فرحات بن قدارة يكتب: خفض قيمة الدينار لا ينهي أزمة الصرف.. وهذه دروس تجربة التوحيد بين 1999 و2002
من تجربة توحيد الصرف إلى أزمة اليوم.. بن قدارة يحدد شروط استعادة الثقة وإنقاذ الدينار الليبي
ليبيا 24
في قراءة تستحق التوقف أمامها، لما تنطوي عليه من خبرة واسعة في إدارة ملف سعر الصرف والإلمام بتعقيداته، يطرح الدكتور فرحات عمر بن قدارة محافظ مصرف ليبيا المركزي الأسبق ورئيس اللجنة الإشرافية لبرنامج توحيد سعر الصرف خلال الفترة 1999–2000 رؤيته لجوهر الأزمة الاقتصادية الليبية.
حيث يسلط الدكتور فرحات بن قدارة الضوء على جوهر الأزمة الاقتصادية في ليبيا، مؤكداً أن خفض قيمة الدينار بقرار إداري لا يمثل حلاً مستداماً ما لم يترافق مع إصلاحات مالية ومصرفية حقيقية، تعزز الثقة في القنوات الرسمية وتحدّ من اتساع السوق الموازية.
تعديل سعر الصرف الرسمي
وجاء في المقالة أن تعديل سعر الصرف الرسمي قد يتم خلال يوم واحد بقرار إداري، إلا أن إقناع السوق بجدوى هذا التعديل واستعادة الثقة في القنوات المصرفية الرسمية يتطلبان إصلاحات حقيقية تتجاوز مجرد الإعلان عن سعر جديد.
في يناير 2026 خفض مصرف ليبيا المركزي قيمة الدينار بنسبة 14.7% مقابل وحدات حقوق السحب الخاصة بعد خفض آخر بنسبة 13.3% في أبريل 2025 ليكون الخفض الثاني خلال أقل من عام ومع ذلك لم ينجح القراران في إنهاء الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازية.
ارتفاع الدولار فى السوق الموازية
فقد تجاوز الدولار تسعة دنانير في السوق الموازية قبل سريان خفض يناير وبقي قريباً من ذلك المستوى بعد صدور القرار في حين استقر السعر الرسمي عند نحو 6.37 دينار للدولار وهكذا لم يكن تغيير السعر الرسمي وحده كافياً لمعالجة دوافع المواطنين والشركات إلى التعامل خارج النظام المصرفي.
وليست ليبيا غريبة عن هذه المشكلة فقد واجهت في أواخر التسعينيات وبداية الألفية تعدداً واسعاً في أسعار الصرف وفجوة كبيرة بين السعر الرسمي والسوق السوداء قبل أن تتمكن من خلال برنامج تدريجي نفذ بين 1999 و 2002 من توحيد السعر وإنهاء السوق الموازية عملياً آنذاك وتقدم تلك التجربة دروساً لليبيا اليوم ولدول أخرى تواجه نقص النقد الأجنبي وتعدد أسعاره.
نشأة السوق الموازية
وتسائل لماذا تنشأ السوق الموازية؟ لا تمثل السوق الموازية مجرد خلل في التسعير يمكن القضاء عليه بالقانون أو التدابير الأمنية وحدها فهي تنشأ عندما يوجد طلب على النقد الأجنبي لا تستطيع القنوات الرسمية تلبيته بالسعر والشروط المعلنة وينقسم هذا الطلب إلى نوعين أساسيين يجب عدم الخلط بينهما.
الأول هو الطلب الحقيقي المرتبط بالنشاط الاقتصادي والحاجات الفعلية فالمستورد يحتاج إلى العملات الأجنبية لشراء السلع ومستلزمات الإنتاج والطالب لتمويل دراسته بالخارج والمريض لتغطية العلاج والشركات لتسوية فواتيرها والتزاماتها الخارجية وهذا الطلب لا يختفي بالقيود أو التعليمات فإذا لم يجد سبيلاً عبر المصارف انتقل إلى السوق الموازية.
أما الثاني فهو الطلب المضاربي الناتج عن استغلال الفارق بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازية فعندما تحصل فئات محددة على النقد الأجنبي بسعر رسمي منخفض وتستطيع بيعه بسعر أعلى بكثير يتحول الفارق إلى نشاط ربحي منفصل عن إنتاج السلع والخدمات.
ومع اتساع الفجوة تتزايد الحوافز لشراء العملة بالسعر الرسمي وإعادة بيعها أو اللجوء إلى معاملات صورية لا تقابلها واردات فعلية وهو ما يخلق طلباً مصطنعاً يستنزف الموارد ويدفع السعر الموازي إلى مزيد من الارتفاع.
تلبية الطلب الحقيقي
ومن ثم لا تكفي تلبية الطلب الحقيقي إذا ظلت فرص المضاربة والمراجحة مفتوحة كما لا يكفي خفض قيمة الدينار دون توفير قناة قانونية موثوقة للحصول على النقد الأجنبي.
السعر الموازي ليس هدف ثابت تقوم وصفة تقليدية على خفض السعر الرسمي وتقريبه من سعر السوق الموازية على أمل اختفاء الفجوة تلقائياً غير أن السوق الموازية ليست رقم ساكن ينتظر اقتراب السعر الرسمي منه فهي تتأثر بالتوقعات والمضاربات وبمدى توافر العملة الأجنبية.
توفير النقد الأجنبي
إذا استمرت دوافع الطلب وظلت القنوات الرسمية صعبة الوصول أو غير قادرة على توفير النقد الأجنبي فقد يرتفع السعر الموازي بمجرد الإعلان عن خفض السعر الرسمي بل ربما قبل القرار نفسه.
لهذا لا تعالج التخفيضات المتكررة المشكلة بالضرورة فقد يكون سبب الفجوة محدودية المعروض وكثرة القيود وانعدام الثقة في استمرار توفير العملات الأجنبية إلى جانب غياب الانضباط المالي والتوسع غير المنظم في الإنفاق العام.
وتبين تجارب بلدان أخرى بينها مصر أن التخفيضات الجزئية والمتعاقبة قد تعجز عن إنهاء السوق الموازية ما لم تترافق مع توافر كاف للنقد الأجنبي وتوحيد حقيقي لسوق الصرف وإزالة القيود التي تدفع المتعاملين بعيداً عن القطاع المصرفي.
تجربة ليبيا من 1999 إلى 2002
تجربة ليبيا من 1999 إلى 2002 في أواخر التسعينيات بلغ السعر الرسمي للدولار نحو 0.33 دينار أي إن الدينار الليبي الواحد كان يعادل قرابة ثلاثة دولارات رسمياً بينما بلغ سعر الدولار في السوق السوداء نحو 3.70 دينار وكان ذلك فارق كبير بين سعر إداري معلن والسعر الذي يستطيع أغلب الناس التعامل به.
لم يكن السعر الرسمي متاح للجمهور ولا لمعظم الأغراض التجارية فقد خصّص لتحويلات واستخدامات محددة بينما كانت معظم الاحتياجات الشخصية والتجارية تلبّى بالسعر الموازي ونتج عن ذلك تشوه في الأسعار وزيادة تكلفة السلع المستوردة وازدهار المضاربة والتجارة غير الرسمية بالعملات الأجنبية.
برنامج سعر الصرف الخاص
بدأت المعالجة في فبراير 1999 عبر برنامج سعر الصرف الخاص المعلن الذي أتاح للمصارف التجارية بيع النقد الأجنبي للأغراض الشخصية ثم توسع تدريجياً ليشمل الاعتمادات المستندية والاحتياجات التجارية.
وضع السعر القانوني في البداية قريباً من مستوى السوق الموازية فقد كان الدولار يباع بنحو 3.70 دينار في السوق السوداء بينما حدد سعر البيع عبر المصارف عند نحو 3.20 دينار وكان الهدف نقل الطلب من السوق غير الرسمية إلى المصارف بدل فرض سعر بعيد عن واقع العرض والطلب.
إتاحة العملة الأجنبية
أدت إتاحة العملة الأجنبية قانونياً بسعر منافس إلى تراجع حافز اللجوء للسوق السوداء وبعد ذلك انخفض سعر بيع الدولار تدريجياً من 3.20 إلى 3.10 دينار ثم 2.95 وبعدها 2.50 و2.25 دينار واستمر في النزول مع توسيع البرنامج ليغطي المعاملات التجارية.
وفي موازاة ذلك عدل السعر الرسمي للدينار في الاتجاه المقابل من أجل تقريب السعرين والوصول إلى مستوى يستطيع الاقتصاد والاحتياطي المتاح دعمه على نحو مستدام.
وقد أظهرت الدراسات التي أجريناها في ذلك الوقت أن سعر التوازن يقع بين 1.25 و 1.30 دينار للدولار بناءً على عرض النقود والطلب الفعلي على الواردات وحجم الاحتياطيات وقدرة الدولة على توفير النقد الأجنبي.
وفي 24 ديسمبر 2001 صدر قرار توحيد سعر الصرف ودخل حيز التنفيذ في الأول من يناير 2002 عند نحو 1.30 دينار للدولار وانتهى بذلك العمل بسعر الصرف الخاص المعلن وأصبح السعر الموحد مطبقًا على المعاملات الشخصية والتجارية والحكومية.
لم تكن النتيجة ثمرة قفزة مفاجئة بل حصيلة مسار متدرج امتد لنحو ثلاثة سنوات انتقلت فيه المعاملات إلى القنوات الرسمية على مراحل.
تنفيذ البرنامج
كيف عايشت تنفيذ البرنامج؟ كنت نائباً لمحافظ مصرف ليبيا المركزي في المراحل الأولى من تطبيق البرنامج وكان الدكتور الطاهر الجهيمي محافظاً للمصرف عند انطلاق التجربة.
وعندما تولى الدكتور أحمد امنيسي منصب المحافظ واصلت عملي نائباً للمحافظ واستمر البرنامج وفق مساره المحدد كما ترأست اللجنة التي أشرفت على البرنامج وتابعت تنفيذه بما يشمل تقييم تغيرات الأسعار ورصد الطلب على العملات الأجنبية والإشراف على التحرك التدريجي نحو السعر المستهدف.
ومنحتني هذه المسؤولية فرصة متابعة استجابة السوق لكل تعديل ومعرفة مدى تحول الطلب من السوق غير الرسمية إلى المصارف التجارية.
توفر النقد الأجنبي
وكان الدرس الأكثر وضوح أن السوق تستجيب لتوفر النقد الأجنبي وسهولة الوصول إليه وثقتها في استمرارية القنوات المصرفية أكثر من استجابتها للإعلانات والقرارات النظرية.
كذلك لا يمكن تحديد سعر التوازن بقرار سياسي أو إداري مجرد بل ينبغي أن ينتج عن دراسة دقيقة للطلب الفعلي وعرض النقود واحتياجات الاستيراد والاحتياطيات وقدرة الاقتصاد على الحفاظ على السعر المعتمد.
نجاح توحيد سعر الصرف
لماذا نجح توحيد سعر الصرف آنذاك؟ نجح البرنامج لأنه انطلق من سعر قريب من مستوى تقبله السوق لا من السعر الذي كانت الحكومة تفضله ولأنه لم يقتصر على تخفيض قيمة الدينار، بل وفر قناة قانونية لشراء النقد الأجنبي ووسع الأغراض الممولة عبر المصارف وخفف القيود التي كانت تدفع الأفراد والشركات إلى السوق السوداء.
ومن واقع إشرافي المباشر على البرنامج تكونت لدي قناعة بأن السوق الموازية لا تنتهي بمجرد منعها إدارياً بل تتراجع عندما تصبح القنوات القانونية أكثر أمناً وموثوقية وقدرة على تلبية الاحتياجات من نظيرتها غير الرسمية.
عناصر النجاح
ويمكن تلخيص عناصر النجاح في ستة عوامل مترابطة أولها تحديد سعر مستهدف بالاستناد إلى دراسة العرض والطلب الحقيقيين بدل اختياره على أسس سياسية أو إدارية.
ثانيها فتح قناة مصرفية قانونية تبيع النقد الأجنبي بسعر قريب من السعر السائد في السوق الموازية وثالثها استمرار تزويد هذه القناة بالعملات الأجنبية بما يعزز ثقة المتعاملين في قدرتها على tلبية احتياجاتهم.
أما العامل الرابع فهو الانتقال التدريجي والمنظم إلى سعر التوازن لتجنب صدمة قد تدفع السعر الموازي إلى ارتفاع جديد.
والخامس توسيع استخدام المصارف تدريجياً من الاحتياجات الشخصية إلى التجارية بدل حصر الوصول إلى العملة في أغراض أو فئات محدودة.
والعامل السادس توحيد السعر في نهاية البرنامج وإنهاء تعدد الأسعار والمعاملة التفضيلية بين الجهات والقطاعات المختلفة.
لماذا عادت السوق الموازية بعد ذلك؟ نجاح التوحيد في مرحلة معينة لا يضمن اختفاء السوق الموازية إلى الأبد فاستمراره مرهون بقدرة النظام المصرفي على توفير النقد الأجنبي وبسياسة مالية منضبطة ومتسقة مع السياسة النقدية.
وبعد عام 2014 ساهمت الانقسامات السياسية والمؤسسية وتوقف إنتاج النفط وصادراته في فترات مختلفة والتوسع في الإنفاق العام وتعدد قنوات الصرف وضعف الثقة في المصارف في إعادة تكوين الظروف التي تسمح بعودة السوق الموازية.
وحين ينمو الإنفاق المحلي وعرض النقود بأسرع من نمو موارد الدولة من العملات الأجنبية يتزايد الضغط على سعر الدينار ولا يستطيع المصرف المركزي أن يدافع طويلاً مهما امتلك من أدوات عن سعر رسمي لا يتوافق مع الواقع المالي.
من هنا لا يمكن تحميل المصرف المركزي وحده مسؤولية أزمة سعر الصرف فهي تتأثر أيضاً بالسياسة المالية وحجم الإنفاق العام ومستويات إنتاج النفط وأسعاره وكفاءة البنوك ومدى الثقة بمؤسسات الدولة.
ستة دروس للمرحلة الحالية الدرس الأول أن تخفيض قيمة الدينار ليس بديلًا عن توحيد سوق الصرف فقد يضيق الفارق مؤقتاً لكن السوق الموازية ستظل قائمة ما دام الوصول إلى العملات الأجنبية محدودًا أو غير متكافئ.
الدرس الثاني ضرورة اختيار سعر توازن قابل للاستمرار لا مجرد سعر يقترب من السوق الموازية في يوم صدور القرار بحيث يعكس الإيرادات والاحتياطيات والإنفاق وعرض النقود والطلب الحقيقي على الواردات.
الدرس الثالث التمييز بين الطلب الحقيقي والطلب الناشئ عن المضاربة فتمويل الطلب الفعلي عبر المصارف يقلص حجم السوق الموازية بينما يتطلب الحد من المضاربة إغلاق منافذ الربح غير المشروع الناتج عن الفروق السعرية.
الدرس الرابع أن استقرار سعر الصرف يبدأ من الانضباط المالي فلا يمكن تثبيت قيمة العملة في ظل إنفاق مفتوح أو تعدد سلطات الإنفاق أو غياب ميزانية موحدة وحدود واضحة للمصروفات.
الدرس الخامس أن وفرة النقد الأجنبي وحدها لا تكفي إذ يجب أن تقترن بمعايير شفافة وعادلة للحصول عليه ورقابة على الاعتمادات والتحويلات لمنع تمويل عمليات صورية أو إعادة بيع العملات عبر القنوات الرسمية.
الدرس السادس حماية ذوي الدخول المحدودة من أثر الإصلاحات فتعديل سعر الصرف، وإن كان ضرورياً في بعض الظروف يزيد تكلفة الواردات ولذلك يجب أن يصاحبه دعم مباشر ومحدد للفئات الأشد تضرراً بدل تقديم دعم لسعر الصرف قد يستفيد منه الوسطاء والمضاربون أكثر من المستهلك.
الخلاصة توحيد السوق قبل الاحتفاء بأرقام التخفيض لا يقاس نجاح سياسة الصرف بحجم تخفيض القيمة الرسمية بل بقدرتها على توحيد سوق العملات الأجنبية واستعادة الثقة في المصارف.
وأثبتت تجربة ليبيا بين 1999 و2002 أن إنهاء السوق الموازية عملياً ممكن عندما يبنى الإصلاح على فهم واقعي للعرض والطلب ويتاح النقد الأجنبي بصورة قانونية وبسعر منافس ويجري الوصول تدريجياً إلى سعر توازن قابل للدفاع عنه.
وأظهرت التطورات اللاحقة أيضاً أن استقرار الصرف لا ينفصل عن الاستقرار السياسي والانضباط المالي واستمرار تدفق الإيرادات من العملات الأجنبية. السوق الموازية لا تختفي لمجرد إعلان المصرف المركزي سعر جديد أو فرض الحظر عليها وإنما تفقد مبرر وجودها عندما يصبح السعر القانوني معبر عن الواقع ويغدو الحصول على النقد الأجنبي عبر المصارف أسهل وأكثر موثوقية من شرائه في الشارع وهذا هو الدرس الأهم من التجربة الليبية.



