تأزيم الموقف ودعم الإخوان والميليشيات والارتهان لقرار القوى الدولية والتربح.. محصلة جهود المبعوثين الأميين في ليبيا

تعاقب على تمثيل الأمم المتحدة في ليبيا عدداً من المبعوثين الدوليين، أملا في حل أزمتها التي دخلتها منذ أحداث فبراير 2011، دون أن تخرج منها.

مبعوثون أمميون مكثوا في مهامهم شهورا قبل أن يصلوا إلى نهاية الطريق المسدودة، أولهم الأردني “عبد الإله الخطيب”، ثم البريطاني “إيان مارتن”، وبعده اللبناني “طارق متري”، فالإسباني برناردينو ليون، مروراً بالألماني “مارتن كوبلر”، وأخيراً اللبناني “غسان سلامة”

فما هي طبيعة الأدوار الخفية التي لعبها المبعوثون الأمميون إلى ليبيا !؟

ما يدعم تساؤلنا حول الدور الخفي للمبعوثين الأميين في الأزمة الليبية، أنهم لم يفشلوا فقط في حل النزاع بل عمدوا إلى تأزيم الموقف، وتمكين الميليشيات والجماعات المرتبطة بجماعة الإخوان الإرهابية من إحكام قبضتها على مناطق سيطرتها، بالإضافة إلى ضمان مصالح قوى دولية وإقليمية معينة.

وفي هذا السياق، ارتكب “ليون” العديد من الأخطاء التي صعبت مهمته في ليبيا، ومن بين هذه الأخطاء محاولته الإسراع بالحوار لتحقيق نتائج بأى شكل كان لإنهاء مهمته بالإعلان عن تشكيل الحكومة، وإن كان ذلك عن طريق إدخال تعديلات عديدة على الاتفاق الذى تم التوقيع عليه بالأحرف الأولى من أجل إقناع طرابلس بالانضمام إلى الاتفاق، على حساب مطالبة مجلس النواب فى طبرق بقبول تقديم تنازلات رغم تعهده فى وقت سابق بعدم فتح الاتفاق الموقع.

بالاضافة إلى ذلك إعلان “ليون” للأسماء المشكلة للحكومة وللمجلس الرئاسى دون تشاور كافٍ مع كل الأطراف الليبية. فى الوقت الذى مارس فيه المجتمع الدولى كافة الضغوطات، وصلت حد التهديد بفرض عقوبات على الأطراف غير الملتزمة بما فيها مجلس النواب، لقبول مقترحات “ليون”، مما أوصل العملية السياسية إلى طريق مسدود.

كما لعب سلوك المبعوث برناردينو ليون دوراً سلبياً على الجهود التي بذلتها الأمم المتحدة لتطبيق مخرجات الحوار الوطني الليبي، حيث وجِّهت إلى ليون انتقادات حادة حول قبوله منصب رئيس الأكاديمية الدبلوماسية في دولة الإمارات العربية المتحدة، وكان لم يزل بعد على رأس عمله كمبعوث دولي، الأمر الذي وضعه في دائرة اتهامه بعدم مراعاة عدم تضارب المصالح بين دوره كمبعوث أممي وسعيه للعمل في منصب أكاديمي كبير في دولة الإمارات المتحدة.

حيث نشرت صحيفة الغارديان البريطانية، في الـ 4 من نوفمبر 2015، مقالا قالت فيه: “إن مبعوث الأمم المتحدة إلى ليبيا، برناردينو ليون، أمضى صيفه في التفاوض مع دولة الإمارات على وظيفة براتب 35 ألف جنيه إسترليني شهريا.

وأضافت الغارديان أن الإمارات عرضت على ليون، في يونيو 2015، وظيفة مدير عام “أكاديمية الإمارات الدبلوماسية”. وهي هيئة تهدف إلى تعزيز السياسة الخارجية الإماراتية، وتطوير علاقاتها الاستراتيجية، إضافة إلى تدريب الكادر الدبلوماسي الإماراتي.

رحل ليون، وتولى كوبلر خلفا له مهام منصبه الجديد في ليبيا عقب تركه للعراق، وقد لاقى تعيين “كوبلر” نقداً لاذعاً في الإعلام الليبي الذي نعته بالفاشل، مستنداً إلى أن كل التقارير الواردة فى مهماته الدولية السابقة، فى الكونغو والعراق باءت بالفشل ملقياً اللوم على الأمين العام للأمم المتحدة حينها “بان كي مون” لتعيينه.

وفشل كوبلر، بحسب المراقبين، في أن يكون على مسافة واحدة بين الفرقاء، حيث انحاز بشكل واضح ومكشوف إلى جماعة الإخوان الإرهابية والجماعات المتحالفة معها والميليشيات، الأمر الذي عقد مهمته في إيجاد تفاهمات تنهي الصراع السياسي والعسكري الذي تشهده ليبيا.

وتسبب هذا الانحياز في ارتفاع الأصوات التي تطالب برحيل كوبلر، كما خرجت العديد من المظاهرات الرافضة له في مختلف المناطق والجهات الليبية.

ويرى متابعون،أن “كوبلر” لم يحقق النتائج المرجوة بسبب ضعف تنسيقه مع الأطراف ذات المصلحة والاهتمام بالشأن الليبي سواء داخل ليبيا أو خارجها ، وبصفة خاصة على صعيد كسب ثقة بخاصة الأطراف الليبية المختلفة في المشهد السياسي، وإجمالاً لم يضف كوبلر جديداً يُذكر لما استلمه من سلفه ليون الذي ترك منصبه بعد أن تمكن من صياغة الاتفاق السياسي “الصخيرات” الذي يمثل المرجعية الحالية للتفاوض بين الأطراف السياسية.

ورحل مارتن كوبلر، وتم تعيين غسان سلامة رئيسا لبعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، ثم أصدر الأمين العام للأمم المتحدة “أنطونيو غوتيريس”، يوليو الماضي، قرارا، بتكليف القائمة بأعمال السفارة الأمريكية لدى ليبيا “ستيفاني ويليامز” بمهام نائب ممثله الخاص للشؤون السياسية في ليبيا لدى بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا.

وفي يناير الماضي، شن الناطق باسم الجيش، أحمد المسمارى، هجوما شرسا على غسان سلامة بسبب موقفه من عمليات الجيش الليبى جنوب البلاد، متهما المبعوث الأممى بعقد اجتماعات مع شخصيات متطرفة فى البلاد، وأنه لم يلتق القاعدة الشعبية الحقيقية فى ليبيا.

وقال المسمارى فى مؤتمر صحفي، إن المبعوث الأممى إلى ليبيا يسعى لبناء دولة ميليشيات على غرار النموذج اللبنانى، مؤكدا أن بلاده ترفض أن تتحول ليبيا إلى نموذج دولة الميليشيات، وأَضاف “منزعجون من إنكار غسان سلامة لدور الجيش في إرساء الاستقرار بالبلاد”

وأكد “المسمارى” أن سلامة أصبح جزء من أزمة ليبيا وليس وسيطا للحل، متهما الأخير بإدارة الدولة الليبية عبر رئيس المجلس الرئاسى لحكومة الوفاق غير المعتمدة، فائز السراج، مضيفا “غسان سلامة يدير ليبيا عبر السراج ونحن نرفض ذلك تماما”.

وقال عضو مجلس النواب، زايد هدية، يناير الماضي، إن البعثة الأممية برئاسة غسان سلامة، ونائبته “ستيڤاني ويليامز’، باتت تخدم مصالح الدول صاحبة القرار والنفوذ داخل مجلس الأمن الدولى التى لا يهمها إلا مصالحها الضيقة، مؤكدا أن هذه الدول باتت تستخدم البعثة الأممية فى ليبيا لتنفيذ مشاريعها.

وقال المحلل السياسي “عثمان بركة”، إن المبعوث الأممي إلى ليبيا “غسان سلامة” ينحاز إلى تنظيم الإخوان الإرهابي والتيارات المتطرفة، مضيفاً، أن سلامة أصبح طرفا أصيلا في الأزمة الليبية وليس عنصرا محايدا بين جميع الأطراف المتصارعة، وبالتالي فإن الملتقى الذي يحشد إليه منذ عدة أشهر سيفشل، بحسب قوله.

ووفقاً لتصريحات لصحيفة العين الإخبارية، فقد اتفق الخبير في الشأن الليبي “محمد الزبيدي” مع بركة، قائلا إن “المؤتمر الجامع الذي تسعى له البعثة الأممية لدى ليبيا لم يعد له معنى، خصوصا بعد الانتصارات الكبيرة التي حققها الجيش في الجنوب وتطهيره من المليشيات المسلحة وعصابات الجريمة المنظمة”.

بينما قال ممثل بلدية طبرق الليبية بمحادثات جنيف وبروكسل فرج ياسين إن المليشيات المسلحة فى غرب ليبيا “عقبة أمام الملتقى الوطني الليبي الذي يخطط له المبعوث الأممي إلى ليبيا غسان سلامة”.

وكان سلامة، قد أشار إلى أن الملتقى سيمثل “23 فئة من الليبيين جميعا؛ تشمل المدن والأحزاب ورؤساء الجامعات ورؤساء النقابات وشيوخ القبائل والبلديات وأعضاء من مجلس النواب ومن مجلس الدولة وكل الأجسام الاجتماعية والسياسية والمكونات والأقليات العرقية، وسيكون هناك ممثل أو اثنان عن كل فئة”.

وجاءت رؤية المبعوث الأممي لحل الأزمة الليبية في أعقاب مؤتمر باليرمو، الذي استضافته إيطاليا في نوفمبر الماضي، مشيراً إلى انعقاد الملتقى الليبي بداية 2019، وإجراء انتخابات ليبية في ربيع العام نفسه.