أزمة السيولة في ليبيا والدفع الإلكتروني.. بين الحلول التقنية والأبعاد السياسية المفتعلة
محاولة لعرقلة أي جهود تنموية في المناطق الشرقية

يعاني الليبيون من أزمة سيولة خانقة جعلت من الحصول على النقود أمراً معقداً، رغم أن ليبيا من الدول الغنية بالنفط. هذا التناقض الواضح بين الإمكانات المالية للبلاد والواقع الذي يعيشه المواطن يثير تساؤلات عميقة حول أسباب استمرار الأزمة، ومن يقف وراءها، وما إذا كانت أزمة حقيقية ناتجة عن ظروف اقتصادية، أم أنها أزمة مفتعلة تُستخدم كأداة ضغط سياسي واقتصادي، خاصة على المناطق الشرقية من البلاد.
في السنوات الأخيرة، ومع تزايد اعتماد الدول على التكنولوجيا المالية، بدأ مصرف ليبيا المركزي، في اتخاذ خطوات فعلية نحو التحول إلى الدفع الإلكتروني كبديل للتعامل بالنقد. وقد شملت هذه الخطوات تطوير أنظمة الدفع، وتوسيع نقاط البيع، وتسهيل حصول المواطنين على بطاقات مصرفية، وإطلاق خدمات الدفع الفوري، إضافة إلى إلزام المصارف بتقديم قرض حسن مخصص لاستخدامه عبر وسائل الدفع الإلكتروني فقط.
محاولة لعرقلة أي جهود تنموية في المناطق الشرقية
ومع هذه الإجراءات، حقق القطاع المالي قفزة ملحوظة. لكن رغم هذا التقدم، تبقى الأزمة المالية قائمة، ما يدفع العديد من المتابعين والمهتمين إلى التأكيد على أن المشكلة ليست فقط في قلة السيولة أو بطء الانتقال نحو الدفع الإلكتروني، بل في كون الأزمة مفتعلة وموجهة سياسياً، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بتوزيع السيولة بين المناطق الليبية.
المناطق الشرقية، على سبيل المثال، تشهد نقصاً أكثر حدة في السيولة مقارنة بباقي المناطق، ما يُفسره البعض بأنه محاولة لعرقلة أي جهود تنموية في هذه الجهات، وتقييد حركتها الاقتصادية عبر التحكم في التدفقات النقدية.
ومن أبرز العوائق التي تواجه الانتقال إلى الدفع الإلكتروني أيضاً ضعف البنية التحتية للاتصالات، خاصة في القرى والمناطق النائية، وعدم استقرار المنظومات الإلكترونية أحياناً، إلى جانب ثقافة الاعتماد على النقد لدى كثير من المواطنين والتجار.
ويشير مسؤولون في المصرف المركزي إلى أن التغلب على هذه العوائق يتطلب دعماً من الحكومة، سواء عبر تسهيل تسجيل الأنشطة التجارية الصغيرة، أو منح إعفاءات ضريبية مؤقتة، أو ربط الحصول على التراخيص بوجود وسائل دفع إلكترونية، بل وحتى فرض التحصيل الإلكتروني كوسيلة أساسية لسداد المدفوعات الحكومية.
ويبقى ان حل أزمة السيولة في ليبيا يتطلب إرادة وطنية شاملة تتجاوز الحسابات السياسية الضيقة، وتعمل على بناء نظام مالي عادل وشفاف، يضمن التوزيع المتوازن للموارد ويُعزز من فرص التنمية في كل مناطق ليبيا، دون تمييز أو تهميش.



