أجندة أمريكية جديدة في التعاطي مع الأزمة الليبية

الحضور الأمريكي في الساحة الليبية بدا واضحا في الأسابيع الماضية الاخيرة ، وربما يكون الدافع وراء ذلك هو شعور الإدارة الأمريكية بانفلات زمام الأمور في ليبيا من أيديها ، حيث كان الظهور الأخير للولايات المتحدة قبيل انعقاد مؤتمر باليرمو في اللقاء الذي جمع رئيس الوزراء الإيطالي جوزيبي كونتي مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ليبارك الأخير الخطوات الايطالية في الأزمة الليبية.

وبمرور الوقت شعرت واشنطن انه ينبغي عليها بذل جهد أوسع لتدارك خطأ تراجعها عن المشهد السياسي في ليبيا ، فكان تعيين السفير الأمريكي الجديد لدى ليبيا ريتشارد نورلاند، والذي لم يفقد بدوره أية مناسبة للاجتماع بمسؤولين ليبيين على طاولة المباحثات .

المساعي الأمريكية في ليبيا بدأت يتصريح نورلاند بأن مهمته هي العمل مع جميع الأطراف في ليبيا لتشكيل دولة مستقرة، وتحقيق الرخاء في جميع أنحاء البلاد، وإعلانه بأن بلاده ستشارك بنشاط في الجهود التي تقودها الأمم المتحدة في ليبيا لإيجاد حل للأزمة الليبية من خلال التفاوض والحلول السلمية.

نورلاند التقى بعدة مسؤولين ليبيين كان أولها لقاءه بوزير خارجية حكومة الوفاق غير المعتمدة ، محمد سيالة، والذي أكد خلاله أن بلاده لا تدعم الحل العسكري للأزمة الليبية، مؤكدًا بأن واشنطن تدعم جهود الأمم المتحدة من أجل التوصل إلى حل سياسي.

وعلى المستوى التشريعي أكد نورلاند، حرصه على العمل مع مجلس النواب من أجل تحقيق السلام في ليبيا، من خلال رسالة بعث بها إلى رئيس لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب يوسف العقوري.

وعملا بمبدأ التواصل مع جميع الأطراف التقى بحث نورلاند مع رئيس ما يسمى مجلس الدولة ، خالد المشري، تطورات الأحداث الدائرة في ليبيا، وسير العملية السياسية وما تواجهها من عراقيل، فضلا عن ملف الإصلاحات الاقتصادية .

وعلى المستوى الأممي فقد اطلع السفير الأمريكي على الوضع الإنساني المتدهور في ليبيا خلال لقائه نائبة المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، كيلي كليمنتس  التي أوضحت له جهود المفوضية لتوفير المساعدة الضرورية لإنقاذ حياة النازحين و اللاجئين في ليبيا.

ولم يغب عن ذهن الإدارة الأمريكية دور البلديات في تعميق التأثير الأمريكي بالساحة الليبية حيث عقد نورلاند عدة لقاءات أكد خلالها على التزام بلاده بالحل السياسي والسلمي للصراع الدائر في ليبيا، من خلال لقائه مساعد مدير الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية للشرق الأوسط مايك هارفي، مع عدد من المسؤولين المنتخبين بالبلديات في ليبيا.

ليطلع نورلاند وهارفي خلال اللقاء على التحديات التي يواجهها المسؤولون المنتخبون في كثير من الأحيان أثناء تقديم الخدمات الأساسية للناخبين في ظلّ الوضع السياسي الذي وصفوه بالمعقّد في ليبيا والذي يتسم بالصراع.

ومن البديهي أن يلتقي نورلاند بالمبعوث الأممي لدى ليبيا، غسان سلامة، في مقدمة لقاءاته ، إذ أن جميع تحركات سلامة ومشاوراته ونتائجها كانت بين يدي الإدارة الأمريكية عن طريق الأداة الثانية التي نصبتها واشنطن “ستيفاني ويليامز” نائبة سلامة للشؤون السياسية .

ولم يلتقِ سلامة بنورلاند إلا بصحبة مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون الشرق الاوسط ديفيد شينكر، لبحث مستجدات الأوضاع في ليبيا، والاستحقاقات الإقليمية والدولية.

وبعد اطلاع الإدارة الأمريكية على خيوط اللعبة كاملة في ليبيا بدأت تتكشف الأهداف الحقيقية وراء الاهتمام المتزايد في السابيع الأخيرة الماضية بلقاءين وصفهما مراقبون بأنهما عمق الاهتمام الأمريكي بليبيا، كان أولهما لقاء في واشنطن جمع رئيس مجلس إدارة المؤسسة الوطنية للنفط، مصطفى صنع الله مع نائب مساعد وزير الخارجية الأمريكي ماثيو زايس والسفير الأمريكي، ريتشارد نورلاند لمناقشة خطط المؤسسة لزيادة الإنتاج من خلال تطوير المنشآت النفطية .

وخلال هذا الاجتماع بحث نورلاند سبل جذب استثمارات القطاع الخاص الأمريكي في قطاع النفط ، مع التأكيد على دعم الولايات المتحدة لهدف المؤسسة الوطنية للنفط في أن تظل جهة فنية غير حزبية، ضمانا لعدم عرقلة الاستثمارات .

ولم يفت على الإدارة الأمريكية التوجه نحو الأداة المالية الفاعلة في ليبيا مصرف ليبيا المركزي الذي يقسم الثروة الليبية فعقد نورلاند ونائب مساعد وزير الخزانة الأمريكي، إريك ماير عدة لقاءات مع مسؤولين ليبيين على رأسهم محافظ مصرف ليبيا المركزي طرابلس، الصديق الكبير ومحافظ مصرف ليبيا المركزي البيضاء، علي الحبري بهدف تعزيز التعاون الاقتصادي بين الولايات المتحدة وليبيا وتعزيز الانتعاش الاقتصادي الليبي لصالح جميع الليبيين.

وأبدى نورلاند استعداد الولايات المتحدة لتقديم مزيد من الدعم الفنّي والخبرة لمعالجة القضايا المستفحلة التي تعوق توزيع الميزانية، وضمان استفادة جميع الليبيين من الثروات الطبيعية التي وصفها بالهائلة في البلاد.