طبقة سياسية انزلقت بتونس إلى هاوية العبث

فاروق يوسف

كاتب عراقي


بعد عشر سنوات من الانتصار يبدو الشعب أكثر يأسا من ثورته التي أنتجت طبقة سياسية عملت وتعمل على إطفاء أي نوع من الحماسة للبناء والتغيير.

في انتظار نظام سياسي جديد

عام 2011 تخلص التونسيون من نظام زين العابدين بن علي البطيء والثقيل والمهمل والذي تحوم حوله شبهات الفساد. كان ذلك حدثا سارا وهو بداية طيّبة للربيع العربي.

ولكن سرعان ما خاب الأمل. لقد دخلت حركة النهضة الإسلامية على الخط وأفسدت خيال التونسيين وواقع الثورة بل وانحرفت بالإثنين. فالحركة باعتبارها أحد أذرع جماعة الإخوان المسلمين تريد بناء نظام سياسي خاص بها ولكنه نظام يقع خارج حدود الدولة.

ولأن التونسيين بمختلف أجيالهم واتجاهاتهم قد تربوا على احترام فكرة الدولة والالتزام بقوانينها المدنية، فإنهم فوجئوا بأن هناك طرفا تونسيا يسعى إلى استدراجهم خارج الحلبة الحقيقية لنضالهم الهادف إلى تحسين سبل العيش والرقي بأحوال الحياة.

غير أن حركة النهضة تمكنت من خلال سطوتها على الأرياف والمدن المهمشة من فرض وجودها انتخابيا ودخلت إلى الحياة السياسية بقوة. بل أنها نجحت في أن تكون الطرف السياسي الأقوى وهو ما جعلها قادرة على التحكم بمسار العملية السياسية التي كان التونسيون لا ينظرون إليها إلا من جهة الإدارة الحسنة لموارد البلاد وتوزيعها بشكل عادل بينهم.

ما فعلته حركة النهضة منذ حكم الترويكا الذي تزعمته وحتى الآن أنها أدخلت البلاد في متاهة لا نهاية لها من الجدل حول مشكلات الحكم لكي يتاح لها في الوقت نفسه العمل على تنفيذ مخططها في تدمير أسس الدولة.

لم يكن من اليسير على الحكومات المتعاقبة أن تقوم بواجباتها في ظل صراع سياسي تعمدت حركة النهضة أن تطيل أمده. لا لشيء إلا لكي تتمكن من تغييب الدولة وإزالة كل أثر لها على مستوى خدمة المجتمع.

لقد نسيت الطبقة السياسية وظيفتها وصار الصراع السياسي هو هدف وجودها. وهو ما كان سببا لتقويض أي محاولة للبدء في الإداء الخدمي وتنفيذ مشاريع يمكن من خلالها القضاء على مشكلة البطالة ومن ثم الانتهاء من عقدة الفقر التي صارت تطارد التونسيين من غير أن تكون لها أسباب واقعية.

تونس ليست بلدا فقيرا إذا ما جرى التصرف بثرواتها بشكل معقول.

كان واحدا من أهم الأهداف التي سعت إليها الجماعات الدينية أن تفقر تونس وتزيد من عدد الفقراء الذين تعتبرهم رصيدها الانتخابي المؤكد. فحيثما حل الفقر ازدادت شعبية تلك الجماعات التي تتخذ من الدين وسيلة لإنجاح مشروعها السياسي.

وذلك هو واحد من أهم دروس جماعة الإخوان المسلمين.

مطالب تراوح مكانها مطالب تراوح مكانها

وبالرغم من مضي عشر سنوات على نجاح الثورة في إزالة نظام بن علي فإن نظاما سياسيا جديدا لم ير النور بعد. كل شيء يراوح مكانه. ليست حركة النهضة على استعداد لأن تسمح للأحزاب المدنية بأن تقر مشاريعها في بناء وتطوير وتحديث الدولة.

في المقابل فإن تعطيل عمل الدولة قد رافقه تراجع على كل المستويات. وفي مقدمة ما كان واضحا منه ذلك الانهيار الاقتصادي الذي أدى إلى انخفاض الوضع المعيشي وتدهور القدرة الشرائية لدى عموم الشعب. الأمر الذي أدى واقعيا إلى اتساع دائرة الفقر وارتفاع مستويات البطالة.

فليس مجلس النواب وحده مشتبكا بخلافات ليس لها حل ولا علاقة لها بالسياسة كما هي على سبيل المثال شعارات التكفير، بل إن ذلك الاشتباك عطل من خلال انعكاساته عمل الحكومة وصار يقف حاجزا ما بين رؤساء الحكومات وما بين قدرتهم على إدارة عمل وزرائهم الذين صاروا هم الآخرون في مرمى الأحزاب والكتل السياسية وهي تتبادل الاتهامات والتلويح بالعزل وصولا إلى الشتائم والضرب.

وإذا ما عرفنا أن زعيم إحدى الكتل البرلمانية المهمة يقيم في السجن ويدير حواراته مع الكتل السياسية الأخرى من هناك يمكننا أن ندرك أن الحياة السياسية قد تردت إلى المستوى الذي لا يمكن التعويل من خلاله عليها. إنها علبة أغذية مسمومة.

فحين يُتهم رئيس مجلس النواب برعاية الإرهاب وتدعو كتل سياسية داخل المجلس إلى عزله فإن الموضوع محسوم لصالح الفوضى. فوضى لا يمكن أن تؤدي إلى نتائج حسنة وإلا ما كان في إمكان كتل برلمانية أن تتدخل في عمل رئيس الدولة بحيث تحدد له مَن يُسمح له بلقائه ومَن هو غير ذلك.

فقدت حركة النهضة الكثير من أدوات الإقناع وتعرضت مصداقيتها للاندثار بمرور الوقت واستفحال الأزمات. لذلك فإنها تعمل والكتل التي تقف وراءها على أن تبقى الحياة السياسية تتحرك في دورة عبثية لا نهاية لها.

بعد عشر سنوات من الانتصار يبدو الشعب أكثر يأسا من ثورته التي أنتجت طبقة سياسية عملت وتعمل على إطفاء أي نوع من الحماسة للبناء والتغيير. صار الشعب التونسي ينظر إلى تلك الطبقة باعتبارها عقابا تهون أمامه حماقات وأخطاء بن علي.