عربى

مصر ترفع رسوم التأشيرة وسط جدل حول تأثيرها السياحي

زيادة تأشيرة مصر تثير انقساماً بالقطاع وتطمينات رسمية للأسواق

ليبيا 24:

مصر ترفع رسوم التأشيرة: حسابات الإيرادات ومخاوف التنافسية السياحية

أثار قرار الحكومة المصرية رفع رسوم تأشيرة الدخول للأجانب إلى 45 دولاراً ردود فعل متباينة داخل الأوساط السياحية والاقتصادية، بين مخاوف من تراجع القدرة التنافسية لمصر كوجهة سياحية، وتوقعات رسمية ومهنية بأن الزيادة ستُسهم في تعزيز الإيرادات دون الإضرار بحجم الطلب على المقصد المصري، في ظل ما يشهده القطاع من تعافٍ قوي خلال العامين الماضيين.

يأتي القرار في سياق تعديل تشريعي مرتبط بفرض رسوم لصالح مباني وزارة الخارجية، وهو ما يعكس توجهاً حكومياً لإعادة هيكلة بعض الرسوم السيادية لزيادة الموارد العامة، في وقت تسعى فيه الدولة إلى تعظيم عوائد القطاعات الحيوية وفي مقدمتها السياحة، التي تمثل أحد أهم مصادر النقد الأجنبي والوظائف.

نمو ملحوظ في أعداد السائحين يدعم القرار

سجلت مصر معدلات نمو قوية في حركة السياحة الوافدة، حيث ارتفعت أعداد الزائرين بنحو 25% خلال النصف الأول من العام الجاري، وفق بيانات رسمية.

كما استقبلت البلاد 15.8 مليون سائح خلال عام 2024، بزيادة بلغت 6% على أساس سنوي، متجاوزة مستويات ما قبل جائحة كورونا بأكثر من 20%.

هذا الأداء الإيجابي منح الحكومة هامشاً أوسع لاتخاذ قرارات تتعلق بإعادة تسعير بعض الخدمات المرتبطة بالقطاع، انطلاقاً من أن الطلب على المقصد المصري لا يزال قوياً، مدعوماً بتنوع المنتج السياحي بين السياحة الشاطئية، والثقافية، والدينية، وسياحة المؤتمرات.

مخاوف من فقدان الميزة التنافسية

في المقابل، عبّرت جهات تمثل القطاع السياحي عن قلقها من أن تؤدي الزيادة إلى إضعاف القدرة التنافسية لمصر مقارنة بدول إقليمية تقدم تسهيلات أوسع أو تعفي بعض الجنسيات من رسوم التأشيرة ويرى ممثلو هذه الجهات أن رفع التكلفة قد يؤثر على قرارات السفر، خصوصاً في الأسواق الحساسة للسعر.

ويستند هذا القلق إلى أن المنافسة الإقليمية في مجال السياحة باتت أكثر حدة، مع اتجاه عدد من الدول لتسهيل إجراءات الدخول عبر الإعفاءات أو التأشيرات عند الوصول برسوم مخفضة، أو حتى الدخول بدون تأشيرة في بعض الحالات.

وجهة نظر مغايرة: الزيادة محدودة التأثير

في المقابل، يرى خبراء ومسؤولون أن الزيادة في قيمة التأشيرة لا تمثل عبئاً حقيقياً على السائح، مقارنة بإجمالي تكلفة الرحلة. فمتوسط إنفاق السائح يشمل تذاكر الطيران، والإقامة، والتنقلات، والأنشطة الترفيهية، ما يجعل فارق 20 دولاراً قيمة هامشية لا تؤثر في القرار النهائي للسفر.

ويؤكد هذا الاتجاه أن القرار سيسهم في زيادة العوائد المباشرة للدولة من قطاع السياحة، وهو ما يمكن استثماره لاحقاً في تحسين البنية التحتية السياحية، ورفع جودة الخدمات المقدمة، بما يعزز من تجربة الزائر ويزيد من معدلات تكرار الزيارة.

المتحف المصري الكبير يعزز الطلب على المقصد المصري

يتزامن القرار مع تصاعد الاهتمام الدولي بالمقاصد المصرية، خاصة بعد افتتاح المتحف المصري الكبير الذي أصبح أحد أبرز المشروعات الثقافية والسياحية في المنطقة.

ويُنظر إلى هذا الحدث كعامل جذب رئيسي، يعزز من مكانة مصر على خريطة السياحة العالمية، ويخفف من تأثير أي زيادات طفيفة في الرسوم.

ويرى محللون أن الزخم المصاحب للمشروعات السياحية الكبرى يمنح القطاع مرونة أكبر في استيعاب التعديلات السعرية، كما أن الطلب على المقاصد الأثرية والتاريخية يتمتع بدرجة أعلى من الاستقرار مقارنة بأنماط سياحية أخرى أكثر حساسية للأسعار.

السياحة الروسية… اختبار مهم لمرونة القرار

تُعد السوق الروسية واحدة من أكبر أسواق السياحة الوافدة إلى مصر، ما يجعل رد فعلها على قرار زيادة الرسوم مؤشراً مهماً على قوة أو ضعف القرار.

وتشير تقديرات منظمين سياحيين إلى أن مصر ستظل الوجهة الشاطئية الأكثر اقتصاداً بالنسبة للسائح الروسي خلال موسم الشتاء، رغم الزيادة الأخيرة.

ومع ذلك، فإن بعض الخبراء لا يستبعدون حدوث تباطؤ طفيف في وتيرة عودة التدفقات السياحية الروسية إلى مستوياتها السابقة، خاصة في ظل توجه بعض الدول المنافسة لتقديم حوافز إضافية لاستقطاب السياح من أوروبا الشرقية.

بين التشريع والتنفيذ… مساحة للمراجعة

من الناحية القانونية والإجرائية، يظل تنفيذ الزيادة عملياً مرتبطاً بصدور قرار تنفيذي من الحكومة، إلى جانب التنسيق مع شركات السياحة لضمان عدم التأثير على البرامج التي تم التعاقد عليها مسبقاً وتُظهر هذه النقطة أن هناك مساحة للمراجعة والتدرج في التطبيق، بما يوازن بين مصلحة الدولة والقطاع الخاص.

ويؤكد مراقبون أن هذا التوازن سيكون حاسماً في تحديد الأثر الفعلي للقرار خلال الموسم السياحي المقبل، خصوصاً مع دخول فصل الشتاء الذي يمثل ذروة النشاط السياحي في مصر.

تقييم اقتصادي شامل للقرار

اقتصادياً، يُنظر إلى القرار كجزء من سياسة أوسع تهدف إلى ترشيد الدعم غير المباشر، وتعظيم الموارد السيادية، دون إلحاق ضرر بالقطاعات الإنتاجية.

ويُتوقع أن تحقق الزيادة إيرادات إضافية، مع بقاء معدلات النمو في السياحة عند مستويات مستقرة، خاصة في حال استمرار الحملات الترويجية وتحسين جودة الخدمات.

وفي المحصلة، تبدو زيادة رسوم التأشيرة خطوة محسوبة بين الحاجة إلى تعزيز الإيرادات العامة، والحفاظ على جاذبية مصر كوجهة سياحية عالمية، في معادلة ستختبرها أرقام الموسم السياحي المقبل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى