مجلة أمريكية تكشف التوجهات الكبيرة نحو الانتخابات في ليبيا رغم الفشل النسبي لمؤتمر باليرمو

تساءل مقال نشرته مجلة «فورين أفيرز» الأميركية عن مدى استعداد الأطراف الليبية لتحقيق السلام في ليبيا، في أعقاب مؤتمر باليرمو الدولي الذي استضافته إيطاليا الشهر الماضي، وقال كاتبا المقال، الباحثان فريدريك ويري وجلال حرشاوي، إنه رغم العقبات التي تشهدها ليبيا، فإن مؤتمر باليرمو وضع إطارًا عامًّا لإجراء انتخابات حرة ونزيهة، على الأطراف الليبية والدولية استغلاله لتحقيق سلام دائم.

وأشارا إلى أنه «على مدار السنوات السابقة، اجتمعت الفصائل الليبية في عدد من المؤتمرات الدولية، في قارات ودول مختلفة، وخرجوا بوعود لفظية بالتوافق، واخذوا صورًا جماعية. لكن في ليبيا، يعاني المواطنون تحت سطوة المجموعات المسلحة المتنافسة والأزمة الاقتصادية».

انتقام” إيطالي

وتحدث المقال بشكل خاص عن مؤتمر باليرمو المنعقد الشهر الماضي، مشيرًا إلى خلفية المنافسة الشديدة بين فرنسا وإيطاليا حول إدارة الملف الليبي.

ففي مايو الماضي عقدت باريس، دون دعوة روما، لقاءً جمع الأطراف الرئيسية الأربعة في ليبيا وخرجت بـ«التزام شفهي» بإجراء انتخابات وطنية في نهاية العام الجاري، وهو موعد أقرت البعثة الأممية في وقت سابق بصعوبة تحقيقه، وبالتالي فإن قمة باليرمو كانت «الانتقام الإيطالي من موقف فرنسا».

وقال الباحثان « انتهى مؤتمر باليرمو دون الخروج برسالة واضحة. وأعلن رئيس حكومة الوفاق –غير المعتمدة- فائز السراج، و خليفة حفتر الالتزام بإجراء الانتخابات الوطنية في يونيو من العام المقبل، وعقدت الوفود الليبية لقاءات جانبية حول الطاقة والأمن، لكن دون الخروج باتفاق صريح».

خارطة طريق

وقال الباحثان إن ما خرج به مؤتمر باليرمو هو «فكرة مجردة حول خارطة طريق جديدة تقود ليبيا صوب إجراء انتخابات حرة ونزيهة»

وتابعا: «يبدو أن الأمم المتحدة تعول على المؤتمر الجامع الذي سيقام في يناير المقبل، وسيضم ممثلين عن الفصائل الليبية المتنافسة، وعمداء بلديات وزعماء قبائل وممثلين عن المجتمع المدني، لحل كافة المسائل العالقة».

لكنهما أعربا عن التخوف من أن يأتي المؤتمر بنتائج عكسية، وأن «يفاقم من الخلافات القائمة ويتسبب في تأجيل الانتخابات مرة أخرى»، ولفتا إلى أن «مهمة توحيد المؤسسات الأمنية والاقتصادية في ليبيا تتطلب عمل شاق وصعب».

ورغم المعوقات الكثيرة التي تقف أمام تنظيم انتخابات سلمية في ليبيا، تحدث الباحثان عن «تفاؤل حذر» لما شهدته البلاد من تطورات إيجابية في الفترة السابقة، بينها التقدم فيما يخص «كبح جماح» المليشيات في طرابلس، والإصلاحات الاقتصادية التي أعلنتها حكومة الوفاق غير المعتمدة، وقالا إنه على المجتمع الدولي استغلال هذا الزخم والعمل على تخفيف المخاطر التي تلوح في الأفق.

اشتباكات طرابلس «متوقعة»

وقال المقال: «إن مؤتمر باليرمو أُقيم أعقاب اشتباكات مسلحة عنيفة اندلعت في طرابلس خلفت 115 قتيلًا»، وذكر أن تلك الاشتباكات كانت «متوقعة»، إذ تحركت مجموعات مسلحة وسيطرت على المؤسسات الرئيسية والموارد المالية، بينما يستغل قاداتها ارتباطهم بحكومة الوفاق غير المعتمدة لإصدار خطابات ائتمان مزورة من المصرف المركزي.

واعتبر اشتباكات طرابلس «مثالاً آخر من النمط الذي أصبح سائدًا في ليبيا منذ وقوع طرابلس في أيدي المليشيات في 2011، ويتمثل في تنافس المجموعات المسلحة للسيطرة على الأصول المالية والمطارات والمصارف والموانئ وشبكات تهريب الوقود، وخلق هذا النمط فائزين وخاسرين في طرابلس ومصراتة والزنتان. وبين الحين والآخر، يعمد الفريق الخاسر إلى شن هجمات لتغيير ميزان القوى القائم».

وانتهت اشتباكات طرابلس بعقد هدنة برعاية الأمم المتحدة، اتفقت بموجبها المجموعات المسلحة على ترتيبات أمنية تحت إشراف مركز للعمليات المشتركة يهدف إلى حماية المواطنين والملكيات وتمهيد الطريق أمام استبدال المجموعات المسلحة بالقوة الشرطية المعتادة.

إصلاحات اقتصادية

كما تحدث المقال عن الإصلاحات الاقتصادية التي شرعت حكومة الوفاق غير المعتمدة في تطبيقها، وقالت إن تطبيقها في وقت مبكر كان من الممكن أن ينزع فتيل اشتباكات طرابلس الأخيرة.

ووافقت حكومة الوفاق غير المعتمدة والمصرف المركزي، تحت ضغط من الأمم المتحدة، على إصلاح سعر الصرف، وضمان وصول أفضل للعملة الصعبة للمواطنين، وتخفيض دعم الوقود، وهي تحركات أضعفت بشكل نسبي قدرة الفصائل المسلحة على نهب خزينة الدولة عبر تزوير خطابات الائتمان.

تطلعات حفتر للسلطة

لكن التقدم على الصعيدين السياسي والاقتصادي في غرب ليبيا، يثير سؤالاً مهمًّا حول «تطلعات خليفة حفتر للسلطة». وقال الباحثان: « حدود نفوذ حفتر السياسي والعسكري أصبحت محط أنظار الكثيرين مع تغير الأوضاع على الأرض».

وتابعا: « وصلت معارك حفتر مع الاسلاميين إلى نهايتها وتركته دون معركة جديدة تعزز مكانته كشخصية أمنية، وتوحد التحالف المتشرذم الذي يدعمه”.

استكمال «باليرمو»

أكد الباحثان إنه على القوى الأجنبية ذات النفوذ في ليبيا اتباع منهج أكثر عملية، قبل أن يبدأ الوضع في التدهور من جديد.

لكنهما قالا: «إن كثيرًا من الدول التي شاركت في مؤتمر باليرمو بدت غير مهتمة بما يبدو استقرارا نسبيا، وظلت متشبثة بدعم الفصائل الليبية الموالية لها، ما سمح للأطراف الليبية المتنافسة بالاستمرار في سعيها للفوز بأكبر المكاسب دون الخوف من أن يتم تقييدها من قبل الداعمين بالخارج».

وتابعا: «جزء من الانقسام الذي يغذي الصراع في ليبيا له جذور بالخارج. فالتنافس التاريخي بين باريس وروما حول ليبيا تسبب في هوة داخل الاتحاد الأوروبي، ويبرر موقف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من الحكومة اليمينية في إيطاليا».

وذكرا أيضًا أن «الأكثر ضررًا هو المنافسة الأشد بين التحالف الداعم لحكومة الوفاق غير المعتمدة، الذي ضم قطر وتركيا من جانب، والمعسكر الآخر الداعم لحفتر ويضم مصر والإمارات من جانب آخر».

وقال الباحثان: «إن تلك العوامل أضيفت إلى الضوضاء المحيطة بقمة باليرمو، وحولت الانتباه عن القضايا والمشاكل الأكبر التي لاتزال قائمة في ليبيا، وبينها كيفية إجراء انتخابات حرة ونزيهة. والإعلان الذي صاحب نهاية المؤتمر بشأن إجراء الانتخابات الوطنية في يونيو المقبل دليل على أن خطة باريس لاتزال موجودة لكن مع بعض التعديلات».

لكن خطة باريس لإجراء انتخابات متعجلة في ليبيا، حسب المقال، واجهت مقاومة من أطراف ليبية، بينها الفصائل في الشرق، والفرصة الوحيدة المتاحة للخروج من هذا المأزق هي استغلال المؤتمر الجامع الذي سيقام تحت رعاية الأمم المتحدة بداية العام المقبل.

نفوذ المليشيات

ورغم التحضيرات السابقة لمؤتمر باليرمو، والتشاورات التي أجرتها الأمم المتحدة وفرنسا وإيطاليا مع مختلف الفصائل المسلحة الليبية قبيل المؤتمر، إلا أنه فشل في جمع الخصوم الرئيسيين حول مائدة واحدة.

وقال الباحثان: «في اليوم التالي لمؤتمر باليرمو، تحرك فصيلان مسلحان، مسؤولان بشكل كبير عن الاشتباكات الأخيرة في طرابلس، وسيطرا على المطار الدولي بالعاصمة بالقوة».

وذكرا أن «تلك حادثة إنما تذكرنا بأهمية إشراك قيادات المليشيات، المسيطر الحقيقي على الأرض، في المفاوضات دون إغفال عامل المحاسبة والعدالة».

بناء المؤسسات الأمنية

وتحدث المقال عن الجهود الدولية لإعادة بناء الجيش والهياكل الأمنية، وقال إنها أتت ببعض النتائج الإيجابية. وعرضت إيطاليا وبعض الدول الأجنبية خلال الأسابيع الماضية تدريب القوى الأمنية الليبية داخل المؤسسات في طرابلس.

لكن نجاح تلك البرامج يعتمد على تحقيق توافق سياسي حول الهيكل النهائي للقطاع الأمني والخطوات اللازمة لإعادة بناء المؤسسات والأجهزة الأمنية.

بالإضافة إلى أن أية مساعدة خارجية يجب أن تركز على الإصلاحات الهيكلية الرئيسية، وليس فقط تدريب الجنود والعناصر الأمنية.

ولفت المقال إلى المبادرة المصرية لإعادة هيكلة الجيش الليبي، وإجراء محادثات بين أطراف من شرق وغرب ليبيا، لكنها تعطلت منذ فترة، وعندما حاولت القاهرة إعادة إحيائها في أكتوبر الماضي، رفضت الأطراف من الغرب المشاركة بزعم أن مصر تدعم طرف معين.

فرصة أمام واشنطن

قال الباحثان: «إن مؤتمر باليرمو لم يحقق النجاح السلس الذي أمل به رئيس الوزراء جوزيبي كونتي»، لكن التوصيات التي قدمها المؤتمر ليست محكومة بالفشل.

وأشار المقال إلى أن البعثة تسعى لعزل الأطراف المسلحة الرافضة، بينهم صلاح بادي من مصراتة والذي وضعته الإدارة الأميركية مؤخرًا على قائمة العقوبات، فيما تنخرط بشكل أكبر مع مجموعات وسطية أخرى.

وقال الباحثان: «فيما تضطلع الأمم المتحدة بدور طموح في إصلاح الهيكل الأمني، على الدول الأعضاء بذل المزيد لإنجاح جهود البعثة الأممية والابتعاد عن المناهج أحادية الجانب».

ودعا الباحثان الإدارة الأميركية للتدخل بشكل أكثر فاعلية في الأزمة الليبية، وقالا: «فيما تستمر المنافسة بين القوى الأوروبية والشرق أوسطية في تغذية الصراع الليبي، على الولايات المتحدة التفكير في لعب دور أكثر حزمًا».

وقالا إن واشنطن هي الطرف الوحيد القادر على ردع تدخل الأطراف الغربية، والتدخل الفعّال من قبل مسؤول أميركي رفيع المستوى، مثل وزير الخارجية مايك بومبيو أو وزير الدفاع جيم ماتيس، سيساهم في قطع شوط كبير في طريق التوافق الإقليمي، خاصة بين مصر ودول الخليج وتركيا.

وأضافا: «يمكن لوزارة الدفاع (بنتاغون) القيام بدور رئيس وإحداث تغيير، بالمشاركة في المحادثات حول توحيد الجيش وعرض تقديم مساعدة مادية وبرامج للتدريب، فور التوصل إلى اتفاق سياسي».

وتابعا أن «الانخراط في ليبيا يخدم أهداف السياسة الخارجية الأميركية. فإرساء سلام دائم في ليبيا يمنع عودة تنظيم داعش الارهابي، الذي نجح في تنفيذ عدد من الهجمات داخل ليبيا رغم طرده من معقله الرئيس في العام 2017».