ليبيا 24:
ليبيا.. أموال طائلة وغياب للشفافية يغذيان استياء الشارع ويضعان علامات استفهام كبرى
في ظل متابعة ليبية حثيثة للأوضاع السياسية والاقتصادية، تبرز قضية تثير الجدل حول آليات صنع القرار وطبيعة توزيع الثروة في البلاد. حيث أثارت تدوينات لناشطين ومتابعين تساؤلات عديدة حول مصير مبالغ مالية كبيرة تم صرفها تحت بند “السياسات العامة”، في وقت لا يزال المواطن الليبي يعاني من تردي الخدمات الأساسية ويسعى لتأمين أبسط مقومات الحياة.
هواجس المواطن البسيط: لقمة العيش في مواجهة ثقافة الفساد
في شوارع طرابلس، لا تكاد تخلو جلسة أو مقهى من مناقشات حول غلاء المعيشة وندرة الفرص وغياب العدالة الاجتماعية.
محمد العبار، وهو أب لخمسة أطفال، يعمل سائقًا متجولًا، يصف حالته بالقول: “نعيش يوما بيومه، الدخل بالكاد يكفي للخبز والدواء نسمع عن ملايين تنفق هنا وهناك، ولكن أين تذهب هذه الأموال؟ لماذا لا نرى أثرها في مستشفياتنا أو مدارس أبنائنا؟”.
هذه المشاعر تعكس حالة عامة من الاستياء، حيث يرى الكثيرون أن ثروات البلاد تذهب سدى أو تتراكم في جيوب فئة محدودة، بينما يعاني الغالبية من الفقر والتهميش.
أم سالم، وهي معلمة متقاعدة، تضيف بحسرة: “كنا نعتقد أن مرحلة ما بعد التغيير ستجلب لنا العدل والإنصاف، ولكن يبدو أن وجوهًا جديدة حلت محل القديمة بينما استمرت نفس الممارسات، الفساد آفة يجب اقتلاعها”.
تحت مجهر المساءلة: 81 مليون دينار واستمرارية غير مبررة
في سياق متصل، أثار الإعلامي محمد القرج، عبر منصاته على مواقع التواصل، قضية ذات أبعاد سياسية وإدارية وقانونية.
واستنادًا إلى ما نقله، فإن بيانات مستقاة من مصرف ليبيا المركزي تشير إلى صرف مبالغ ضخمة تتجاوز 81 مليون دينار على ما يعرف بـ “السياسات العامة” خلال سبع سنوات.
الأمر الذي أثار التساؤلات ليس حجم الأموال فقط، بل السياق الذي أنفقت فيه والاستمرارية غير العادية لشخصيتين محوريتين في هذا الملف، وهما نوري العبار ومحمد الضراط، عبر حكومات متعاقبة ومتناحرة.
حيث يشير التحليل المطروح إلى أن هذين الشخصين ظلا في مواقع مؤثرة في صنع السياسات خلال فترة شهدت تغيرات جذرية في هياكل الحكم، من حكومة فايز السراج إلى حكومة الوحدة المنتيهة الولاية، ومرورًا بتغيرات في هيئة الرئاسة والمجالس الوزارية.
المفارقة السياسية: دوام الأسماء رغم تقلبات المشهد
تشكل ظاهرة استمرار شخصيات في مراكز حساسة رغم التغيرات السياسية الكبرى إشكالية حقيقية في بناء الدولة. فمن الناحية النظرية، يفترض أن يأتي كل تغيير سياسي أو حكومي بفريق جديد وبرنامج مختلف.
ولكن ما حدث، وفقًا للرواية المطروحة، هو بقاء “عقل الدولة” أو “صانع السياسات” كما هو، مما يضعف فكرة التداول السلمي للسلطة ويخلق حالة من “السلطة الموازية” أو “دولة داخل الدولة”.
هذا الاستمرار يطرح تساؤلات قانونية حول طبيعة هذه المناصب وآلية شغلها والإطار الذي يحكم عملها. هل هي مناصب سياسية أم فنية؟ وما هو الأساس القانوني الذي يمنحها هذه الدرجة من الثبات والاستقرار في بيئة متقلبة؟ وكيف يمكن محاسبتها في حال ثبوت تقصير أو إخفاق؟
الفساد والمحسوبية: ثقافة تستنزف موارد الأمة
ترتبط قضية الصرف دون نتائج ملموسة بشكل وثيق بظاهرتي الفساد والمحسوبية، واللتين تعاني منهما العديد من المجتمعات في مراحل الانتقال.
الفساد ليس مجرد اختلاس للأموال، بل هو أيضًا تحويل المال العام لخدمة مصالح فئة قليلة، أو صرف الأموال على مشاريع وهمية أو غير مجدية.
المحسوبية، من جهة أخرى، تعني تفضيل الأقارب والأصدقاء والمعارف في التوظيف أو منح العقود، بغض النظر عن الكفاءة.
مزيج هذه العوامل يؤدي إلى إهدار الطاقات والموارد، ويقوض ثقة المواطن بمؤسسات الدولة، ويغذي شعورًا عميقًا بالمظلومية والغبن الاجتماعي.
مطالب الشارع: نحو حوكمة رشيدة وشفافية كاملة
وسط هذه الأجواء، تتصاعد المطالبات الشعبية من مختلف المدن الليبية بمحاربة الفساد بجدية، وإقرار مبادئ الشفافية في إدارة المال العام، ومحاسبة المقصرين.
المنظمات المدنية والناشطون يطالبون بتطبيق قوانين الحوكمة، وإتاحة الوصول إلى المعلومات، وضرورة أن تعلن كل جهة حكومية عن ميزانياتها وإنفاقها ونتائج أعمالها بشكل دوري وواضح.
كما تؤكد هذه المطالب على ضرورة فصل السلطات واستقلال القضاء، ليكون قادرًا على محاكمة أي شخص مهما علت منزلته إذا ما تورط في قضايا فساد، فبدون محاسبة حقيقية، تبقى الإصلاحات حبرًا على ورق.
الطريق إلى الأمام: تحديات بناء مؤسسات الدولة
التحدي الأكبر الذي يواجه ليبيا اليوم هو بناء مؤسسات دولة قوية قادرة على أداء وظائفها بشكل فعال ونزيه، هذا يتطلب إرادة سياسية حقيقية، وإصلاحًا إداريًا شاملاً، ومراجعة دقيقة للقوانين واللوائح التي تحكم العمل العام.
كما أن تعزيز دور المجتمع المدني والإعلام الحر أمر بالغ الأهمية للرقابة على أداء الحكومة وكشف الانحرافات. المواطنون، بدورهم، مطالبون بالمشاركة الفاعلة في الحياة العامة وعدم التخلي عن حقهم في مساءلة من يتولون شؤونهم.
خلاصة لا بد منها
القضية المطروحة ليست مجرد أرقام وحسابات، بل هي قضية تتعلق بمستقبل ليبيا وإرادة شعبها في العيش بكرامة وعدالة. الثروات الوطنية هي ملك للجميع، ويجب أن تدار بحكمة وشفافية لتحقيق التنمية المنشودة وبناء غد أفضل للأجيال القادمة.
السؤال الذي ينتظر الإجابة: هل ستتمكن ليبيا من تجاوز هذه المرحلة الصعبة وتحقيق طموحات شعبها في دولة القانون والمؤسسات؟ الوقت كفيل بالإجابة.



