امتناع روسيا عن التصويت على قرار مجلس الأمن يعني مواجهة عسكرية وشيكة في ليبيا

تقرير خاص

بطائرات سوخوي وقوات نظامية وعناصر “فاجنر”.. تدخل روسي حاد في ليبيا

خبراء: امتناع روسيا عن التصويت على قرار مجلس الأمن الداعي لوقف إطلاق النار يعني مواجهة عسكرية وشيكة في ليبيا

التدخل الروسي في ليبيا جاء بعد خلافات روما وباريس ويستند إلى علاقات كانت ممتدة منذ زمن القذافي

_____________

بعيدًا عن كل أوجه التدخل السياسي والعسكري في ليبيا، من جانب قوى عالمية وإقليمية عدة، يأخذ التدخل الروسي في الأزمة الليبية منحى خاص جدًا.

 فروسيا ليست فقط قوة عالمية مؤثرة، ولكنها قوة لها تاريخ ممتد في ليبيا منذ أيام الزعيم الراحل معمر القذافي. حيث كان السلاح الروسي وفي سنوات الصدام الليبي- الأمريكي الممتد، هو تقريبا السلاح الأكبر والأوحد في مخازن الجيش الليبي وكانت هناك على مدى حكم القذافي صفقات عسكرية واقتصادية ضخمة بين طرابلس وموسكو.

 بالطبع كما يرى خبراء ومتابعون، فالتدخل الروسي في الأزمة الليبية الحالية لايقوم على الأسس التاريخية السابقة، فقد تغيرت الطاولة تمامًا وقتل القذافي قبل نحو 9 سنوات ودخلت ليبيا في آتون رهيب من الفوضى ولا تزال.

 لكنها خلفية مهمة تحضر في كل دراسة بحثية عسكرية وسياسية عن أبعاد التدخل الروسي في الأزمة الليبية.

 فموسكو، إلى حد كبير تريد من خلال تدخلها بعمق في ليبيا، أن تستعيد بعضا من نفوذها السابق في الدولة الليبية وتحافظ على مصالحها الممتدة.

 كما أن روسيا جاءت من بعيد، لتدلو بدلوها في ليبيا على مدار السنوات الخمس الماضية، وبكل قوة، بعدما فشلت أوروبا في اتخاذ موقف موحد تجاه ليبيا وتصادمت روما وباريس على الأرض الليبية.

 الفراغ في ليبيا وخصوصا من جانب أوروبا، التي تكاد تكون حدودها تلامس الشواطي الليبية، هو الذي أغرى كل من روسيا وبعد ذلك تركيا لتدخلان في ليبيا بكل قوة ويصبح مصير الحرب الأهلية هناك معلقًا بقرار من الكرملين أو الباب العالي في اسطنبول.

 ويرى خبراء، أن التدخل الروسي في ليبيا له حسابات عدة، وخصوصا بعدما امتنعت روسيا عن الموافقة على قرار مجلس الأمن الداعي الى وقف إطلاق النار في ليبيا. فقد اتضح أن هناك أجندة عسكرية روسية تود موسكو أن تنتهي منها في ليبيا خلال الفترة القادمة، وهى طبعا وهذا غير خافٍ على أحد وليس سرًا في صف خليفة حفتر.

 لكن هل ينعكس هذا الموقف على مصلحة الشعب الليبي؟

هل التدخل الروسي فعلا في مسار الحرب والمسار السياسي يدفع نحو دولة جديدة في ليبيا وكتابة “جملة النهاية” في الصراع الدموي الممتد في ليبيا؟

كان مساعد وزير الخارجية الأمريكى لشؤون الشرق الأوسط  ديفيد شينكر، قال إن واشنطن أكدت مرارًا وتكرارًا لجميع أصحاب المصلحة أنه لا يوجد حل عسكري للأزمة الليبية،  وان واشنطن تدعم عمل الممثل الخاص للأمم المتحدة لتعزيز العملية السياسية الليبية. وأضاف شينكر  بعد ساعات من امتناع روسيا عن لتصويت في مجلس الامن لصالح قرار وقف اطلاق النار الذي تقدمت به بريطانيا. “إنه يجب على الشعب الليبي حل أزمته بنفسه، مشددًا على أنه يجب على القادة الليبيين الذين يساهمون في النزاع المستمر في إشارة إلى الجيش وحكومة الوفاق غير المعتمدة، والذين يدعمونهم عسكريا  إنشاء واحترام الهدنة وتجنب التصعيد لتحقيق وقف دائم لإطلاق النار.

في نفس السياق، عبرت نائبة الممثل الدائم المكلف بعثة الولايات المتحدة إلى الأمم المتحدة، السفير شيري نورمان شاليه، عن خيبة واشنطن لعدم التصويت بالإجماع على مشروع القرار البريطاني الخاص بوقف إطلاق النار في ليبيا، برغم الالتزامات التي وافق عليها المشاركون بمؤتمر برلين بما في ذلك روسيا.

واتهمت نورمان شاليه في بيانها، المرتزقة الأجانب، بما في ذلك من مجموعة “فاغنر الروسية”، بتصعيب التوصل إلى حل سياسي شامل في ليبيا، لافتة إلى أن هذه الإجراءات تقوض التوصل إلى حل سياسي تيسره الأمم المتحدة، ولا تساعد الأطراف الليبية على الالتئام.

وقالت: يجب أن تتوقف الجهات الفاعلة الخارجية عن تأجيج الصراع. كما كشفت أن واشنطن، تشعر بالقلق إزاء التقارير التي تفيد بأن القوات التابعة للجيش وحكومة الوفاق غير المعتمدة، تفكر في القيام بعمل عسكري كبير في المستقبل القريب.

 وتشير دراسة دولية جديدة، أن روسيا والتي كانت قد استعادت لنفسها موطىء قدم في ليبيا في نهاية التسعينات من القرن الماضي أُقصيت لفترة من الزمن بعد التدخل العسكري لحلف شمال الأطلسي والإطاحة بالعقيد معمر القذافي سنة 2011، إلا أن فشل المبادرات الدولية لتوحيد مختلف الفصائل الليبية من ناحية، وتعاظم دور موسكو في الشرق الأوسط إثر تدخلها في سوريا من ناحية أخرى منحا موسكو فرصة العودة إلى ليبيا.

وهذه المرة فإن موسكو ، تبني على التاريخ الممتد لها في ليبيا من قبل، فقد كانت ليبيا من أهم مستوردي السلاح من الاتحاد السوفيتي  خلال السبعينيات حيث تم التوقيع على أول عقد هام للتسليح بين الشريكين. وقد تواجد بين 1973 و1982 ما يقارب ال 11 ألف مستشار عسكري لمساعدة الجيش الليبي – وقت القذافي- على استعمال السلاح الذي يرسله الإتحاد السوفياتي، حين كان يزود القوات المسلحة الليبية بالعدة والعتاد بشكل مكثف. و قد توجه القذافي إلى موسكو عام 2008ـ وكانت أول زيارة له للعاصمة الروسية منذ 1985ـ وتمكن انذاك من التفاوض مع فلاديمير بوتين على إلغاء مديونية طرابلس المقدرة ب 4,5 مليار دولار مقابل إعادة بعث العلاقات التجارية بين البلدين. وأُبرمت عقود جديدة تتراوح قيمتها بين 5 و10 مليارات دولارن لكن أحداث 17 فبراير أوقفت كل هذا.

وبقراءة موقفها ودعمها، ترى موسكو أن خليفة حفتر، هو الشريك الذي يمكن التعويل عليه، ولذا تقف وراءه عسكريا واقتصاديا وماليا. ويذكر أنه في مايو 2016 قامت روسيا بطبع 4 ملايير دينار ليبي (حوالي 3 مليارات دولار) لصالح حكومة طبرق مما أثار احتجاجات البنك الليبي المركزي المتواجد بطرابلس حيث تقيم حكومة الوفاق غير المعتمدة.

 القصة مع روسيا لم تقف فقط عند دعم سياسي ومالي ولكن دعم عسكري على الأرض، وقد نشرت روسيا في الآونة الأخيرة قوات عسكرية إضافية في ليبيا لدعم قوات خليفة حفتر.

وكشف ذلك ديفيد شينكر مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأدنى في نوفمبر الماضي وقال: “يتم نشر القوات النظامية الروسية بأعداد كبيرة لدعم الجيش الذي يتزعمه حفتر.

كما ذكرت صحيفة نيويورك تايمز أن هناك تعزيزات روسية كبيرة في ليبيا. وأضافت: لقد أدخلت روسيا، طائرات سوخوي المتقدمة ونسقت ضربات صاروخية وأدخلت المدفعية الموجهة بدقة وكذلك القناصة!

وقال المحلل الليبي، يوسف التاجوري، إن نشر المرتزقة والقوات النظامية الروسية كان كبيراً جداً. وأضاف “الأسلحة الروسية الجديدة المصاحبة للقوات البرية ستفيد على الأرجح قوات الجيش في الخطوط الأمامية وقد تنهي الجمود المستمر.

ولفت كريم هاس، محلل الشؤون الروسية والتركية في موسكو، أن دعم موسكو لحفتر “سوف يستمر على الأرجح ويتوسع”.

وقال هاس: إن الصراع المتعمق في امتلاك وتقاسم احتياطيات الطاقة المكتشفة حديثاً والمخاوف الأمنية في المنطقة والتجربة السورية المدمرة كلها أمور تدفع روسيا إلى اللعب والاستمرار بقوة في الملف الليبيي.

بينما يلفت د. عادل اللطيفي، استاذ التاريخ المعاصر في جامعة باريس أن التردد الأوروبي في ليبيا ليس بالجديد، لاحظناه في سوريا من قبل، مشيرا إن أوروبا وبسبب انعدام سياسة خارجية موحدة تشتت موقفها من ليبيا بسبب موقف دولتين كبيرتين فيها، هما فرنسا وإيطاليا”. ولذا تدخلت روسيا ثم جاءت بعدها تركيا وهذا بالطبع في ظل صمت عربي ومساندة خلفية لأطراف الصراع في ليبيا دون الظهور في المشهد.

 والخلاصة الوجود الروسي في الأزمة الليبية وجود كبير ومتشعب وهو بالسلاح والسياسة وبالحرب بالوكالة، ويضاف بالطبع الى وجود فرنسي وإيطالي وتركي في المشهد.

فكيف ستصل الأمور بليبيا؟ وهل سيحسم أمرها السلاح أم تحسمه المبادرات السياسية هذا متوقف على إرادات من يديرون الحرب في ليبيا من القوى العالمية والإقليمية فيها.