حل الأزمة الليبية رهين التدخل الخارجي و المرتزقة

هنالك في مدينة نالوت بغرب ليبيا ترقد الديناصورات بسلام»… لكن الدبلوماسية الأميركية السابقة ستيفاني وليامز، رئيسة بعثة الأمم المتحدة بالإنابة، خيّرت «ديناصورات السياسة» الأسبوع الماضي بين الانقراض… والتعاطي بإيجابية مع الحلول السياسية التي تتبناها البعثة، ومن ثم، المجتمع الدولي لإيجاد حل للأزمة الليبية.

عقد كامل احتاجته وليامز ، لتكتشف أن ديناصورات السياسة في ليبيا ما زالت على قيد الحياة، في بلد فقد مئات الآلاف ما بين قتيل وجريح بعد كل ما جرى عام 2011 ، من على منصة ملتقى الحوار السياسي في تونس، خاطبت وليامز، الليبيين مؤكدة أن الديناصورات السياسية تواجه مصير الانقراض في حال لم تثبت أهميتها. مشيرة إلى أنها لا تزال تملك فرصة لإثبات ذلك بالارتقاء لمستوى الأحداث أو تحذو حذو الديناصورات بالانقراض.

التعبير ألجم الجميع وألزمه الصمت، فلم يعقّب سوى عدد محدود من السياسيين الليبيين على التهديدات المبطنة للمبعوثة الأممية، التي تأتي في سياق ماراثون طويل ومرير من المفاوضات السياسية والعسكرية داخل ليبيا وخارجها بحثاً عن حل.

و على الرغم من أن الدبلوماسية الأممية لم تحدد أسماء المقصودين بتعبير الديناصورات، فقد اعتبر أستاذ اللغات القديمة محمد الذويب، في قراءته لـ تصريحات مَن وصفها بالحاكمة الأميركية لليبيا التي «فضّلت مصطلح الديناصور، وجعلته سياسياً؛ لأنها استندت إلى دلالته في الإنجليزية التي تذهب إلى ما وراء صفات هذه الزواحف من رعب وقوة لتدل على فساد حال وفشل وعدم صلاحية وعيش خارج الزمن.

الذويب تابع في تدوينة عبر صفحته الرسمية على موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك” أن وليامز و إمعاناً في إذلال هؤلاء رفعت من نبرة صوتها عندما أوردت المثل وأشارت بالسبابة تخويفاً لهم، ثم استعملت أصابع يدها اليمنى كاملة مع إيماءات رفع الحاجبين عندما قالت فليذهبوا في الطريق نفسه -أي طريق الانقراض.

وتساءل «هل سيذهب هؤلاء إلى الانقراض سريعا ؟؟!!.

السؤال المنطقي، عصفت به رياح السياسة وتحالفاتها غير المنطقية الباحثة عن مقعد في سلطة جديدة يراد لها أن تتشكل في نهاية رحلة التفاوض التي ترعاها البعثة الأممية.

لكن عن أي ديناصورات نتحدث هنا؟

يقول دبلوماسي غربي أعتقد أن المستهدفين هم من حافظوا على مقاعدهم في السلطة أو على مسافة قريبة منها على مدى السنوات التسع الماضية، و تابع الدبلوماسي – الرافض الإشارة إلى اسمه – قائلاً “وليامز لم تحدد من المقصود بالمصطلح الذي استخدمته، لكن هؤلاء يعرفون أنفسهم تماماً… والشارع الليبي يعرف أيضاً”.

في أحاجي السياسة الليبية، فإن كل النخبة التي تمارسها، على المحك، فطموح الاستمرار في مواقعها يصطدم بخريطة جديدة ترسمها محادثات تتنقل بين الداخل والخارج، على أمل الوصول إلى مائدة مفاوضات أخيرة، للحسم.

يراد إذن، تغيير المشهد برمته، ويحمل هؤلاء لقب مسؤول سابق، لكن الأمر ليس بتلك البساطة. وهنا يعرب دبلوماسي مصري مخضرم سابق عن اعتقاده؛ لأن الموجودين حالياً في السلطة لن يتخلوا بسهولة عنها، ثم يضيف هناك حاجة إلى التغيير نعم، لكن إقصاء هؤلاء بشكل كامل صعب في هذه المرحلة.

الاجتماعات التشاورية التي عقدها أعضاء مجلس النواب في مدينة طنجة، حضرها 111 نائباً، و فيها كان الهدف المعلن هو تغيير رئاسة المجلس الذي جرى انتخابه في الرابع من شهر أغسطس من عام 2014.

بيد أن اجتماع طنجة، الذي يأتي استجابة لدعوة من البرلمان المغربي بهدف توحيد مجلس النواب المنقسم؛ تمهيداً لاجتماع موسع يُعقد في مدينة غدامس، قفز إلى ما هو أبعد من توحيد المؤسسة التشريعية في البلاد.

الحديث هنا بشكل صريح، يعني إنهاء ولاية المستشار عقيلة صالح، الرئيس الحالي للمجلس، الذي يتردد أسمه جدياً كرئيس محتمل للمجلس الرئاسي الجديد، المتوقع أن يخلف المجلس الحالي الذي يقوده رئيس حكومة الوفاق فائز السراج في طرابلس.

صالح، كان دائماً في الآونة الأخيرة منفتحاً، في الواقع على المبادرات التي طرحتها البعثة الأممية، و يخطط للبقاء ، على صعيد آخر، بإعلانه اعتزامه الاستقالة من منصبه، يخرج فائز السراج من السباق نحو السلطة الجديدة، ليبقى وزير داخليته الطموح ذو الأصول التركية فتحي باش أغا (باشاغا)، ليحل مكانه رئيساً للحكومة التي ستشكّل.

أغا، ابن مصراتة ليس مرشحها الوحيد، إلا أنه أبرزهم حظوظاً، بفعل تنقلاته الجوية ما بين القاهرة وباريس سعياً وراء دعم… وربما موافقة ضمنية ، تحرك أغا باتجاه حلفاء حفتر، يعكس براغماتيته السياسية، كما يعتقد مقربون منه. ويضيف هؤلاء طبيعي جدا أن يقوم بزيارات إلى العواصم الفاعلة في المشهد الليبي، عند هذه المرحلة الحساسة في تاريخ البلاد، ولكن ثمة من يرى أن فتحي باش أغا، المحسوب إلى حد ما على جماعة الإخوان المسلمين، يبحث لنفسه عن مكان تحت شمس السلطة الجديدة؛ ضماناً لولاء حلفائه المحليين وتجديداً لتحالفاته الخارجية.

هذه هي المعادلة في ليبيا، التي يصدق فيها تماماً لقب رهينة التدخل الخارجي، ولاحقاً المرتزقة الأجانب والميليشيات المسلحة المنتشرة في كل مفاصل الدولة… إذ تتبادل السيطرة عليها في إطار الصراع الدائم بحثاً عن النفوذ والهيمنة والثروة.

على صعيد آخر، إذا كانت الجولة الأولى لـ ملتقى الحوار الليبي في تونس قد خلصت إلى تحديد تاريخ يوم 24 ديسمبر من العام المقبل، لإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية، ورغم اتفاق المجتمعين على تحديد صلاحيات المجلس الرئاسي والحكومة، فإن ثمة ملفات لا تزال عالقة، أبرزها تحديد شروط الترشح للمناصب السيادية.

مقابل ذلك، يعتقد مسؤول عسكري في الجيش أن تركيا التي نجحت في الآونة الأخيرة عبر حكومة الوفاق وتفاهماتهما العسكرية المشبوهة، في فرض نفسها لاعباً أساسياً في ليبيا يصعب ترويضه سياسياً، تسعى إلى صدام عسكري.

وهكذا، ما بين مخاوف اندلاع الحرب وحدوث هذا الصدام، فإن العملية السياسية تظل على قيد الحياة إلى حين إشعار أخر، فهل تصمد الديناصورات ؟؟

هذا، حقاً، السؤال الأصعب في المشهد الراهن. أما بخصوص الإجابة عنه، فقصة أخرى، كما يقال.

  • وفق تقديرات «البنتاغون»… الوضع في ليبيا هش وخطر

يعتقد مراقبون للساحة الليبية، أنه على الرغم من شبه الحسم الذي يظهر أنه طال الجيش ، فهو لم يصل بعد إلى أروقة السياسيين. إذ ما زال هناك من كل أجزاء وجوانب السلطة… الأصلي والموازي له. فثمة كجلس نواب موازٍ في طرابلس لمجلس النواب (الأصلي) الموجود مقره في طبرق، كما أن حكومة الوفاق برئاسة السراج في طرابلس… في مواجهة الحكومة المؤقتة برئاسة عبد الله الثني التي تدير المنطقة الشرقية، أضف إلى ذلك وجود مجالس متنافسة في مؤسسة النفط والمصرف المركزي.

بناءً على كل هذا، فإن معالجة تفكك الدولة الليبية كان العنوان الأبرز للمرحلة السابقة التي تسعى بعثة الأمم المتحدة لإنهائها بأقل الخسائر الممكنة. فالوضع الأمني والعسكري، وفقاً لتقديرات وزارة الدفاع الأميركية البنتاغون، ما زال مهزوزاً وعلى حالة مقلقة من الهشاشة والخطورة، لدرجة لا تسمح باستمرار التجاذب السياسي الحاصل حالياً. ولكن، في المقابل، يبقى الحسم السياسي مرهوناً أيضاً بما يجري على الأرض.

على الأرض الليبية ما زال هناك مَن يدق طبول الحرب باستمرار. وأيضاً، يُسمع كلام إعلامي متواتر عن استعدادات تحشيدية عسكرية متبادلة، وعمليات استعراض للقوة ميدانياً عبر مناورات عسكرية يجريها طرفا الصراع الأساسيان بالذخيرة الحية. وبالتالي، بين الآمال العريضة التي تعكسها بيانات البعثة الأممية والمجتمع الدولي حول إمكانية أن توفر المباحثات السياسة الراهنة الأرضية المناسبة لحل الأزمة، لا تزال هناك مخاوف جدية من انهيار كل ذلك بشكل مفاجئ.

مسؤول رفيع المستوى في مجلس النواب، فضّل إغفال ذكر اسمه، قال صراحة إذا تعذّر الوصول إلى حل، وتعثرت العملية السياسية، فإن العد التنازلي للحرب القادمة، سيكون بديلاً، لافتاً إلى أنه كلما تأخرت البعثة الأممية في الحسم السياسي، كانت فرص اندلاع حرب جديدة، قائمة.