تقرير ألماني يكشف حقائق عن “اقتصاد الظل” في ليبيا .

كشف تقرير أعدته مؤسسة «كونراد أديناور» الألمانية ، الحالة الاقتصادية التي تمر بها ليبيا وما اسماه بــ “اقتصاد الظل” وذلك من خلال تقرير تحت عنوان «النفط، المصارف، الحوكمة: الحقائق الاقتصادية في ليبيا المنقسمة».

وأوضح التقرير أن ليبيا، صاحبة أكبر احتياطي نفطي في أفريقيا، لم تعد موردًا مستقرًا للاقتصاد، مشيراً إلى هبوط العائدات النفطية إلى الربع تقريبًا، رغم التقارير حول ارتفاع الإنتاج في الآونة الأخيرة.

وأظهر التقرير، بأن السياسات الاقتصادية التي اتخذتها السلطات السياسية في شرق وغرب ليبيا، للتقليل من آثار الأزمة تعد محدودة حتى الآن.

وأوضح التقرير بأن البلاد تعاني من حالة انقسام أو تهالك هائل في البنى التحتية للمؤسسات الرئيسية لقيام الاقتصاد في أي دولة وهم ” القطاع المصرفي والمحلى والنفطي”، مشيرا إلى تسارع معدلات التضخم، مع انتعاش الأسواق السوداء، فضلا عن التحديات المستقبلية أمام ذلك الاقتصاد والتي تتنوع بين إعادة إعمار البنية التحتية للبلاد، وتنويع مصادر الدخل ورعاية القطاع الخاص ومكافحة الجريمة المنظمة والفساد.

ودعا التقرير  الألماني إلى ضرورة مواجهة ما سماه بـاقتصاد الظل في ليبيا، مؤكدا أن استمرار الصراع والضبابية السياسية يعرقلان عودة الاقتصاد إلى إدائه وإمكاناته قبل العام 2011.

وتحدث التقرير عن أنشطة اقتصاد الظل، وقال: إن الأسواق السوداء تطورت إلى درجة السيطرة على العامل المحدد للأسعار في الاقتصاد، مضيفا أن القضاء على هذا النمط من الأنشطة يستدعي «استراتيجية واضحة للتعامل مع الأسواق الموازية، وخطة عمل تقضي على الفجوة بين أسعار صرف الدينار في السوق الرسمية وغير الرسمية

وقالت مؤسسة «كونراد أديناور» الألمانية ان الأسواق الموازية هي الأكثر نشاطًا ووحدة، مقارنة بالاقتصاد الرسمي، ولا تتأثر كثيرًا بالخلافات السياسية والصراع المسلح مثل الاقتصاد الرسمي.

ونبهت إلى ضرورة أن يؤخذ في الاعتبار حجم شبكات المصالح المتداخلة للأنشطة الإجرامية، التي تتنوع بين تهريب النفط والبضائع المدعمة وتجارة الأسلحة والبشر، التي رأت أنها أنشطة تدخل في النسيج الاقتصادي لكثير من المجتمعات المحلية.

وذكرت أن نظام الزعيم الراحل معمر القذافي مارس في السابق نوعا من السيطرة على أنشطة التهريب. ومنذ سقوطه، ظهرت منافسة مفتوحة أشعلت صراعات محلية، مؤكدة ان غياب دولة مستقرة، وسيطرة اللاعبين الأمنيين تسببت في تحويل اقتصاد التهريب إلى مهنة احترافية، تتطلب تعيين أفراد مسلحين للحماية وهو ما خلق أسواق حماية غير رسمية.

وفي ظل تلك الأجواء، قال التقرير إن عشرات المجموعات المسلحة ظهرت في جميع أنحاء البلاد، تستمد قوتها من القطاع الأمني، وسيطرت على مسارات التهريب، والبنية التحتية لطرق النقل، والمناطق الحدودية، وبعض أجهزة الدولة، بل وعملت على نهب عائدات الدولة، وهي أنشطة تعرف باسم اقتصاد الحرب والتي تعتمد على انتشار العنف.

ونظراً لأن نسبة كبيرة من السيولة النقدية تستهلكها المجموعات المسلحة، إذ تصل ثروتها إلى مليارات الدينارات، قال التقرير إن الروابط الاقتصادية بين تلك المجموعات يجب القضاء عليها، عبر جهود إعادة إدماج عناصر المجموعات المسلحة في الاقتصاد، وإيجاد بدائل للتوزيع المركزي للثروة العامة من أجل الحفاظ على الاستقرار

و لمعالجة تلك الأزمة، شدد التقرير على ضرورة تبني إصلاحات اقتصادية حازمة، قبل خروج الوضع عن السيطرة شريطة أن يتم اعتماد تلك الإصلاحات على تقييم وفهم صحيحين للوضع الراهن، وهذا يتطلب بدوره قيادة فعالة وحكومة تحظى بشرعيتها أمام غالبية الليبيين، وكذلك المزيد من الوقت والمال والمستثمرين الأجانب.

وأشار التقرير الألماني إلى أن إيجاد حلول مستدامة للمشكلات الاقتصادية الرئيسة يعد بداية حل الأزمة، مع التركيز على اقتصاد سياسي موحد، ونظام حوكمة جيد لضمان تحقيق التنمية، كاشفا عن عدد من الحلول التي يمكن اتباعها لإصلاح تلك القطاعات وهي على النحو التالي:

القطاع النفطي

دعا تقرير المؤسسة الألمانية إلى إعادة بناء البنية التحتية لصناعة النفط والغاز، مؤكداً أن النفط عامل أساسي في الاقتصاد باعتباره المصدر الأول للعائدات حيث تعتمد 97% من عائدات الدولة على إنتاج النفط والغاز، مما يخلق تبعية ضعيفة في هياكل الدولة.

وأبدى التقرير تخوفه إزاء الوضع النفطي الراهن في البلاد حيث أظهر التقرير بأن أضطراب النشاط النفطي يعوق قدرة الدولة على اعتماد اقتصادها بشكل حصري على العائدات النفطية، مشيرا إلى أنه بالرغم من أن هناك توقعات تشير إلى زيادة العائدات النفطية بنحو 22.5 مليار دولار خلال العام الجاري إلا ان المؤشرات الراهنة تؤكد أن مستوى الإنتاج الحالي بلغ 978 ألف برميل يومياً، آي أقل بكثير مما هو منشود تحقيقه.
وأوضح التقرير بأن المؤسسة الوطنية للنفط طالبت مراراً السلطات الليبية لإجراء الصيانة الدورية في حقول الإنتاج، لكن ذلك لم يحظ بجواب من الطرف الآخر.

وأفاد التقرير بأن الإنتاج النفطي في ليبيا يعتمد على عوامل عدة بينها الإطار السياسي والوضع الأمني، والطرف المسيطر على الحقول النفطية، والطرف الخارجي صاحب النفوذ الأكبر للتعاون مع شركات النفط الليبية.

وتحدث التقرير عن الإغلاقات العشوائية لحقول النفط التي استمرت سنوات في منطقة الهلال النفطي، مشيرا إلى أن اضطراب الإنتاج النفطي واستخدام المنشآت النفطية كورقة للمساومة من قبل الجماعات المسلحة، فضلا عن عمليات تهريب النفط الأمر الذي يجعل من الصعب أن تسوق ليبيا إنتاجها وتمثيل صناعتها على المدى الطويل.

وأفاد تقرير المؤسسة الألمانية بأن ليبيا تملك احتياطات كبيرة من الغاز، يمكن استغلالها بشكل جيد لدعم عائدات الدولة الرسمية، إلا أن الأمر كذلك يتطلب إعادة هيكلة البني التحتية والسياسات من أجل الوصول إلى مستويات مرضية من إنتاج النفط والغاز.

وكشف التقرير بأن هناك دولاً مثل إيطاليا وروسيا تتفهم جيداً المنافع التي قد توفرها صناعة النفط والغاز في ليبيا، لكن استراتيجية كلا البلدين لا تزال في البدايات، وهناك حاجة لاستكمالها باستراتيجية رسمية أكبر تناسب مصالح ليبيا.

ولفت التقرير بأن ليبيا تعاني من عجز في الموازنة يصل إلى 12 مليار دينار، وهو العجز بين النفقات وبين العائدات التي بالكاد تكفي لدفع الرواتب. وقدر التقرير أن ليبيا تحتاج بين 46–81 مليار دولار من أجل عمليات إعادة بناء البنية التحتية لصناعة النفط والغاز، وإعادة إحياء القطاع النفطي، واستغلال الموارد المتاحة.

القطاع المصرفي

وعن القطاع المصرفي، أفاد التقرير بأن الاقتصاد الليبي منقسم إلى ثلاثة قطاعات، القطاع البنكي (يمثل 83%) وقطاع التأمين (يمثل 16%) وقطاع الاستثمارات (يمثل 1%)، مشيرة إلى أن معدل التضخم بلغ 26.3% في فبراير الماضي، إلا أن المعدلات الحقيقية تمثل خمسة أضعاف هذا الرقم.

وأوضح التقرير، بأن هناك عاملان رئيسيان وراء تدهور القطاع المصرفي هما المصرف المركزي والأسواق السوداء، مشيرة بأن المصرف نادراً ما يقدم بيانات رسمية يمكن الاعتماد عليها حول وضع البلاد الاقتصادي والمالي.

ومع هذا الاعتماد الكبير على العائدات النفطية، فإن الوضع الاقتصادي الحالي أسوأ بكثير مما كان عليه قبل 2011، حينما أبرمت ليبيا عدة اتفاقات مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي بما يسمح لليبيا بالاستفادة بوضع خاص، لكن منذ 2011، فأن تدهور الوضع السياسي والأمني ترك أثراً سلبياً بارزاً على الاقتصاد.

وبعد 2011، جرى إنفاق أموال الدولة بشكل غير حكيم، وذلك بسبب التوقعات الكبيرة للمواطنين، ونتيجة لذلك توسعت معدلات العجز ،وحتى العام 2015، تم استهلاك 36% من احتياطات المصرف المركزي لدفع الميزانية العامة، بينما في العام 2016، تم استخدام الاحتياطات النقدية لسد 70% من الميزانية. وتراجعت احتياطات العملة الأجنبية من 130 مليار دولار إلى 30 مليار دولار.
ويعتقد خبراء، نقل عنهم التقرير، أن 40 مليار دولار، هي حجم الأموال الحقيقية، يجري تداولها خارج القطاع البنكي، وأن 60% من حجم الإنفاق الرسمي يذهب إلى المسؤولين المدرجين على قوائم الرواتب الحكومية.

وعزا التقرير أسباب تداول هذا الكم الهائل من النقد خارج القطاع المصرفي إلى غياب الثقة بين المواطنين ومؤسسات الدولة والمصارف مما يدفع كثيراً منهم للابتعاد عن وضع مدخراتهم، سواء بالعملة المحلية أو الصعبة، في المصارف.

قطاع الحكم المحلي

وعن العامل الثالث، أكد التقرير الألماني، على أهمية هياكل الحكم المحلي في تحقيق الاستقرار البلاد وإعادة إعمار البني التحتية، مشددة على ضرورة أن تكون الأنظمة الاقتصادية وأنظمة الحكوكمة لامركزية الأمر الذي يقتضي تفويض السلطات تدريجيا وفق أداء المجالس البلدية.

ولفت التقرير بأن انشاء وزارة للحكم المحلي في حكومة الوفاق يعد خطوة حيوية في دعم مصادر الدخل المحلية كبديل لمصادر الحكومة المركزية، معتبرة أن تلك القضية ليست هينة في ظل غياب التقارب بين الحكومة المركزية والمجالس البلدية، وبين الهياكل السياسية والتنفيذية