غير مصنف

انتقادات قانونية واقتصادية لمشروع جدول المرتبات الموحد في ليبيا ومطالب بمراجعته

تحذيرات من قصور الدراسات وتعارض بعض الأحكام مع التشريعات النافذة

يثير مشروع قانون الجدول الموحد للمرتبات في ليبيا ملاحظات قانونية واقتصادية بشأن مدى استيفائه متطلبات العدالة بين القطاعات الوظيفية، وانعكاساته على الأوضاع المعيشية والمالية، وسط مطالب بمراجعة بنوده وإخضاعه لدراسات متخصصة قبل إقراره، بما يضمن حماية حقوق العاملين واتساقه مع التشريعات النافذة.

وتناولت مواقف صادرة عن المستشار القانوني والناشط الحقوقي هشام الحاراتي، وعضو المجلس الأعلى للدولة سعد بن شرادة، وعضو مجلس النواب إسماعيل الشريف، جوانب مختلفة من المشروع، تمحورت حول القصور التشريعي والدراسات الاقتصادية، إلى جانب ضرورة معالجة الاختلالات المرتبطة بالإنفاق العام والدعم والسياسة النقدية.

ملاحظات قانونية على مشروع الجدول الموحد

ورأى المستشار القانوني والناشط الحقوقي هشام الحاراتي أن جدول المرتبات المقترح، وفق الصيغة المتداولة، يشوبه عوار وقصور، ولا ينبغي تمريره دون إخضاعه لدراسة قانونية واقتصادية واجتماعية معمقة، محذراً من أن المساس بحقوق الموظفين بصورة عشوائية تحت عنوان تحقيق العدالة قد يؤدي إلى الإضرار بهذه الحقوق بدلاً من حمايتها.

وشدد الحاراتي على أن حقوق ملايين الليبيين لا ينبغي أن تكون محل قرارات ارتجالية أو إجراءات غير مدروسة، رافضاً ما وصفه بسياسة فرض الأمر الواقع، وداعياً إلى فتح نقاش مجتمعي وتخصصي جاد قبل إقرار أي تشريع يمس دخول المواطنين وأوضاعهم المعيشية ومستقبلهم الوظيفي.

وفي السياق ذاته، أكد عضو مجلس النواب إسماعيل الشريف أن مشروع قانون الجدول الموحد للمرتبات يعاني قصوراً في الدراسات والتقييمات اللازمة، ولا يستند إلى دراسات وافية تراعي الظروف الاقتصادية للأسرة الليبية واحتياجاتها المعيشية.

وأوضح الشريف أن المشروع، بصيغته الحالية، لا يحقق مبادئ العدالة والإنصاف بين مختلف الفئات والقطاعات الوظيفية، ولا يستجيب لتطلعات المعلمين والعاملين في القطاعات الأخرى بشأن تحسين أوضاعهم المعيشية والمهنية.

وأشار إلى وجود أحكام في مشروع القانون تتعارض مع عدد من التشريعات النافذة، من بينها قانون الضمان الاجتماعي رقم 13 لسنة 1980، وقانون علاقات العمل رقم 12 لسنة 2010، معتبراً أن ذلك يستدعي مراجعة مواده وإعادة النظر فيها لضمان توافقها مع المنظومة التشريعية القائمة.

وأكد ضرورة معالجة ملف المرتبات وفق أسس قانونية وموضوعية تكفل الإنصاف وتحفظ حقوق جميع العاملين، معلناً رفضه تمرير المشروع بصيغته الحالية.

إصلاح الإنفاق والدعم شرط لمواجهة آثار زيادة الأجور

ومن زاوية اقتصادية، اعتبر عضو المجلس الأعلى للدولة سعد بن شرادة أن تعديل المرتبات وتحقيق العدالة في توزيعها يمثلان خطوة مهمة، لكنهما لا يكفيان بمفردهما لتحقيق الإصلاح الاقتصادي، في ظل استمرار الاختلالات المرتبطة بالإنفاق العام وفاتورة الدعم والسياسات الاستيرادية.

وشدد بن شرادة على ضرورة ترشيد الإنفاق العام ومراجعة فاتورة الدعم، مشيراً إلى ارتفاعها من نحو 6 مليارات إلى 15 مليار دينار، وداعياً إلى إعادتها إلى مستويات ما قبل عام 2021.

كما طالب بإصلاح سياسة الاستيراد والحد من استنزاف النقد الأجنبي في استيراد الاحتياجات الأساسية، بما فيها مياه الشرب، معتبراً أن معالجة هذه الاختلالات تمثل جانباً أساسياً من مسار الإصلاح الاقتصادي.

ونبه إلى أن الزيادات في المرتبات قد تفقد أثرها نتيجة التضخم وتراجع قيمة الدينار، ما يجعل حماية العملة واستقرار الأسعار وضبط الإنفاق العام ملفات لا تقل أهمية عن تحقيق العدالة في الأجور.\

تباين زوايا الاعتراض واتفاق على ضرورة المراجعة

وتعكس المواقف الثلاثة تعدد جوانب النقاش حول مشروع الجدول الموحد للمرتبات؛ إذ تركزت الملاحظات القانونية على مدى توافق مواده مع التشريعات القائمة وضمان عدم الانتقاص من حقوق الموظفين، فيما انصبت الانتقادات الاقتصادية على محدودية أثر زيادة الأجور في غياب إصلاحات أوسع للإنفاق والدعم والسياسة النقدية.

كما برزت مسألة العدالة بين القطاعات الوظيفية بوصفها أحد المحاور الأساسية في تقييم المشروع، في ظل المطالب بمراعاة الفوارق بين الفئات المهنية وتحسين الأوضاع المعيشية للعاملين دون الإضرار بحقوق أي قطاع.

وتتجه الملاحظات المطروحة إلى المطالبة بمراجعة المشروع قبل إقراره، من خلال استكمال الدراسات القانونية والاقتصادية والاجتماعية، وتقييم انعكاساته على المالية العامة والقوة الشرائية، بما يتيح بناء جدول مرتبات يستند إلى معايير واضحة للإنصاف والاستدامة المالية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى