لا صوت يعلو على “نهم النفط”.. الأطماع التركية تقود الشرق الأوسط إلى الحرب

شبّه الخبراء والمراقبون حالة النهم التركي تجاه النفط الليبي، بمحرك نفاث يدفع منطقة الشرق الأوسط إلى حرب إقليمية طاحنة، لن تلبث أن تتشابك خيوطها سريعا لتقود إلى اقتتال عالمي، تسجله صفحات التاريخ كمرحلة دموية جديدة من عمر الأرض، ربما تفضي إلى نهاية مأساوية للجنس البشري، إذا وصل الجنون حد استخدام الأسلحة النووية.

التوقعات السوداء لمستقبل الأزمة الليبية، ومن ورائها إقليم الشرق الأوسط بأسره، يستند أصحابها على ما تمارسه أنقرة من طمع محموم، وعنجهية سياسية مدعومة بتأييد سري من بعض القوى العالمية الكبرى، التي تبطن خلاف ما تعلن.

الحشد الميداني الذي تمارسه أنقرة، بجلب المزيد من المرتزقة يوميا إلى الأراضي الليبية، دعما لمليشيات حكومة السراج غير المعتمدة، في معركتها المنتظرة للاستيلاء على مدينتي سرت والجفرة، الاستراتيجيتين، رغم الرفض الدولي المتصاعد لهذا السلوك التركي العدواني، دليل آخر يراه الخبراء كفيلا بتأكيد رؤيتهم القاتمة للأيام المقبلة.

الساعات الماضية كانت شاهدة على تصريحات عنترية لوزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، سكب فيها الزيت على النار المشتعلة، معلنا رفض بلاده دعم وقف إطلاق النار في ليبيا خلال الوقت الراهن، بادعاء أن إقراره يمثل تهديدا لمصالح حكومة السراج التي تتحالف معها أنقرة.

أوغلو هدد أيضا بتنفيذ عملية عسكرية لاجتياح سرت والجفرة، إذا لم تغادرها قوات الجيش الوطني الليبي، وهو ما وصفه المحللون بـ”المناورة التي تستهدف تنفيذ هدف تركي خبيث، وهو إخراج الجيش من مربع العمليات المؤثر، حتى يخلو الطريق لمليشيات السراج، من أجل السيطرة على المزيد من المناطق الاستراتيجية”.

خطورة تصريحات أوغلو تكمن في تزامنها مع عدد من التحركات الإقليمية التي تشير إلى ترتيب للأوراق ينطلق من حقيقة أن الحرب أوشكت أن تصبح أمرا واقعا، ولعل من أبرز هذه التحركات ما أشارت إليه الأنباء، من نشر قوات فرنسية في مالي، القريبة من ليبيا، مما يؤكد نية باريس في مواجهة تركيا على الأصعدة كافة.

فرنسا التي أدانت على لسان وزيرة دفاعها فلورنس بارلي، انتهاكات قرار حظر تصدير السلاح في ليبيا، أيا كان من يقف وراءها، في إشارة واضحة لغضب باريس إزاء جرائم تركيا في ليبيا، ومنطقة الشرق الأوسط، دخلت مع كل من إيطاليا واليونان وقبرص في تحالف لمواجهة التحركات التركية، ما يمثل تأكيدا إضافيا على التحركات التي تنبئ باقتناع قادة أوروبا بضرورة الإعداد للحرب.

وزير الخارجية اليوناني، نيكوس دندياس، أكد من جهته أن اجتماع مجلس الشؤون الخارجية للاتحاد الأوروبي، الذي جرى في العاصمة البلجيكية بروكسل، وجه دعوة واضحة إلى أنقرة لوقف انتهاكاتها لقرار مجلس الأمن بحظر تصدير الأسلحة إلى ليبيا.

وزير خارجية النمسا، ألكسندر شالينبرج، كان أكثر حدة في التعبير عن موقف القارة العجوز تجاه أنقرة، بتأكيده أن أوروبا لن تقف صامتة أمام الاستفزازات التي يمارسها النظام التركي في ليبيا.

الوزير النمساوي، قال في بيان رسمي أصدره الإثنين، إن تركيا “تثبت كل يوم ببساطة أنها ليست شريكًا موثوقًا به لأوروبا، وهو ما يجب معه إعادة التفكير داخل الاتحاد حول الموقف التركي على ضوء الخطر الذي يمثله نظام أردوغان”.

وباللهجة ذاتها عبّر مسؤول السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي، جوزيب بوريل، عن الموقف الأوروبي الموحد، ليس فقط بدعوته أنقرة لكي تحترم حظر السلاح المفروض على ليبيا، وكذلك العمل وفق مخرجات مؤتمر برلين للتوصل إلى حل نهائي للأزمة الليبية، وإنما اعترف أيضا بأن العلاقات بين الاتحاد الأوروبي والنظام التركي “ليست جيدة”.

بوريل قال إن الوضع في ليبيا سيبقى سيئا جدا، طالما بقي اختراق حظر الأسلحة قائما، موضحا أنه يجري داخل أروقة الاتحاد دراسة فرض عقوبات على تركيا، بخصوص أعمال التنقيب عن الطاقة شرق المتوسط.

ولم يكن الموقف المصري هو الآخر بعيدا عن الحسم، إذ تزامن مع تصريحات الرئيس عبد الفتاح السيسي بشأن اعتبار مدينتي سرت والجفرة اللتين تستهدفهما أنقرة، خطا أحمر بالنسبة للأمن القومي المصري، مع مناورة ضخمة نفذتها القوات المسلحة المصرية غربي البلاد، قرب الحدود الليبية، وأطلقت عليها “حسم 2020″، في دلالة يمكن فهمها من الاسم والتوقيت دون عناء.

وإذا أضفنا للصورة ذلك الشعار الذي اختارته القيادة المصرية ليصاحب هذه المناورة وهو: “الجيش المصري يحمي ولا يهدد”، فسنجد أنفسنا أمام عقيدة راسخة تؤكد أن القاهرة حسمت أمرها ولن تتراجع.

وزير الخارجية المصري سامح شكري، رد أيضا على تصريحات كاذبة لوزير الخارجية التركي جاويش أوغلو ادعى فيها إجراء مشاورات مع مصر بشأن ليبيا، حيث نفى شكري ذلك بشكل قاطع.

الوزير المصري لم يكتفِ بنفي الأكاذيب التركية، وإنما أعاد التأكيد على موقف القاهرة الرافض والمتصدي لأي عمل عسكري مباشر في ليبيا، واصفا الحديث عن اجتياح سرت والجفرة بالأمر الخطير الذي يخرق قرارات مجلس الأمن، وقواعد الشرعية الدولية.

وزير الخارجية المصري شدد على أن أي تحرك تركي في هذا الاتجاه سيكون تأثيره بالغ الخطورة على الأوضاع في ليبيا، مشيرا إلى أن قوات الشعب المسلح  لن يتردد في الدفاع عن أرضه وفقا لتأكيدات قادته.

أدلة متزامنة على قرب انفجار بركان حرب عالمية جديدة تنطلق من الشرق الأوسط، وتحديدا من الأراضي الليبية، وفق ما يتوقع المراقبون، فهل يعود صوت العقل للسيطرة على مجريات الأحداث أم تواصل طبول الحرب صم آذان الجميع؟