قادة المليشيات.. معضلة السلطة الجديدة في ليبيا

لا تزال الحكومة الجديدة في ليبيا تواجه صعوبات جمة، وسط مساعيها لتشكيل “حكومة متوازنة” ترضي الجميع، وفق تصريحات رئيسها عبد الحميد الدبيبة، لكن أبرز تلك العقبات تبدو متعلقة بالشخصيات المتنفذة في المشهد الليبي، والمتصلة بملفات حقوق الإنسان والانتهاكات التي اتهمت بالتورط فيها، وهي يمكن أن تسعى للحصول على مواقع هامة في الحكومة.

وفي الوقت الذي تحاول فيه الحكومة تجاوز عقبة انقسام مجلس النواب، حيث عبر الدبيبة عن أمله في أن يغلب النواب المصلحة الوطنية لـ”إنجاز المهام المنوطة بهم في المدد الزمنية المحددة لهم”، بهدف حصوله على الثقة لحكومته المنتظرة، طالبت منظمة العفو الدولية قادة السلطة الجديدة بـ”ضمان عدم تعيين المشتبه في ارتكابهم جرائم بموجب القانون الدولي في مناصب يمكنهم فيها الاستمرار في ارتكاب الانتهاكات”.

كما طالبت المنظمة بـ”تعليق عمل الأفراد المتهمين بارتكاب جرائم حرب في مناصب السلطة”، وهي “صعوبة جديدة أثارتها المنظمة الأممية ووضعت الحكومة ومجلسها الرئاسي في حرج بعد أن لفتت الأنظار إليها”، وفق هنية فحيمة الباحثة السياسية الليبية.

وجاءت مطالب المنظمة لسلطات البلاد الجديدة في إطار تقرير، رصدت فيه استمرار ظاهرة الانتهاكات الجسيمة في البلاد لحقوق الإنسان، بل وتورط السلطات السابقة في “ترقية وإضفاء الشرعية على قادة المليشيات المسؤولة عن الأعمال المروعة”، بدلاً من ضمان إجراء مساءلتهم، بحسب تعبير المنظمة.

ولفت تقرير “العفو” الدولية إلى أن الحكومات الليبية المتعاقبة وعدت بـ”الحفاظ على سيادة القانون، واحترام حقوق الإنسان، بيد أن كلاً منها قد تقاعس عن كبح جماح الجناة”، وفصلت في ثنايا التقرير قيام قادة طرفي الصراع في ليبيا بمخالفات أدت إلى ترسيخ ظاهرة الإفلات من العقاب.

وأشارت إلى أن المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق عين، مطلع العام الجاري، عددا من قادة المجموعات المسلحة في مناصب مهمة، من بينهم، عبد الغني الككلي، وهو قائد مجموعة مسلحة تعمل في طرابلس تحت مسمى “قوة الأمن المركزي، وتم تعيينه كرئيس لـ”جهاز دعم الاستقرار” بتبعية مباشرة للمجلس الرئاسي، وكذلك هيثم التاجوري نائبا له.

وبالإضافة لذلك ذكر التقرير أن المجلس الرئاسي رفّع رتبة عماد الطرابلسي، وعينه نائبا لرئيس جهاز المخابرات، تزامنا مع قرار آخر لنقل تبعية “قوة الردع الخاصة” من وزارة الداخلية إلى المجلس الرئاسي مباشرة بصلاحيات أوسع.

وأكدت المنظمة أن لجانها ولجان خبراء الأمم المتحدة أثبتت تورط أصحاب هذه الأسماء في انتهاكات واسعة، وأن منحهم وظائفهم الجديدة، بصلاحيات واسعة وتوفير المرتبات لأفراد مجموعاتهم المسلحة، يعد ضربا من التعمية واستمراراً لظاهرة الإفلات من العقاب.
وشددت المنظمة على ضرورة أن “تكون المساءلة عنصراً رئيسياً في العملية السياسية في ليبيا”، بل وأكثر من ذلك طالبت وبشدة بضرورة “إزاحة أولئك المشتبه بهم بشكل معقول بارتكاب جرائم حرب وانتهاكات لحقوق الإنسان من صفوفهم”، وهو ما يوقع قادة السلطة الجديدة في مواجهة مع قادة المجموعات المسلحة، سواء في الشرق أو الغرب، بحسب الباحثة السياسية فحيمة.

وفيما ترجح الباحثة السياسية أن يعمل قادة السلاح في ليبيا على إخضاع السلطة الجديدة لمصالحهم أسوة بالحكومات السابقة، يرى حسام الغناي، الأستاذ بمعهد البحوث والدراسات القانونية، في المقابل أن حجم هذه المطالب وتعلقها بإقصاء المسلحين وقادتهم من تشكيلة الحكومة الجديدة والمناصب السيادية “لن تكون في متناول الدبيبة ورفقائه في السلطة الجديدة خصوصا وأن فترة حكمهم لا تتجاوز 10 أشهر”.

ويحدد الغناي قدرة القادة الجدد على تجاوز خلافات ومشاكل قادة السلاح في البلاد “من خلال وضع برامج بعيدة عن مصالح المجموعات المسلحة وينأوا بأنفسهم عن استفزاز المسلحين”.

ويقترح المصدر ذاته، دعم السلطة الجديدة لجهود لجنة 5 + 5 لإبقاء مسرح خلافات المسلحين في المنطقة الوسطى “مع المحافظة على الجمود الحالي”، والعمل على تشكيل حكومة خدمية لا تغري مناصبها قادة السلاح بالتموضع فيها.

وفيما يلفت الغناي إلى أن معضلة انتهاكات المسلحين، أكبر من إمكانيات الحكومة وظرفها الزمني، كون “التشريع الليبي يقدم لهم الحماية”، يوضح بالقول إنه “في منتصف عام 2012 أصدر البرلمان القانون رقم 38 المعروف بقانون حماية الثورة وينص صراحة على أنه لا عقاب على ما استلزمته الثورة من تصرفات عسكرية أو أمنية أو مدنية قام بها الثوار بهدف إنجاح الثورة أو حمايتها”، معتبرا أن مثل هذا التشريع سيكون في وجه السلطة الجديدة أو أي سلطة تحاول إقصاء المسلحين أو الحديث عن معاقبتهم.