وفاة محمد الحداد في تحطم طائرة تفتح أسئلة السياسة والأمن
حادث يتجاوز كونه فاجعة عابرة
لم يكن الإعلان عن مصرع الفريق أول ركن محمد علي أحمد الحداد، مجرد خبر جنائزي عابر في نشرة إخبارية، بل تحوّل سريعاً إلى حدث سياسي وعسكري من العيار الثقيل، أعاد خلط أوراق المشهد الليبي المعقّد، وفتح الباب واسعاً أمام تساؤلات تتجاوز أسباب سقوط الطائرة إلى تداعيات غياب أحد أبرز مهندسي التوازنات العسكرية في غرب البلاد.
الطائرة الخاصة التي كانت تقل الحداد ووفداً رفيع المستوى في طريق عودتهم من تركيا تحطمت في محيط مطار إيسينبوغا بالعاصمة أنقرة، وفق ما أعلنته السلطات التركية، لتسدل الستار على مسيرة عسكرية مثيرة للجدل، لكنها في الوقت ذاته شديدة التأثير في مسار الصراع الليبي منذ 2011 وحتى اليوم.
تفاصيل الحادث: رواية رسمية وأسئلة مفتوحة
بحسب وزارة الداخلية التركية، عُثر على حطام الطائرة على بُعد نحو كيلومترين جنوبي قرية كَسِكّكافاك التابعة لقضاء هيمانا، مؤكدة أن جميع من كانوا على متنها لقوا مصرعهم. الطائرة من طراز “فالكون 50” فرنسية الصنع، وتعود ملكيتها إلى شركة مسجلة في مالطا، وكانت تقل وفداً عسكرياً ليبياً رفيع المستوى.
في المقابل، أعلن وزير العدل التركي فتح تحقيق رسمي عبر النيابة العامة في أنقرة للوقوف على ملابسات الحادث، في وقت سارعت فيه أطراف ليبية إلى التشكيك في فرضية “الخلل الفني”، خاصة بعد تسريبات تتحدث عن خضوع الطائرة لفحص تقني قبل الإقلاع، وحدوث العطل بعد نحو ربع ساعة فقط من مغادرتها المطار.
من هو محمد علي الحداد؟
يُعد الفريق أول ركن محمد علي أحمد الحداد أحد أبرز القادة العسكريين في غرب ليبيا خلال العقد الأخير. ينحدر من مدينة مصراتة.
تولى الحداد منصب رئيس الأركان العامة للقوات التابعة لحكومة عبد الحميد الدبيبة منتهية الولاية، منذ عام 2021، في مرحلة اتسمت بمحاولات إعادة ترتيب البيت العسكري في الغرب الليبي، واحتواء الفوضى التي خلّفتها سنوات من الصراع بين التشكيلات المسلحة.
برز اسمه كأحد الوجوه الأساسية في اللجنة العسكرية المشتركة (5+5)، التي تشكلت بموجب اتفاق وقف إطلاق النار الموقع في أكتوبر 2020، وهدفت إلى توحيد المؤسسة العسكرية وتهيئة الأرضية لمرحلة سياسية جديدة.
الحداد ودوره في اللجنة العسكرية المشتركة (5+5)
لم يكن وجود الحداد في لجنة (5+5) شكلياً، بل كان فاعلاً ومؤثراً. شارك في معظم اجتماعات اللجنة التي جمعت ضباطاً من شرق ليبيا وغربها، في مسار وُصف حينها بأنه “الأكثر جدية” منذ سنوات لإنهاء الانقسام العسكري.
عرف عنه التزامه العلني باتفاق وقف إطلاق النار، ودفاعه المتكرر عن ضرورة إبعاد المؤسسة العسكرية عن التجاذبات السياسية، رغم الانتقادات التي وُجهت إليه من خصومه الذين رأوا أنه ظل محسوباً سياسياً على معسكر حكومة الدبيبة.
إعادة هيكلة القوات ودمج التشكيلات المسلحة
من أبرز الملفات التي ارتبط اسم محمد الحداد بها، ملف دمج المليشيات المسلحة ضمن إطار عسكري رسمي. وهو ملف شائك لطالما اعتُبر أحد أكبر التحديات أمام أي مشروع لبناء جيش وطني موحد في ليبيا.
قاد الحداد، وفق مقربين منه، جهوداً لإعادة تنظيم القوات في المنطقة الغربية، ووضع هياكل قيادية أكثر انضباطاً، إلا أن هذه الجهود اصطدمت بواقع معقد، حيث تتمتع التشكيلات المسلحة بنفوذ اقتصادي وأمني كبير، ما جعل مسار الدمج بطيئاً ومليئاً بالعقبات.
العلاقات الإقليمية: تركيا في الصدارة
لعبت العلاقات مع تركيا دوراً محورياً في مسيرة الحداد العسكرية. فقد وصفته تقارير إعلامية بأنه أحد أبرز مهندسي التنسيق العسكري بين طرابلس وأنقرة.
في أغسطس 2021، أثارت زيارته لإحدى الفرقاطات التركية قبالة السواحل الليبية جدلاً واسعاً، حيث اعتبرها خصومه دليلاً على “الارتهان العسكري” لتركيا، بينما رآها أنصاره جزءاً من شراكة استراتيجية معلنة.
آخر محطاته في هذا المسار كانت أنقرة، حيث التقى وزير الدفاع التركي الحالي يشار غولر، ورئيس الأركان سلجوق بيرقدار أوغلو، في اجتماعات تناولت التعاون العسكري بين الجانبين، قبل أن تنتهي الرحلة بالفاجعة.
إيطاليا والولايات المتحدة: تنويع الشراكات
لم تقتصر تحركات الحداد على تركيا. ففي عام 2023، وقّع اتفاقاً عسكرياً في روما لتدريب القوات الخاصة الليبية وتعزيز التعاون الأمني في منطقة المتوسط.
كما أجرى لقاءات مع مسؤولين عسكريين أميركيين في إطار التعاون الأمني، في محاولة لإظهار أن غرب ليبيا منفتح على شراكات متعددة، وليس محصوراً في محور إقليمي واحد.
القاهرة وروما: محطات التلاقي مع الشرق
في يونيو 2022، شارك الحداد في اجتماع بالقاهرة مع عبد الرازق الناظوري، رئيس أركان الجيش الليبي آنذاك، ضمن مسار لجنة (5+5).
وفي مارس 2023، جمع لقاء في روما الحداد والناظوري مع قائد القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا (أفريكوم) الجنرال مايكل لانغلي، حيث أكد المجتمعون المضي قدماً في مشروع توحيد الجيش وتشكيل قوة مشتركة لحماية الحدود.
نعي واسع ورسائل سياسية
جاءت بيانات النعي من مختلف الأطراف الليبية لتعكس حجم تأثير الرجل. فقد نعى المشير خليفة حفتر الحداد، واصفاً إياه بأنه “أحد رجالات القوات المسلحة الذين أدوا واجبهم بكل تفانٍ”، في رسالة لافتة نظراً للخلافات السياسية والعسكرية العميقة بين المعسكرين.
كما قدّم الفريق أول صدام حفتر، نائب القائد العام، تعازيه، مؤكداً أن المؤسسة العسكرية فقدت قيادات أدت واجبها بإخلاص.
من جهته، أعلن رئيس مجلس النواب المستشار عقيلة صالح تعازيه، فيما نعت الحكومة الليبية برئاسة الدكتور أسامة حماد الضحايا.
موقف حكومة الدبيبة: خسارة وطنية
عبد الحميد الدبيبة، رئيس الحكومة منتهية الولاية، وصف الحادث بأنه “مصاب جلل وخسارة كبيرة للوطن والمؤسسة العسكرية”، مشيداً بما اعتبره إخلاص الحداد ورفاقه في أداء مهامهم.
وشمل النعي أيضاً أسماء بارزة في الوفد المرافق، من بينهم رئيس أركان القوات البرية الفريق ركن الفيتوري غريبيل، ومدير جهاز التصنيع العسكري العميد محمود القطيوي.
الشكوك والاتهامات: خلل فني أم عمل مدبر؟
رغم الرواية الرسمية، تصاعدت أصوات تشكك في أسباب الحادث. فقد دعا رئيس المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان أحمد حمزة إلى تحقيق دولي مستقل، مشيراً إلى أن عدم اكتشاف العطل قبل الإقلاع يثير الريبة.
كما ذهب نقيب الصحفيين في طرابلس منصور الأحرش إلى أبعد من ذلك، واصفاً الحادث بأنه “اغتيال مدبر”، في اتهام مباشر يعكس حجم التوتر وانعدام الثقة بين الأطراف.
تداعيات الغياب: فراغ في القيادة
إعلان المجلس الرئاسي تكليف معاون رئيس الأركان صلاح النمروش بتولي المنصب مؤقتاً، يسلط الضوء على حساسية المرحلة المقبلة. فغياب الحداد يطرح تساؤلات حول مستقبل مسار توحيد المؤسسة العسكرية، وقدرة القيادة الجديدة على الحفاظ على التوازنات الهشة التي تشكلت خلال السنوات الماضية.
قراءة في المشهد الليبي بعد الحداد
يرى مراقبون أن وفاة محمد الحداد تمثل نقطة تحوّل محتملة في المشهد العسكري الليبي، خاصة في الغرب، حيث كان يمثل حلقة وصل بين التشكيلات المسلحة، والسلطة السياسية، والشركاء الإقليميين والدوليين.
كما أن توقيت الحادث، في ظل تصاعد الخلافات السياسية وتعثر المسار الانتخابي، يضيف بعداً أكثر تعقيداً، ويجعل من التحقيق في ملابساته قضية تتجاوز البعد الجنائي إلى حسابات السياسة الإقليمية والدولية.
فاجعة بأسئلة مفتوحة
بين الروايات الرسمية والاتهامات المتبادلة، يبقى سقوط طائرة محمد الحداد حدثاً مفصلياً في تاريخ ليبيا الحديث. فالرجل الذي لعب دوراً محورياً في محاولة إعادة بناء المؤسسة العسكرية، رحل في حادث يكتنفه الغموض، تاركاً خلفه فراغاً ثقيلاً وأسئلة لن تهدأ إلا بكشف كامل وشفاف للحقائق.



