اقتصاد يأكل الطير من راْسه

بقلم : سليمان الشحومي

أحداث 2011 أجهزت علي النموذج السياسي لليبيا ولم تقدم بديلا مقبولا للمشاركة السياسية حتى الان ، ولكن الأسوء كان هو إخراج الاقتصاد الليبي من الخدمة وتحويله إلى حالة شاملة من الفشل والشلل فانهار الناتج الاجمالي بسبب التدمير المتعمد لمصدر الدخل القومي الرئيسي والصراع اللاحق حوله من قبل القوي المتصارعة .

بدون ادني شك ان كل المقومات و الركائز الاقتصادية سواء الإنتاجية او الخدمية و التجارية و الصناعية قد تداعت أركانها بسبب خروج مؤسسات الدولة خارج الخدمة و تأثرها بالصراع المستعير حتي الان .

طبعا الازمة الاقتصادية عميقة وهيكلية من الناحية النظرية و العملية فالازمة الاقتصادية و التي تتركز في فقدان الاقتصاد الليبي القدرة علي حماية اصوله الاقتصادية و التي يعول عليها لخلق الثروة وتنميتها و كذلك فقدان قدرته علي خلق فرص عمل وتزداد معدلات البطالة بشكل يؤدي الي تعقيدات اخري اجتماعية ، ناهيك عن فقدان المؤسسات المصرفية والتي كانت محرك تنموي وقائد لقاطرة الاقتصاد الليبي لخروج مفتعل خارج القضبان عبر تعطيل دوره و افتعال ازمة السيولة و إيقاف آليات خلق النقود و الائتمان والذي يحرك عجلات اقتصادية متنوعة تقوم علي التمويل المصرفي ،وزاد الامر سوء الانقسام المؤسسي والذي اجتاح كل المؤسسات الاقتصادية بدون استثناء .

بدون ادني شك ان الوضع الذي اصبح عليه الاقتصاد الليبي اسبابه تعود الي فترة سابقة علي أحداث 2011 ولكن السيناريو الأسواء كان علي يد الفوضي التي احدثتها “متصدري فبراير” عبر منهج الإقصاء و فتح الباب لخلق زعامات اعتمدت علي سلطة و قوة غير خاضعة لسلطان الدولة .

ليس من المتوقع ان تكون المعالجات و الإجراءات التي ربما يقوم بها البعض مما يفتقدون المقدرة و مشحونون برصيد من التطرف المنهجي و تحركهم دوافع فئوية مستترة خلف وعود براقة ، ان تحدث تغييرا حقيقيا في حالة الانهيار الاقتصادي الشامل الذي تعيشه ليبيا الان.

لا حل اقتصادي شامل متاح الان و لا يمكن لأي مسؤول اقتصادي ان يفعل شيئا يذكر الان سوي تصريحات جوفاء معلقة علي برنامج إصلاحات اقتصادية لا يمكن ان يكتب له النجاح في ظل هذه الاوضاع ، حتي وان كانت النية و المساعي النبيلة التي يقوم بها ذاك المسؤول او غيره لا ترقي في تقديري. الا الي ان يرمي بحجر في مستنقع مياه الاقتصاد الراكدة ولن يستطيع ان يصنع شيئا يذكر سوي ان يتابع ما يحث من ارتداد لحظي بسيط علي سطح تلك المياه الراكدة.

المخرج من الدوامة المستمرة ليست في تعليق الامل بمشروع إصلاحات اقتصادية كما يسميه بائعو الهوى ، بل في اعادة بناء الدولة قبل كل شي وتوحيدها و ايجاد نموذج ونظام اقتصادي يتفق عليه و يؤسس له دستوريا وبشكل واضح يرتكز علي القطاع الخاص المراقب من قبل سوق راس المال و أدواته الرقابية علي ادوات الاستثمار بكافة اشكاله و تعزيز وتطوير الرقابة المصرفية عبر فصل الرقابة المصرفية عن دور البنك المركزي ليتفرغ للعمليات المتعلقة بالسياسة النقدية ، والتخلي عن ملكية وزارة الاقتصاد والصناعة للشركات الحكومية و التحكم في ادارتها و التخلص من فرض الحكومة هيمنتها علي صندوق الانماء وغيره من الصناديق الحكومية والتركيز علي تغيير طبيعة الاقتصاد ذو المصدر الوحيد و المسيطر و الذي عجز برغم موارده عن ايجاد فرص عمل للشباب الجامح العاطل عن العمل ، لا مناص من تنمية مكانية و ايجاد مناطق استثمار متخصصة وفقا لقواعد مختلفة تفتح آفاقا اقتصادية غير تقليدية لليبيين و المحيط الإقليمي.

اننا في حاجة لتحجيم دور الدولة ومؤسساتها في الحياة الاقتصادية و تركيزها علي التنظيم والرقابة و اعمال قواعد المنافسة و التركيز علي توفير بيئة للاعمال اكثر جاذبية للجميع و التركيز علي الشفافية الالكترونية في انجاز المعاملات و تطوير النظام القضائي بشكل عام والاقتصادي بشكل خاص .

وحتي يتحقق ذلك الامل المنشود بتغيير اقتصادي حقيقي و باقتصاد حديث متطور شفاف و يقوم علي محركات اقتصادية واستثمارية فعالة و منوعة ستبقي طيور الفساد تاكل من رأس الاقتصاد الليبي .