“القرضابية” معركة فاصلة في تاريخ المقاومة الليبية المشهودة ضد الاستعمار

في مثل هذه اليوم قبل 105 عام، دارت واحدة من المعارك الوطنية الليبية المشهودة بالقرب من سرت وهى معركة القرضابية، التي تمثل واحدة من ملاحم المقاومة الليبية ضد المستعمر الايطالي منذ وطأت أقدامه أرض ليبيا في عام 1911.

وتعتبر “معركة القرضابية” 29 أبريل 1915 واحدة من المعارك الفاصلة في التاريخ الوطني الليبي، ليس فقط لعظم الخسائر التي نالها المستعمر الإيطالي آنذاك، وأحصاها في برقياته لادارة المستعمرات الايطالية، وكانت روما آنذاك واحدة من القوى العالمية الكبرى، ولكن لأنها كانت معركة عسكرية فاصلة فبعدها تساقطت باقي الحاميات الايطالية في ليبيا، ولم تتركز القوات الايطالية إلا في مدينتي طرابلس والخمس.

ومع قيام بلدية سرت بإحياء الذكرى ال105 لمعركة القرضابية، التي خاضها الليبيون ضد الاحتلال الايطالي وتنظيم فعالية أمام النصب التذكاري للمعركة في منطقة ابو هادي، حسب بيان البلدية في صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي، فإن الوقوف أمام ذكرى معركة “القرضابية” تكون له معاني كثيرة، كما يرى الملايين من أبناء وطننا، إذ يفتح صفحة عزيزة في تاريخ ليبيا، ويقارنها بما هو موجود الان في “ليبيا فبراير”، حيث الخيانة والعمالة واستحضار الغزاة الأجانب والأتراك على وجه الخصوص والمرتزقة السوريين ليدنسوا التراب الوطني الليبي.  

بدء المقاومة الوطنية الليبية ضد المستعمر الإيطالي

تجمع كافة المراجع التاريخية، على أن المقاومة الوطنية الليبية ضد المستمعر الايطالي، بدأت منذ أن وطأت أقدامه أرض ليبيا عام 1911، وكان أول من أطلق حركة المقاومة هو أسد الصحراء وشيخ المجاهدين، عمر المختار، أحد أشهر المقاومين العرب والمسلمين، ينتمي إلى بيت فرحات من قبيلة منفة الهلالية التي تنتقل في بادية برقة، وقد حارب عمر المختار الإيطاليين منذ كان عمره 53 عامًا لأكثر من عشرين عامًا متصلة في عدد كبير من المعارك، أذاقهم فيها الذل  وحيرهم طويلا، إلى أن قُبض عليه من قِبل الجنود الطليان، وأجريت له محاكمة صوريّة انتهت بإصدار حكما بإعدامه شنقًا، بعدما سطر المختار واحدة من كبرى ملاحم المقاومة الوطنية في القرن العشرين، وأعدم وعمره 73 عاما.

ففي عام 1911، وبعدما أعلنت إيطاليا الحرب على الدولة العثمانية، وبدأت إنزال قواتها بمدينة بنغازي 19 أكتوبر من نفس العام، كان عمر المختار، في تلك الأثناء في مدينة “الكفرة” بقلب الصَّحراء في زيارة إلى السنوسيين، وعندما كان عائداً من هناك ومرَّ بطريقه بواحة جالو،  علم بخبر نزول الإيطاليين، فعاد مسرعًا إلى زاوية القصور، لتجنيد أهلها من قبيلة العبيد لمقاومة الإيطاليّين، ونجح عمر المختار بجمع ألف مقاتل معه، وفي أول الأمر أسَّس المختار معسكراً خاصًا له في منطقة الخروبة، ثم انتقل منها إلى الرجمة وأخيراً إلى “بنينة” جنوب مدينة بنغازي بحوالي 20 كيلومتراً، وهناك انضم إليهم الكثير من المقاتلين الآخرين، وأصبح المعسكر قاعدةً لهم يخرجون منها ويغيرون باستمرار على القوات الإيطالية، وقد شهدت هذه الفترة،  واحدة من أعنف مراحل الصّراع ضد الايطاليين، وتركَّزت غارات وهجمات عمر المختار والمقاومين الليبيين معه فيها على منطقة درنة. ومن أمثلة هذه الغارات معركة هامة نشبت في 16 مايو عام 1913 دامت لمدّة يومين، وانتهت بمقتل 70 جندي إيطالي وإصابة نحو 400 آخرين، كما دارت واحدة من المعارك الضخمة في 6 أكتوبر 1913 وهى معركة بو شمال في منطقة عين مارة، وشهد شهر فبراير عام 1914 معارك أم شخنب وشلظيمة والزويتينة وتواصلت غارات المختار ورفاقه على الطليان في أكثر من معركة آنذاك وكبدهم خسائر فادحة، وأشعل المختار جذوة النضال الوطني الليبي ضد المستعمر الايطالي، لكن هدأت بعدها حدة المقاومة قليلا بسبب القحط الذي اصاب البلاد عام 1913-1915، حتى جاءت معركة القرضابية الشهيرة. أبريل 1915 .

القرضابية.. وقائع مشهودة

لم يتحمل الإيطاليين المهانة التي لحقت بهم نتيجة هزيمتهم، في فزان في عمق ليبيا، حيث استرد المجاهدون منهم في 10 ديسمبر 1914 مدينة مرزق مركز فزّان، بعد ان كانوا قد احتلوها لعدة اشهر في 3 مارس من نفس العام. وقبل أن يستعيد المجاهدون “مرزق” بأيام كانوا قد استعادوا سبها وتحديدا يوم 27 نوفمبر، وقد أسرع الجنرال الإيطالي “امياني” الخطى للوصول إلى العاصمة طرابلس بعد أن نفذ من معركة مرزق، بأعجوبة، ومن كمائن المجاهدين في الصحراء طوال المدة التي استغرقتها رحلة الهزيمة القاسية.

أنذاك، قرر “امياني” بالتشاور مع الحكومة الايطالية في روما استرداد فزّان بأي ثمن، حيث سيّر جيشين الأول يتجه اليها من طرابلس عن طريق غريان، مزدة، القريات، وقد كمن له المجاهدون من قبائل الزنتان في الطريق الذي يمر عبر أراضيهم الشاسعة وهزم شر هزيمة في يوم 7 أبريل 1915، في معركة” مرسيط”  نسبة الى الوادي الذي وقعت فيه.، أما الجيش الآخر فقد قاده امياني بنفسه واتجه الى فزان عن طريق سرت التي كانت قد وقعت في ايدي الايطاليين عام 1913. وكان جيشا عرمرم، مكون من 14 ألفا من الجنود جعلت المدافع والرشاشات الى في حوزة الطليان دائما وتحت رعايتهم، وقد وصل جيش الجنرال امياني، إلى مدينة سرت وزحف يوم 29 ابريل 1915 على المجاهدين الذين تحشّدوا “جنوب سرت” قرب قصر بوهادي، وعلى الفور هاجم المجاهدون، بقيادة أحمد سيف النصر الايطاليين في منطقة “القرضابية” التي تسمّت بها المعركة.

(فيلم وثائقي معركة القرضابية الخالدة)

 وترصد المراجع التاريخية المختلفة وقائع مشهودة في ذلك اليوم، والهزيمة المروعة التي لاقها الايطاليين على يد المجاهدين الليبين، ففى صبيحة اليوم الخميس الموافق 29 أبريل سنة 1915، صدر الأمر بالهجوم، وما هي إلا لحظات حتى التقت طلائعه بالمجاهدين، فابتدروهم بالرصاص، وتدفقت سيوله عليهم من كل جهة، وحمي وطيس المعركة فاستشهد من المجاهدين لأول وهلة نحو 400 شهيد، واشتد الكرب على المسلمين، ففرح إمياني بذلك وبرق السرور في عينيه وظن أن المعركة ستنتهي سريعا، كل هذا وجماعة رمضان السويحلي لم يشتركوا في المعركة، فلما رآهم إمياني على هذه الحال استفهم من رمضان على هذا الموقف فقال له: هم ينتظرون قدومي إليهم، فأذن له فذهب إليهم، وكان أحمد سيف النصر، قد أغار بخيله على ميمنة المقدمة فتوقفت قليلا. وصادف مجيء رمضان وقت إغارة أحمد سيف النصر فأمر من معه بإطلاق النار على الإيطاليين فأطلقوها عليهم من الخلف فكانت بداية النهاية، وارتبك الجيش الايطالي ورجع أوله إلى أخره، وركب المجاهدون أقفيتهم واشتدت الضربة على العدو، وأنزل الله ساعة النصر، فتمزق الجيش الايطالي ولم ينج منه إلا 500جندي، ونجا الكولونيل إمياني إلى سرت مجروحاً مع من بقي من الجيش،

(وثائقي .. معركة القرضابية الخالدة)

وظفر المجاهدون الليبيون، بكل ما بقى في مكان المعركة وكان من معدات الحرب وعتادها: من إبل وخيل وبنادق ومدافع ورشاشات، وسطرت “القرضابية” واحدة من الملاحم الكبرى في تاريخ الوطنية الليبية، التي كسرت أنف الامبراطورية الايطالية، وأمام هذا استباح امياني سرت لنحو ثلاثة أيام وقتل فيها خلقا كثيرة، بعدما هزم شر هزيمة في القرضابية ظلت عالقة بتاريخه، وبعد هذه المعركة سقطت الحاميات الايطالية الواحدة تلو الأخرى، وبحلول منتصف اغسطس، 1915 لم يبق بيد الإيطاليين في ليبيا الا مدينتي طرابلس والخمس.

ويذكر للزعيم الراحل معمر القذافي، أنه كان أول من دعا بعد ثورة الفاتح 1969 إلى الاهتمام بكافة معارك الوطنية الليبية وكشف النقاب للأجيال الجديدة عن مراحل المقاومة الليبية المشهودة ضد الاستعمار الايطالي وبعده، واستذكار تواريخها بدقة وإقامة احتفالات كبرى تستحقها.

(زيارة الزعيم الراحل القذافي الى روما وتعليقه صورة عمر المختار على صدره)

ويذكر أن الزعيم الراحل معمر القذافي، في أولى زياراته لإيطاليا المستعمر السابق لليبيا ولقائه رئيس الوزراء الإيطالي الأسبق بيرلسكوني، يونيو 2009 ارتدى زيًا عليه عليه صورة شيخ المقاومة الليبية عمر المختار، الذي شنقه المحتلون الإيطاليون، وعلق القذافي على قراره وضع صورة اعتقال عمر المختار على بزته العسكرية بأن، الليبيين يرون شنق عمر المختار مماثلا لصلب المسيح بالنسبة للمسيحيين، والمسيحيون يحملون الصليب على صدورهم.