الصراع المحتدم الإيطالي الفرنسي على الكعكة الليبية بعد اعتذار روما أمام العالم لليبيا على حقبتها الاستعمارية

خطاب وزيرة الدفاع الإيطالية بخصوص ليبيا، هل يعكس انفصال الوزيرة الإيطالية عن الواقع، وهي تتحدث عن ليبيا، وكأننا بها تتحدث عن أحد مقاطعات الدولة الإيطالية؟ أم أن هذا الانفصال عن الواقع يعود إلى حالة الحنين إلى ثقافة الاستعمار الغابرة لأجدادها في ليبيا، غذاها متغير ما بعد 2011؟

لكن بالتأكيد؛ لم تعد ليبيا الشاطئ الرابع يا وزيرة الدفاع الإيطالية ، ولعل توقيع رئيس وزراء إيطاليا الأسبق سلفيو بيرلسكوني على يد ابن المجاهد عمر المختار في روما عام 2008 ، كانت بمثابة اعتذار عن الاحتلال الإيطالي الفاشي،  وعن الجرائم الإيطالية بحق الليبيين ، وهي توقيع لوأد الحلم الإيطالي في التوسع جنوبا، والذي يبدو أن الوزيرة الإيطالية الجديدة بحاجة إلى أن تعيد قراءة التاريخ، وتتذكر خروج المستوطنين الاستعماريين الإيطاليين من ليبيا في 7 (أكتوبر) عام 1970 بعد قيام ثورة (سبتمبر) بأشهر معدودة.

لكن انفجار الصراع بهذا الشكل المحتدم بين فرنسا وإيطاليا على ليبيا ودخول صحافة البلدين على خط الصراع، هكذا وبكل صفاقة، وبحد عال من العنجهية الاستعمارية، وكأن ليبيا ليس به شعب متمرس، كان وما يزال يملك القدرة في الدفاع عن مصالحه وحماية ثرواته.

لكن الصراع الإيطالي الفرنسي على ليبيا، يطرح سؤالا ربما فكريا، وهو هل كان الاستعمار في يوم ما ميزة، يمكن أن يوظفها المستعمر، وتعطيه حق الأولوية في مستعمرته السابقة؟  بحيث تحاجج وزيرة الدفاع الإيطالية نظيرتها الفرنسية بحق إيطاليا في أولوية القيادة في ليبيا في تنافسها مع فرنسا على الكعكة الليبية ” النفط والغاز والمواد الخام المدفونة في أرضها”

وهل هذا التنافس بين من استعمر ليبيا لعقود مارس خلالها أبشع الجرائم من قتل ونفى لمئات آلاف الليبيين؟ وبين من كان له السبق في تدمير ليبيا عام 2011، وما تزال أدواته المحلية تتحكم في بعض المؤسسات القائمة الآن في الغرب الليبي، والذي يدور حول بلد ثالث، يمكن القول أنه يتسم بأي حد من النزاهة الفكرية والسياسة والأخلاقية؟

ألا يشكل هذا الصراع الذي خرج إلى العلن؛ ويتعامل مع الشعب الليبي كأنه غير موجود، هو بمثابة عدوان موصوف من هاتين الدولتين على ليبيا بعد أن اتخذتاه مسرحا للعمليات بينهما، حتى لو كان نظريا حتى الآن؟

وجدية هذا صراع المصالح بين البلدين برز بعد أن حذرت وزيرة الدفاع الإيطالية، إليزابيتا ترينتا، السلطات الفرنسية من تدخلها في الشأن الداخلي للدولة الواقعة في الشمال الأفريقي وبالطبع المقصود بهذا البلد ليبيا، باعتبارها كما يبدو تركة ورثتها الوزيرة الإيطالية عن أجدادها، وتناست أن هناك شعب كان لأجداده شرف مواجهة الاستعمار الإيطالي، ثم كان لآبائه وأجداده شرف اقتلاع جيش المستوطنين المدني من ليبيا إلى غير رجعة؛ قبل ما يقارب الخمسة عقود.

وبحسب صحيفة “الجورنال” الإيطالية، فقد حذرت إليزابيتا ترينتا، السلطات الفرنسية من تدخلها في الشأن الليبي مؤكدة أن بلادها هي الدولة القادرة على قيادة الدولة الليبية وأن القيادة بيد “إيطاليا” فيما يتعلق بالحالة الليبية.

وقالت الصحيفة إن الوزيرة الإيطالية قالت لنظيرتها الفرنسية، فلورنس بارلي، على هامش الاجتماع الوزاري بمقر الناتو في بروكسل: “لنكن واضحين.. القيادة في ليبيا لنا”.

وكانت الصحيفة قالت في تقرير سابق لها، أن ماكرون يسعى إلى الاستحواذ على ثروات الطاقة في المستعمرة الإيطالية السابقة مستغلا الفوضى الليبية والفراغ السياسي الانتقالي الحالي في روما.

أما صحيفة “ilgiornale” الإيطالية فقد كتبت قبل مؤتمر باريس إن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يريد “سرقة” ليبيا، وإن الخطة الفرنسية “تستغل الصدام بين القبائل وانعدام اليقين الإيطالي”، ما لم يمنعها بوتين.

الرئيس الفرنسي يريد سرق “ليبيا” هكذا تقرر الصحيفة الإيطالية، ولكن السؤال هو: سرقتها من مَن؟ أليست السرقة من لص آخرْ؟ يريد الاستحواذ على الغنيمة بمفرده، فيما لا يزال البعض الليبي يعمل وكيلا لهذا أو ذاك.

الصحيفة الإيطالية رأت أن ماكرون يسعى إلى الاستحواذ على ثروات الطاقة في المستعمرة الإيطالية السابقة مستغلا الفوضى الليبية والفراغ السياسي الانتقالي الحالي في روما.

واتهمت الصحيفة الإيطالية فرنسا أنها انتهزت الفترة الانتقالية التي أعقبت الانتخابات الإيطالية، باعتبارها الفرصة المناسبة ليس فقط بالنسبة للأوضاع في روما، بل وعلى جبهة الأمم المتحدة، بحسب الصحيفة الإيطالية التي لفتت إلى تصريح المبعوث الأممي الخاص إلى ليبيا غسان سلامة بعدم القدرة على تجديد اتفاقيات المصالحة بين الفرقاء الليبيين المنتهية أواخر 2017، ولكون الولايات المتحدة بعيدة وغير مهتمة بالأزمة الليبية، ما رأت فيه ظرفا مواتيا للغاية يتيح لماكرون التصرف طليق اليدين!

الصحيفة الإيطالية قالت وبالفم الملآن من أجل “الحفاظ على غازنا ونفطنا” فهو “نفطنا وغازنا” وكم هي وقحة هذه الـ “نا” الإيطالية، التي جردت الليبيين من ثروتهم.

السفارة الإيطالية في ليبيا اتهمت أطرافا؛ بمحاولة تشويه العلاقات بين إيطاليا وليبيا، وهذه الأطراف لا تدخر جهداً في محاولاتها لتحقيق ذلك كما تقول السفارة الإيطالية في طرابلس، في إشارة إلى الهجوم الذي تعرضت له إيطاليا عقب التصريحات الأخيرة لوزيرة الدفاع الجديدة، إليزابيتا ترينتا حول مساحة الدور الإيطالي في ليبيا.

حديث الوزيرة الإيطالية الواضح، والذي يعبر عن الثقافة السياسية السائدة في أوساط اليمين الإيطالي، هو من شوه نفسه بنفسه، لأنه شديد الوضوح، كونه ترجمة لحنين استعماري يأمل في استعادة، مستعمرتها السابقة، خاصة بعد هذا المتغير العاصف الذي تعيشه ليبيا بعد 2011.

ليكون السؤال هل كان يجرؤ أي مسؤول إيطالي قبل ذلك، أن يقول “نفطنا وغازنا”، ويتصرف وكأن ليبيا تحت الوصاية، فيما الجهات المعنية تتعامل وكأن شيئا لم يحدث، وسط صمت على تطاول الوزيرة الإيطالية، من قبل الكيانات السياسية المعنية، بالتأكيد ألف كلا.