مكافحة الإرهاب في الساحل الإفريقي.. عملية برخان

المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب و الاستخبارات-ألمانيا و هولندا

إعداد: وحدة الدراسات و التقارير “8”

منذ اندلاع أولى شرارات الأزمة الأمنية في منطقة الساحل، سارعت فرنسا من أجل كبح جماح التهديد الإرهابي. وفي يناير 2013، تدخّلت فرنسا في شمال مالي عبر عملية سيرفال بغية منع الجماعات الإرهابية التابعة لتنظيم القاعدة من السيطرة على البلاد. ومنذ ذلك الحين، توحّدت العمليات الفرنسية التي تضم زهاء 4500 جندي تحت اسم عملية برخان. وتعمل القوات الفرنسية في هذا الإطار على نحو وثيق مع القوات المسلّحة في منطقة الساحل. واعتبارًا من عام 2020، انتشرت القوات الخاصة الفرنسية إلى جانب القوات الخاصة لدى الشركاء الأوروبيين في مالي بقيادة عملية برخان، في إطار وحدة مشتركة تُدعى تاكوبا، بغية مواكبة القوات المسلّحة المالية، استنادا لما أوردته الخارجية الفرنسية على موقعها.

الرئيس الفرنسي ماكرون يدعو الى تعزيز الجهود في الساحل الافريقي لمكافحة الإرهاب

دعا ماكرون في مداخلة عبر الفيديو أمام قمة مجموعة دول الساحل الخمس المنعقدة في نجامين يوم 16 فبراير 2021 ا على ضرورة تعزيز الجهود لمكافحة المجموعات الجهادية هناك وإعادة فرض سلطة الدولة في تلك المنطقة.كما أعلن الرئيس الفرنسي عدم نيته خفض تعداد القوات الفرنسية المشاركة في عملية “برخان” لمكافحة الجهاديين في منطقة الساحل والتي تضم حاليا حوالى 5100 عنصر. واعتبر ماكرون “التعبئة الدولية من أجل منطقة الساحل لم تكن أبدا قوية كما هي عليه الآن”. وشكر الدول الأوروبية المشاركة في التجمع الجديد للقوات الخاصة في هذه المنطقة المتوترة في أفريقيا.

وقال ماكرون الذي تحدث عبر الفيديو من باريس إنه بعد سنة من قمة بو (جنوب غرب فرنسا) “نجحنا في تحقيق نتائج فعلية في المثلث الحدودي” بين مالي والنيجر وبوركينا فاسو، وأبرز تنظيم تم استهدافه “تنظيم الدولة الاسلامية في الصحراء الكبرى”، “فقد هيمنته ومني بخسائر كبرى”. لكنه أشار إلى أن التنظيمين التابعين للقاعدة “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” و”كتيبة تحرير ماسينا” “واللذين لا تزال قيادتاهما تغذيان برنامجا جهاديا” لا يزالان يشكلان تهديدا لمنطقة الساحل، واعدا “بتعزيز التحرك” في محاولة “للقضاء على هذين التنظيمين”.


تحدي انتشار الإرهاب وتدهور الأوضاع الأمنية في الساحل الإفريقي

يذكر الموقع الرسمي للخارجية الفرنسية بأنه ثمة جماعات إرهابية تابعة لتنظيم القاعدة تجتمع تحت راية جماعة نصرة الإسلام والمسلمين وأخرى تابعة لتنظيم داعش على غرار الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى تقوم بتنفيذ الكثير من الهجمات ضد القوات المسلّحة في منطقة الساحل والقوات الدولية التي تدعمها والتي تضم بعثة الأمم المتحدة المتكاملة المتعددة الأبعاد لتحقيق الاستقرار في مالي المكلّفة بدعم تنفيذ اتفاق السلام المنبثق عن عملية الجزائر العاصمة ودعم جهود إرساء الاستقرار التي تبذلها السلطات المالية في وسط البلاد. وتمثل مختلف أوجه الاتجار، كالاتجار بالمخدرات والأسلحة والبشر وتهريب المهاجرين على وجه الخصوص، فضلًا عن التوترات الطائفية وتداعيات الاحترار العالمي على الانتفاع بالموارد عوامل تؤدّي إلى زعزعة الاستقرار.

ستخفض فرنسا “على الأرجح” عدد قوتها المشاركة في برخان التي تقاتل الجهاديين في منطقة الساحل، بعد إحراز “نجاحات عسكرية كبيرة” في العام 2020، على ما ذكرت وزيرة الجيوش، فلورانس بارلي، مستنكرة “الأساليب المؤذية” للجهاديين بعد مقتل 5 جنود فرنسيين في مالي. وقالت بارلي في مقابلة مع صحيفة “لو باريزيان”: “سنضطر على الأرجح إلى تعديل هذا الانتشار، فالتعزيزات بحكم تعريفها، (إجراء) موقت”، بعد ارسال تعزيزات قوامها 600 جندي ليصبح عديد القوة 5100 جندي في العام 2020. أضافت بارلي قائلة : “”نعم، لا تزال الأوضاع الأمنية في الساحل صعبة. الإرهابيون يستخدمون سلاح الجبناء”، مؤكدة أن هذه الأجهزة محلية الصنع يتم تفعيلها “من دون تمييز” بمرور المركبات المدنية والعسكرية.” و ذلك حسب ما نشره موقع الحرة في 4 يناير 2021. فرنسا .. جهود مكثفة لمكافحة الإرهاب في الساحل الأفريقي


تحدي فشل جيوش و حكومات منطقة الساحل الإفريقي

تسعى باريس الراغبة في تخفيف أعبائها العسكرية والمادية، إلى تسليمها مهمات إضافية. لكن قائد هذه القوة الجنرال النيجري عمرو ناماتا غازاما، عبر في حديث بداية ديسمبر 2020 لإذاعة «راديو فرنسا الدولي» عن تخوفه من انسحاب القوة الفرنسية أو تقليص عددها. فمن جهة، رأى الجنرال النيجري أن قوة «برخان» تعد «الشريك المفضل للقوة الأفريقية المشتركة إذ إنها تسد النقص الذي تعاني منه قوتنا المشتركة، وبالتالي فإن أي انسحاب أو تقليص لعددها يعد سابقا لأوانه لا بل سيكون مسيئا للقوة المشتركة». كذلك اعتبر الجنرال غازاما أن قوة الكوماندوز الأوروبية المعروفة باسم «تاكوبا» والتي شكلت لمواكبة القوة الأفريقية في عملياتها العسكرية «مفيدة ولكن غير كافية ولا يمكن أن تحل محل برخان»، و ذلك وفق ما ذكره موقع صحيفة ااشرق الأوسط في 4 يناير 2021. فرنسا .. تحديات فرض الأمن في مالي ودول الساحل الافريقي.

تعاني أجزاء واسعة من منطقة الساحل الإفريقي من القحط بدرجات متفاوتة ومن الفقر والبطالة والفساد إضافة الى وجود مناطق شاسعة خارج سيطرة الحكومات. ويرى منسق محاربة الإرهاب في وزارة الخارجية الأمريكية السفير ناتان سلز أن المنطقة تمثل البيئة المثالية لنشاط الجماعات الجهادية بسبب “فشل الحكومات في السيطرة على أراضيها وارتكاب القوات الحكومية انتهاكات ضد السكان وسهولة عبور الحدود بين هذه الدول”، وفق ما نشره موقع “بي بي سي” في 6 ديسمبر 2020.

الحكومات الوطنية في تلك المنطقة ضعيفة ودولها من بين الأفقر في العالم. وعلى مؤشر الأمم المتحدة للتنمية البشرية فإن من بين 189 دولة، تأتي النيجر في المرتبة الأخيرة، ومالي تحتل المرتبة 184 وبوركينا فاسو في المرتبة 182. كما أن المنطقة مهمة لأوروبا لأن طرق هجرة مهمة إلى البحر المتوسط تمر عبر تلك الدول. وتقول مجموعة الأزمات الدولية إنه من الضروري للحكومات أن تكافح تغير المناخ في المنطقة، ولكن عليها أيضا ضمان الوصول العادل للموارد، وخاصة الأراضي، حسب ما ذكره تقرير لموقع “صحيفة العرب اللندنية” في 22 أكتوبر 2020.


الساحل الإفريقي.. المطامع الاستعمارية الفرنسية و صراع المصالح

طول بقاء القوات الفرنسية في دول الساحل الخمسة (مالي، النيجر، بوركينافاسو، تشاد، وموريتانيا) يعزز من نفوذها بمستعمراتها السابقة، في ظل الصراع الذي تخوضه قوى دولية للاستحواذ على الأسواق الإفريقية.هذا الأمر أصبح يقلق شعوب المنطقة، التي لم تُمحَ صور جرائم الاحتلال الفرنسي لبلدانها في حقب سابقة واستغلاله لثروات بلادهم، مما جدد الشعور العدائي تجاه القوات الفرنسية المتواجدة في أرض غالبية سكانها مسلمون.وتجلى هذا الشعور من خلال مظاهرات معادية للتواجد الفرنسي، الذي رافقه انتهاكات لحقوق الإنسان، وصلت إلى حد اتهام قوات إفريقية مدعومة من باريس بقتل مدنيين عزل، وهذا حسب ما ذكره تقرير وكالة الأنباء التركية الذي نشرته على موقعها في 17 يونيو 2020. لماذا التباين في القرار الألماني حول المشاركة في قوة الساحل الأفريقي ؟


تقييم تحديات عملية برخان في الساحل الإفريقي

بالرغم من الإمكانيات المادية واللوجيستية والبشرية التي سخرتها فرنسا ودول الساحل الافريقي في سبيل إنجاح عملية برخان، إلا أن تهديد الجماعات المتطرفة والإرهابية لا يزال قائما ويشكل خطرا ، على اعتبار أن المنطقة تشهد من حين لآخر مجازر ينفذها الإرهابيون ضد السكان المحليين ، بالإضافة الهجمات الإرهابية التي تطال جنود وقوات الدعم التي تدخل في إطار عملية برخان، لذلك فالقوة العسكرية الموجودة لا تزال ضعيفة وغير كافية لمواجهة تصاعد خطر التنظيمات الإرهابية في الساحل.

لذلك يستوجب تكوين قوة أمنية وعسكرية قادرة على صدّ الجماعات الإرهابية مقوّمات عدة، منها استقلالية بناء هذه القوات، وهي جزء من الاستقلالية العسكرية غير التابعة لأي تقلبات سياسية تقع في الدولة الواحدة أو بين الدول الأفريقية. ويعرقل نجاح القوة المشتركة عدم اتفاق القادة الأفارقة على هدف واحد، إذ تتضارب مصالح دولهم حتى لو دخلت في تحالفات مؤقتة. كما أن تداخل الولاءات السياسية جعل بعض الدول تأوي معارضة الأخرى التي يزداد خطرها، خصوصاً في حالة المعارضة المسلحة. وعدم الاتفاق على إقامة بنية عسكرية أفريقية موحدة، جعل الحاجة الدائمة للقوات الدولية، من متطلبات الاستقرار، استنادا على تقرير نشره موقع “إندبندت عربية” في 30 سبتمبر 2020. بات مطلوبا ان تكون هناك مساهمات اوسع الى الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة والامم المتحدة، في معالجة اسباب التطرف والإرهاب والهجرة، بالتوازي مع مكافحة الإرهاب ومطاردة التنظيمات المتطرفة عسكريا.