إجماع برلماني ينهي سنوات من التجميد

في خطوة تُعد الأهم من نوعها في مسار السياسة الخارجية الليبية منذ سنوات، صادق مجلس النواب، الثلاثاء، وبالإجماع على مذكرة التفاهم البحرية الموقعة بين ليبيا وتركيا في السابع والعشرين من نوفمبر عام 2019، التي تحدد مناطق الصلاحية البحرية بين البلدين، بما يشمل الجرف القاري والمنطقة الاقتصادية الخالصة.

وقرر المجلس في الجلسة نفسها سحب قراره الصادر عام 2020 بشأن مقاطعة تركيا ورفض المذكرة، في تحول استراتيجي يعكس نضجاً سياسياً غير مسبوق، وإدراكاً بأن الحقوق السيادية لليبيا في البحر الأبيض المتوسط لا تحتمل المزيد من التأجيل.

وقد أعلنت عضو مجلس النواب عائشة الطبلقي أن المجلس شكل لجنة لمتابعة الانقسام الحاصل في القضاء الليبي، للجلوس مع الجهات المعنية لحل المشكلة وتوحيد القضاء، مؤكدة أن الجلسة مستمرة لمناقشة بعض القوانين الأخرى.

فيما أكد النائب ميلود الأسود أن المجلس سحب خلال الجلسة قرار البرلمان لعام 2020 بشأن مقاطعة تركيا، وصوت بالموافقة على اعتماد الاتفاقية البحرية.

من جانبه، كشف النائب الثاني لمجلس النواب مصباح دومة أن القرار جاء بعد دراسة اللجنة المختصة للاتفاقية من جوانبها الفنية والقانونية والجيوسياسية، مشيراً إلى أن العمل على ملف الحدود البحرية امتداد لجهود سابقة شملت دراسات ومفاوضات بمشاركة خبراء ومسؤولين مختصين.

وشدد على أن المصلحة السياسية والاقتصادية العليا للدولة الليبية هي المعيار الأساسي في التعامل مع الملف، وأن قرارات المجلس تنطلق من استقلالية القرار الوطني وحماية السيادة الليبية بعيداً عن التبعية لأي أطراف خارجية.

ولفت إلى أن التحفظات السابقة على بعض الخطوات التركية ارتبطت بالحرص على احترام سيادة الدولة الليبية وفق البروتوكولات المعمول بها بين الدول، وأن الدور التركي في المرحلة الحالية يتركز على الإعمار والتنمية والمساهمة الاقتصادية عبر الشركات العاملة في ليبيا.

ردود الفعل المحلية: توافق وطني غير مسبوق

الفريق أول ركن صدام حفتر: حماية السيادة فوق كل اعتبار

في أول رد فعل عسكري رفيع المستوى، رحب نائب القائد العام للجيش الوطني الفريق أول ركن صدام خليفة حفتر بإجماع مجلس النواب على اعتماد الاتفاقية البحرية وإلغاء قراريه رقمي واحد وستة لسنة 2020، مؤكداً أن حماية سيادة ليبيا ومصالحها الوطنية واستقلال قرارها تأتي فوق كل اعتبار.

وثمّن توجه مجلس النواب نحو تجاوز خلافات المراحل السابقة والتعامل مع القضايا السيادية والعلاقات الخارجية انطلاقاً من المصالح العليا للدولة الليبية.

وقال إن الاتفاقية إحدى الأدوات التي يمكن أن تسهم في حماية حقوق ليبيا ومصالحها الاقتصادية في البحر المتوسط وتعزيز المصالح المشتركة مع تركيا، وتتيح آفاقاً أوسع لتطوير العلاقات الثنائية وتعزيز التعاون والاستثمار والشراكة طويلة الأمد ودعم فرص التفاهم بشأن القضايا الإقليمية.

وأكد أن أولوية ليبيا الوطنية تظل إنهاء الانقسام وتوحيد مؤسسات الدولة واستعادة سلطتها على كامل التراب الليبي، مع انفتاح ليبيا على التعاون والشراكة مع مختلف الدول الإقليمية ودول حوض المتوسط على أساس الندية والاحترام المتبادل وحسن الجوار.

الحكومة الليبية: المصادقة تعزز المصالح الوطنية

ورحبت الحكومة الليبية برئاسة الدكتور أسامة حماد بالقرار، مؤكدة احترام السيادة الوطنية والأطر المؤسسية ومبادئ التعاون بين الدول، وأن المصادقة تعزز المصالح الليبية وتوسع مجالات التعاون وفرص الشراكة.

وأعلنت الحكومة مواصلة المفاوضات مع دول الجوار لاستكمال التفاهمات والاتفاقيات الاقتصادية، مجددة التزامها بدبلوماسية متوازنة تقوم على الحوار والتفاهم وتطوير الشراكات بما يصون المصالح الوطنية.

الكوني: تأييد صريح وتفعيل فوري

ورحب النائب بالمجلس الرئاسي موسى الكوني بالمصادقة، مؤكداً تأييده الصريح للاتفاقية لما تمثله من أهمية في صون الحقوق البحرية الليبية وتعزيز مصالحها، وداعياً إلى تفعيل المذكرة وتوسيع مجالات التعاون مع تركيا على أساس المصالح المشتركة.

المجلس الأعلى للدولة: خطوة نحو توحيد الموقف السيادي

كما رحب المجلس الأعلى للدولة بالخطوة، معتبراً إياها تطوراً إيجابياً نحو توحيد الموقف الليبي إزاء الحقوق والمصالح السيادية للدولة، ومؤكداً أنها تسهم في تثبيت حقوق ليبيا البحرية واستعادة مساحات كانت مهددة بالضياع، بما يعزز قدرة الدولة على الاستفادة من مقدراتها ومواردها وفق القواعد القانونية ذات الصلة.

وشدد على أن توافق المؤسسات الليبية حول القضايا السيادية يمثل ركيزة أساسية لتوحيد القرار الوطني وتعزيز حضور ليبيا إقليمياً ودولياً وحماية مصالحها العليا بعيداً عن الانقسامات والتجاذبات السياسية.

تنسيقية العمل المشترك: آفاق اقتصادية واعدة

ورحبت تنسيقية العمل المشترك بمجلس الدولة بالاعتماد، مؤكدة أن الاتفاقية تتيح آفاقاً للتعاون الاقتصادي والاستثمار في مجالات الغاز والطاقة بما يسهم في دعم الاقتصاد الوطني وتعزيز فرص التنمية وتحقيق مصالح مستدامة لليبيا، ودعت إلى استكمال الإجراءات القانونية والمؤسسية ذات الصلة وضمان تنفيذ الاتفاقية بما يتوافق مع قواعد القانون الدولي.

خارجية الدبيبة: ترحيب وإلغاء القرارات السابقة

وفي السياق ذاته، رحبت وزارة الخارجية بحكومة الدبيبة منتهية الولاية بالتصويت وبإلغاء قراري المجلس الصادرين عام 2020.

الدباشي: قرار صائب تأخر كثيراً

وفي تعليقه، وصف مندوب ليبيا السابق لدى الأمم المتحدة إبراهيم الدباشي القرار بأنه صائب تأخر كثيراً، موضحاً أن الاتفاقية تحترم أحكام اتفاقية قانون البحار الموقعة عام 1982 والمبادئ التي أقرتها أحكام المحاكم الدولية في قضايا النزاعات على الحدود البحرية، بما في ذلك الأحكام الخاصة بتحديد حدود الجرف القاري بين ليبيا ومالطا وليبيا وتونس، وهي مبادئ يمكن تطبيقها على الحدود البحرية بين ليبيا ومصر وليبيا وكريت.

وأشار إلى أن المصادقة تعزز موقف ليبيا القانوني في حالة اللجوء إلى المحاكم الدولية، وتُعطي الدولة الليبية المبرر لإيقاف أي نشاط للتنقيب عن النفط والغاز من طرف دول أخرى في المناطق المتنازع عليها، وهو ما سبق أن قامت به مع مالطا عندما أوقفت بالقوة نشاط إحدى الشركات الإيطالية التي تعاقدت معها مالطا في منطقة متنازع عليها، وأقرت محكمة العدل الدولية فيما بعد خضوعها للسيادة الليبية.

وأعرب عن أمله في أن يتفهم الأشقاء في مصر والأصدقاء في اليونان أن من حق ليبيا الدفاع عن حقوقها، وأن القضاء الدولي ساحة مناسبة للجميع لحفظ الحقوق وحل المنازعات.

المالطي: الاتفاقية في صالح ليبيا ومصر وتركيا

أما عضو المجلس الأعلى للدولة نوح المالطي، فكشف أن الاتفاقية كانت معطلة من 2019 إلى الآن بسبب رئيس مجلس النواب السابق عقيلة صالح، مضيفاً أن هناك دولاً أخرى ضد الاتفاقية كانت تحاول تعطيلها بهدف الاستيلاء على الموانئ البحرية الليبية والهيمنة عليها.

وأكد أن هذه الاتفاقية في صالح ليبيا وتركيا ومصر، وأن الأتراك الآن يستطيعون التحرك بكل قوة ومصداقية.

صوت نقدي: تساؤلات مشروعة

ومع ذلك، لم تخلُ الساحة من أصوات تثير تساؤلات حول التوقيت والدوافع. غير أن هذه التساؤلات، المشروعة في جوهرها، لا تنفي أن المصادقة البرلمانية اليوم تمثل خطوة قانونية وسيادية بالغة الأهمية، إذ أن الاتفاقية باتت جزءاً من المنظومة القانونية الليبية بعد إقرارها من السلطة التشريعية، وأصبحت الصلة الليبية بحدود الجرف القاري التي أبلغت تركيا الأمم المتحدة بها في الثامن عشر من مارس عام 2020 أقوى بكثير من الناحيتين القانونية والسياسية.

كما أن التوافق المؤسسي غير المسبوق بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة والمجلس الرئاسي والحكومة والقيادة العسكرية يمنح القرار ثقلاً وطنياً يصعب تجاوزه.

ردود الفعل الخارجية: ترحيب تركي ورفض يوناني قبرصي أوروبي

أنقرة: خطوة هامة ومبنية على مبدأ الإنصاف

في أنقرة، رحبت الرئاسة التركية بالقرار، مؤكدة أن المصادقة بالإجماع تُعد خطوة هامة ومرحباً بها في مسار العلاقات التركية-الليبية وفي سياق التطورات الجارية في منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط.

وقالت إن القرار يمثل تطوراً مهماً على صعيد حماية الحقوق والمصالح المشتركة للبلدين في شرق المتوسط، وتعيين حدود مناطق الصلاحية البحرية وفقاً لمبادئ الإنصاف، وتعزيز التعاون الإقليمي.

وتعهدت بأن تواصل تركيا بقيادة الرئيس رجب طيب أردوغان الدفاع عن حقوقها ومصالحها المشروعة في الوطن الأزرق، مع المضي قدماً في تطوير علاقاتها مع ليبيا الشقيقة والصديقة، ودعم التوزيع العادل للموارد وإرساء السلام والاستقرار في منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط.

بدورها، رحبت وزارة الخارجية التركية بالقرار، مؤكدة أن المذكرة تستند إلى مبادئ القانون الدولي والإنصاف وتحمي الحقوق والمصالح المتبادلة للبلدين وتسهم في تعزيز التعاون الثنائي. وأكدت استمرارها في العمل مع مختلف الشركاء بما يضمن الأمن والاستقرار والسلام في حوض البحر الأبيض المتوسط في إطار التزامها باحترام القانون الدولي.

كما رحب رئيس دائرة الاتصال بالرئاسة التركية برهان الدين دوران بالمصادقة، واصفاً إياها بالخطوة المهمة، ومؤكداً استمرار دعم تركيا للتقاسم العادل للموارد وتعزيز السلام والاستقرار في شرق المتوسط.

أثينا: رفض وادعاءات قانونية

على الضفة الأخرى، أعلنت وزارة الخارجية اليونانية رفضها للمصادقة، معتبرة أنها قرار برلماني أحادي الجانب وغير مؤسس قانونياً، فيما دانت وزارة الخارجية القبرصية المصادقة، ووصفتها بأنها غير قانونية،  بدورها أكدت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين التضامن مع اليونان وقبرص والتشديد على موقف الاتحاد الأوروبي الرافض لأي تدخل خارجي في ليبيا.

قراءة جيوسياسية: تداعيات تتجاوز الحدود

وقد أشار موقع جيوبوليتيكال ديسك البريطاني إلى أن اعتماد الاتفاقية يعزز التعاون بين أنقرة وبنغازي ويحمل تداعيات جيوسياسية مهمة على ليبيا ومنطقة شرق البحر المتوسط بشكل عام.

ولا تقتصر أهمية الاتفاقية على البعد القانوني، بل تمتد إلى آفاق اقتصادية واسعة، إذ تفتح الباب أمام استكشاف الموارد الطبيعية واستغلالها في المناطق البحرية الليبية، وتعزز القوة التفاوضية لتركيا في مشروع الربط الكهربائي البحري الكبير الذي يُتوقع أن يعود إلى الواجهة خلال الفترة المقبلة، كما تحمل أهمية بالنسبة إلى اتفاق محتمل لترسيم مناطق الصلاحية البحرية بين تركيا ومصر مستقبلاً.

ليبيا تختار موقعها

في المحصلة، يمثل قرار مجلس النواب نقطة تحول استراتيجية في مسار السياسة الخارجية الليبية. فالمصادقة على الاتفاقية البحرية مع تركيا لم تعد مجرد خطوة دبلوماسية، بل أصبحت تعبيراً عن إرادة وطنية جامعة، وعن إدراك عميق بأن حقوق ليبيا البحرية وثرواتها في شرق المتوسط لا يمكن أن تظل رهينة للانقسامات الداخلية أو للحسابات الإقليمية الضيقة.

وبين من يرحب ويدعم، ومن يرفض ويهدد، تختار ليبيا اليوم موقعها: دولة سيادية تدافع عن حقوقها، ومنفتحة على التعاون الدولي القائم على الندية والاحترام المتبادل، واضعة مصلحة شعبها وكرامته ومستقبل أجياله فوق كل اعتبار.

وبذلك، تكون ليبيا قد أرسلت رسالة واضحة إلى المجتمع الدولي بأنها قادرة على اتخاذ قراراتها السيادية باستقلالية، وأن اتفاقياتها الدولية تحترم القانون الدولي وتخدم مصالح شعبها وتفتح آفاقاً للتعاون والتنمية والاستقرار في منطقة كانت ولا تزال تشكل أحد أهم مراكز الثقل الجيوسياسي في العالم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى