ليبيا

نيوكاسل يضرب الدواجن في ليبيا ويكشف أزمة لقاحات حادة

نفوق واسع للدواجن في ليبيا وتحذيرات صحية واقتصادية عاجلة

تشهد مناطق عدة في ليبيا موجة جديدة من مرض نيوكاسل الذي يصيب الطيور الداجنة، في تطور يسلّط الضوء على هشاشة منظومة الوقاية البيطرية وتداعياتها الصحية والاقتصادية والمجتمعية. ومع تزايد البلاغات الواردة من مدن الساحل والجبل الأخضر، تتنامى المخاوف من اتساع دائرة الخسائر، لا سيما في ظل نقص حاد في اللقاحات والمواد التشغيلية اللازمة للتشخيص والاستجابة السريعة.

يرتبط ظهور الحالات الأخيرة بسياق وبائي أوسع يشهده حوض البحر المتوسط، حيث تتداول أمراض تصيب الحيوانات الداجنة وتنتقل عبر التجارة وحركة الطيور. ويُعد نيوكاسل مرضًا فيروسيًا معروفًا في ليبيا، لكنه يتخذ أشكالًا أشد خطورة عندما تتراجع برامج التحصين المنتظمة وتتعثر إجراءات المراقبة الحيوية داخل المزارع.

خريطة الانتشار الجغرافي

بدأت الإشارات الأولى للاشتباه خلال الأسابيع الأولى من ديسمبر، قبل أن تتوالى البلاغات من بنغازي والمرج والبيضاء، وتمتد لاحقًا إلى شحات ودرنة. هذا التدرج الجغرافي يعكس نمط انتشار داخل أحزمة إنتاجية مترابطة، حيث تُعد حركة الأعلاف والطيور والعاملين عاملًا حاسمًا في تسريع انتقال العدوى.

تعتمد المختبرات البيطرية على مواد تشغيلية تُحضَّر وفق دفعات محددة السعة، ما يفرض تحديًا حين يتجاوز عدد العينات الواردة الطاقة الاستيعابية المعتادة. ورغم ذلك، أظهرت نتائج الفحص تسجيل نسبة موجبة تؤكد وجود الفيروس، الأمر الذي يستدعي توسيع قدرات الاختبار وتسريع إجراءات العزل الوبائي.

طبيعة المرض ومخاطره الصحية

نيوكاسل مرض فيروسي شديد العدوى بين الطيور، ينتشر بسرعة داخل الحظائر المغلقة ويؤدي إلى نفوق مرتفع، وتراجع النمو، وانخفاض إنتاج البيض. وبالرغم من أن تأثيره على الإنسان محدود، إلا أنه قد يُسبب التهابات عابرة في العين لدى العاملين المخالطين، ما يستوجب الالتزام بوسائل الوقاية الشخصية داخل المزارع.

فجوة اللقاحات وتأثيرها

يمثل التحصين المنتظم خط الدفاع الأول ضد نيوكاسل، غير أن نقص اللقاحات خلال الفترة الأخيرة أضعف هذا الخط، وترك آلاف الحظائر دون وقاية كافية. وتكشف هذه الفجوة عن اختلالات في سلاسل التوريد والتمويل، وتُبرز الحاجة إلى خطط طوارئ تضمن استدامة الإمداد البيطري.

الخسائر المباشرة على المربين

تكبّد مربو الدواجن خسائر كبيرة نتيجة النفوق الواسع، شملت فقدان القطيع وتكاليف التعقيم وإيقاف الإنتاج. وتُعد هذه الخسائر أكثر وطأة على المربين الصغار الذين يعتمدون على دورة إنتاج قصيرة لتأمين السيولة، ما يهدد استمرارية نشاطهم.

لا تقف التداعيات عند حدود المزارع، إذ ينعكس تراجع المعروض المحلي على أسعار الدواجن في الأسواق، ويزيد الضغط على القدرة الشرائية للأسر. كما يدفع ذلك إلى توسيع فاتورة الاستيراد من اللحوم البيضاء، بما يفاقم العجز التجاري ويستنزف النقد الأجنبي.

مع تقلص الإنتاج المحلي، تشهد الأسواق تقلبات سعرية وتفاوتًا في الجودة، فيما يتجه بعض المستهلكين إلى بدائل أقل تكلفة. ويضع هذا الواقع الجهات الرقابية أمام مسؤولية مضاعفة لضمان سلامة المعروض، ومنع تسرب منتجات غير مطابقة للمعايير الصحية.

يوفر الاستيراد حلًا مؤقتًا لسد الفجوة، لكنه يطرح تحديات تتعلق بالرقابة الصحية وسلاسل التبريد والتكلفة النهائية. كما أن الاعتماد المفرط عليه يحدّ من تحفيز الاستثمار المحلي في قطاع الدواجن، ويجعل السوق عرضة لصدمات خارجية.

إجراءات الاحتواء والاستجابة

في مواجهة التفشي، صدرت تعليمات بفرض حجر صحي على المناطق المتأثرة، ومنع تنقل الطيور بين البلديات، وتشديد الرقابة على المرايش. وتُعد هذه الإجراءات أساسية لكسر سلاسل الانتقال، لكنها تتطلب التزامًا صارمًا وتعاونًا من المربين والتجار.

تواجه فرق الاستجابة صعوبات لوجستية، من نقص الوقود والمستلزمات، إلى محدودية الكوادر في بعض المناطق. كما أن ضعف الالتزام بالإجراءات الوقائية داخل بعض الحظائر يحدّ من فعالية التدخلات الرسمية.

يلعب الوعي دورًا محوريًا في الحد من انتشار المرض. فالتزام العاملين بقواعد النظافة، واستخدام معدات الحماية، والإبلاغ المبكر عن الاشتباه، عوامل تقلص الخسائر وتسرّع السيطرة. وتبرز الحاجة إلى حملات إرشاد موجهة للمربين الصغار بلغات مبسطة وإرشادات عملية.

تتطلب المرحلة المقبلة خطة شاملة تعيد بناء منظومة التحصين، وتعزز المخزون الاستراتيجي من اللقاحات، وتوسع قدرات المختبرات، وتربط ذلك بنظام إنذار مبكر. كما يستدعي الأمر شراكات مع القطاع الخاص لتوطين جزء من صناعة اللقاحات وتحسين إدارة المخاطر.

يكشف تفشي نيوكاسل في ليبيا عن تداخل معقد بين الصحة الحيوانية والاقتصاد والأمن الغذائي. وبينما تظل إجراءات الحجر والرقابة ضرورية على المدى القصير، فإن الحل المستدام يمر عبر استثمار منظم في الوقاية، ودعم المربين، وتعزيز الحوكمة الصحية لحماية الثروة الداجنة واستقرار السوق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى