وماذا بعد ؟! مسارات “غسان سلامة” الثلاثة إلى أين ؟

بالرغم من علمنا أن مبعوثي الأمم المتحدة لهم مهام محددة وفترات زمنية محددة ايضا، وقد يكون تجاوز غسان سلامة المدة المحددة ومددت مهمته لإعتبارات الأمل في الوصول الى حل للأزمة الليبية، التي طالت خاصة وأنه قد أتى بخارطة طريق تبنّتها الأمم المتحدة ومجلس الأمن، الا أن ملابسات تقديمه الإعفاء التي افصح عنها جاءت في وقت حساس جدا من عمر الأزمة الليبية، وهو ما يجعلنا ندرك أن طلب الإعفاء لم يكن صادرا منه عن طيب خاطر، وأنه قد اجبر على ذلك وتحت ضغوط دولية نافذة وقوية.

لا شك أن سلامة بذل جهودا طيبة بغية التوفيق بين اطراف الصراع في ليبيا، وقد حقق بعض النجاحات وخاصة في بداية مهمته الا أن تعقد الملف الليبي خاصة بعد حرب طرابلس، قلب موازين عديدة وجعل الأطراف المحلية والدولية تضغط اكثر عليه في محاولة لكسب مواقف لصالح هذا الطرف أو ذاك، وهنا لم يكن ممكنا له مواجهة ذلك، مما دفعه الى تبني مواقف من هذا الطرف او ذاك فقط لإجل الإرضاء ولكن على حساب النتائج، وهذا  ما جعل طرفي الصراع في ليبيا يفقدون ثقتهم فيه فصاروا يطالبون علنا برحيله، وكنتيجة لذلك اصبح استمرار غسان في مهمته أمرا شبه مستحيل، بل أن بقائه قد يؤثر سلبا في النتائج، وعندئذ قررت الأمم المتحدة اعفائه والبحث عن بديل يمكنه تسيير دفة الأمور لمرحلة قد تقصر او تطول!

بالمنظور السياسي يمكن القول أن سلامة قد نجح في تأطير المسارات الثلاثة للأزمة الليبية، عندما شرع في انعقاد جلسات المسار الأمني (5+5) والمسار الإقتصادي بالقاهرة، وحتى السياسي بجنيف، بالرغم من عدم وجود تقدم واضح في المسار الأمني، وتعليق مجلس النواب ومجلس الدولة لمشاركتهما في الحوار السياسي، وبالمنظور المهني يمكن القول أيضا أن غسان سلامة قد أكمل مهمته زمنيا بغض النظر الى نتائجها، أما اذا نظرنا الى ذلك من منظور تحقيق ما كان مستهدفا  فإن سلامة قد فشل مثلما فشل سابقوه، حيث لم يتحقق الهدف الأساسي وهو توحيد طرفي الصراع ودمجهم في بوتقة واحدة، ما يعني استمرار الإنقسام و ملحقاته التي جميعها زادت شدة وتأثيرا خاصة في ظل حالة الحرب القائمة الآن.

لكن السؤال المطروح الآن وبقوة هو : ماذا بعد غسان سلامة انعكاسا على الشأن الليبي؟! لاشك ان الاجابة على ذلك يكتنفها الغموض، ولكن من زاوية تحليلية يمكن القول أن هناك احتمالين إثنين : أحدهما أن يتمكن خليفته من حل اللغز الليبي، وينجح في استمرار مسارات سلامة الثلاثة، وبالتالي تحقيق الهدف والوصول الى حكومة ليبية مرحلية واحدة، وتوحيد كافة المؤسسات وانهاء حالة الصراع وبدء مرحلة جديدة من عودة الإستقرار في ليبيا، والإحتمال الآخر وهو عدم قدرة خليفته على انعاش مسارات غسان الثلاثة، وبالتالي توقفها وهو ما يتطلب تعاملا جديدا وخطة جديدة قد تتغير فيها كثير من المعطيات، وأمام هذا وذاك يظل الملف الليبي ساخنا وقد يتطور الى ما هو اكثر سوء في خضم حالة استقطاب دولي كبير ومركز وأقل سوء فيه إطالة عمر الأزمة.

دائما نقول ومن خلال التجارب السابقة أن التعويل على الأمم المتحدة بالكامل غير مجدي، وأن دورها في حل الصراعات لم يتجاوز الدور المساعد البطيء!، ما يعني أن التعويل بالأساس يجب أن يكون على الليبيين أنفسهم، فهل يدرك المتصارعون الليبيون بعد هذه السنين ذلك؟ ! أم أنهم يتجاهلون في عناد شديد، لن ينتج عنه الا مزيد الدمار والخراب والنهب للثروة الليبية! فمتى يحكّم طرفا الصراع عقولهم؟! ويبادرون الى الإعتراف ببعضهم كواقع فرض نفسه، غض النظر عن ما يحملونه من أجندات، لأنهم شركاء في الوطن ولكل منهم الحق في العيش فيه والتمتع بثروته، ثم يتجهون الى التنازل عن مطالبهم المتناقضة ويسعون الى حالة من التوافق الإضطراري المرحلي حتى يتم تأطير المؤسسات الدستورية وترسيخها فيما بعد بدون مغالبة.

عبيد احمد الرقيق

elragig@hotmail.com