الجنوب الليبي.. كنوز من الثروات وقصص هائلة للمعاناة والفوضى

الجنوب.. خزان ليبيا الحقيقي للنفط والذهب والمياه النقية

عصابات تشاد.. صاحبة الكلمة المسموعة وداعش والقاعدة يظهران

أهالي الجنوب.. لا فرص عمل ولا مياه صالحة للشرب ولا أمن

تهميش وسلاح ومخدرات وعناصر إرهابية، ومعاناة وفيض من ثروات النفط والمياه العذبة النقية ومناجم الذهب!

مجموعة من المتناقضات، لا يمكن أن تتواجد في أي بلد من العالم إلا في ليبيا، وبالتحديد في الجنوب الليبي، الذي يعد معضلة وطنية بامتياز.

فعلى مدى السنوات الماضية، تحول الجنوب الليبي إلى منطقة صراعات ونفوذ من عدة دول وجهات، استغلت حالة الفراغ في هذه المنطقة الاستراتيجية الهائلة من ليبيا وسارعت إلى شغلها وفق حساباتها.

 والمفارقة أنه لم تلتفت أي حكومة ليبية للجنوب، رغم ما فيه من ثروات ومطامع، بل تم ترك أهله تحت رحمة وقبضة الجماعات المسلحة القادمة من خارج الحدود الليبية تارة، ليصبح فيما بعد  نقطة لانطلاق العمليات الإرهابية التي تبناها تنظيمي القاعدة وداعش خلال السنوات الماضية، وتحت رحمة التهميش والفقر والاشتباكات القبلية تارة أخرى.

(النهر الصناعي العظيم ينبع من الجنوب الليبي)

 وتأخذ المعاناة في الجنوب الليبي أشكالا عدة:

ففي الوقت الذي تتخذ فيه المؤسسات الليبية، مدن الساحل كمقرات لها، فمقر مجلس النواب في مدينة طبرق في الشرق ومقر المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق غير المعتمدة في العاصمة طرابلس في الغرب، فلا مركز لصنع القرار الليبي في الجنوب. بالرغم من أن المادة 53 من اتفاق الصخيرات السياسي عام 2015، نصت على تشكيل مجلس أعلى للإدارة المحلية في مدينة “سبها” في الجنوب إلا أنها لم تنفذ كغيرها من القرارات.

(أوضاعا اقتصادية متدنية وانهيار للدخل جنوب ليبيا)

تبلغ مساحة إقليم فزان، و هو أحد أقاليم ليبيا الثلاثة، نحو 550 ألف متر مربع، ويقطنه قرابة نصف مليون نسمة، ومن أبرز مناطقه،  سبها ووادي الشاطئ ووادي الحياة وحوض مرزق والجفرة وغات. ويشتمل الجنوب على معظم حقول النفط ، وتنتج فزان قرابة نصف مليون برميل يوميا، كما يزود النهر الصناعي الذي ينبع من الجنوب مدن الساحل بقرابة نصف مليون برميل ماء يوميا، ورغم هذه الثروات، فأسعار البنزين في جنوب ليبيا تصل إلى 10 أضعاف سعرها في مدن الساحل.

ورغم وجود منظومة النهر الصناعي ، إلا أن أهالي الجنوب يعانون نقصا حادا في المياه الصالحة للشرب. كما أن أغلب مطارات المنطقة الجنوبية توقفت عن العمل، ويشكو أهالي الجنوب أيضا ارتفاع أسعار السلع التموينية، وانقطاع الكهرباء والإهمال الصحي..

ليبيا: الجنوب الليبي خارج التغطية

ولفت الناشط السياسي، عبد الحكيم الباشا، في تصريحات له، إلى العديد من مشاكل الجنوب الليبي المتفاقمة قائلا: إن مشاكل الجنوب كثيرة ومعقدة منها، عمليات الخطف من جانب العصابات الأفريقية، خاصة “التشادية” المنتشرة في العديد من مدن الجنوب، والتي تعمل أيضا في تسهيل وتهريب المخدرات والسلاح والبضائع الليبية المدعمة، ما أدى لتفاقم الأزمات الأمنية وهروب العديد من العائلات إلى مناطق الشمال. كما أن قطر وتركيا تقومان بإدخال الأموال والأسلحة إلي جنوبي ليبيا.

(ليبيا: مليشيات التبو تبسط سلطتها في الجنوب)

وقال د.  محمد زبيدة، أستاذ القانون الدولي، والباحث السياسي إن مشكلة الجنوب الليبي في غاية التعقيد، أبرزها ندرة السكان فى مساحة جغرافية كبيرة للغاية. وهناك مدن جنوبية بالكامل، انتهى منها مواطنو ليبيا، بالإضافة إلى قدوم كثير من الأفارقة وهم ليسوا ليبيين.

( قصف أمريكي جنوب ليبيا على إرهابيين)

كما يعج الجنوب بالجماعات المسلحة مثل المعارضة التشادية، وتنظيمات إرهابية بينها “بوكو حرام”، حركة “أزواد”، و”المرابطون”، و” تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي” وغيرهم.

(تواجد المعارضة التشادية في الجنوب الليبي)

وكشف زبيدة، أن معظم السكان العرب الأصليين هجروا الجنوب، وباعوا ممتلكاتهم للأفارقة، واتجهوا إلى طرابلس، حتى تحولت هناك أحياء كاملة إلى موطن للجنوبيين، مثل أحياء “وادي الربيع” و”عين زارة” و”الحي الإسلامي” وغيرهم.

 وحذر زبيدة، من تزايد الصراعات والأطماع الدولية في الجنوب الليبي، الذي يمتلك خزان نفط وماء وذهب ويورانيوم، وهناك تهافت عليه من القوى الدولية لنهبه.

وقال الخبير السياسي عيسى رشوان في تصريحات له، إن عمليات التهريب تعد من أبرز مشاكل الجنوب الليبي، وهناك عصابات تنتمي لقطر تقود عمليات التهريب من سلاح ومخدرات وعناصر إرهابية، من أجل زعزعة استقرار ليبيا ونهب ثرواتها في هذه المنطقة الحيوية.

وكشف الناشط الليبي، سراج الحضيري في تصريحات،  وجود مجموعة من الأسباب التي أدت إلى عدم استتباب الوضع الأمني بالجنوب، منها عدم وجود سجون داخل المدينة وانتشار السلاح وانتشار المخدرات، وعدم وجود فرص عمل للشباب وانتشار الجريمة بشكل منظم ودخول عصابات بأعداد كبيرة من خارج ليبيا.

وتتصارع بعض الأطراف الإقليمية والدولية لفرض النفوذ على الجنوب، كما تشهد مدن الجنوب، صراعا مسلحا بين عدد من القبائل، علاوة على أنه أصبح ممرا لتهريب الأسلحة والهجرة غير الشرعية وتجارة البشر.

وفي هذا الصدد، كشف وزير الخارجية التشادي، إبراهيم حسين طه، بعض الحقائق، وقال في تصريحات له، إن قطر تقوم بأعمال تهدف لزعزعة الاستقرار في تشاد انطلاقا من ليبيا، مشيرًا إلى أن هذا ما دفعهم لقطع العلاقات مع الدوحة، موضحا أنها تأوي جماعات مسلحة معادية لتشاد وأشخاص لهم علاقات بجماعات إرهابية في ليبيا، وتوفر لهم الدعم اللوجستي والمادي.

واتهم وزير الخارجية التشادي، قطر بالوقوف وراء العمليات التي تقع على الحدود التشادية الليبية، مؤكدًا أن تشاد مرت بسنين من الحروب وبدأت في بناء الدولة إلا أن تصرفات الدوحة تقوض الاستقرار في المنطقة.

مناجم الذهب الليبي في الجنوب

ومع كل يبقى “التنوع” الجغرافي والبشري في منطقة الجنوب الليبي شيئا له سحره الخاص.

فالجنوب يتمتع بوجود ثلاثة أعراق، “عرب” و”طوارق” و”تبو”، وإن كان بينهما خلاف قبلي حاد. فيما ينقسم إداريا لعدة مناطق، الجفرة وسبها ووادي الشاطئ، وأوباري، ومرزق.

والحاصل أن منطقة ليبية مهمة بها كل هذه الثروات، وينالها كل هذا التهميش تحتاج إلى تحرك عاجل من مختلف الأطراف الليبية وعدم تركها مستباحة للعصابات والجماعات المسلحة.