ليبيا

ليبيا.. أسباب تفاقم مرض النيوكاسل وسبل الوقاية

تفاقم النيوكاسل خلل تراكمي وليس قدرا محتوما

يخيم مرض النيوكاسل كظلٍّ وبائي ثقيل على قطاع الدواجن في ليبيا، أحد أهم أعمدة الأمن الغذائي الوطني، إذ لم يعد مجرد مرض فيروسي يصيب الطيور، بل تحوّل إلى أزمة مركبة ذات أبعاد اقتصادية وصحية وإنتاجية.

ومع تكرار موجات التفشي، خاصة خلال فصل الشتاء، تتفاقم الخسائر وتزداد هشاشة هذا القطاع الحيوي في ظل بيئة إنتاج تعاني أصلًا من تحديات هيكلية مزمنة.

ضعف منظومة الأمن الحيوي

تعود أسباب تفاقم مرض النيوكاسل في ليبيا إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، في مقدمتها ضعف منظومة الأمن الحيوي داخل العديد من مزارع الدواجن.. فغياب الضوابط الصارمة لحركة العمال والمعدات، وسهولة انتقال الطيور بين المزارع دون رقابة، إضافة إلى اختلاط الدواجن التجارية بالطيور الريفية والبرية، يخلق بيئة مثالية لانتشار الفيروس بسرعة تفوق القدرة على احتوائه..وتزداد خطورة الوضع في ظل الطبيعة شديدة الضراوة لبعض السلالات المنتشرة، والتي قد تقضي على القطيع بالكامل خلال أيام قليلة.

الاعتماد على نظم التربية المفتوحة

ولا يقل الاعتماد الواسع على نظام التربية المفتوح خطورة، إذ يصعب في هذا النمط التحكم في العوامل البيئية الأساسية، مثل درجات الحرارة والرطوبة والتهوية. وخلال فصل الشتاء، تتعرض الطيور لإجهاد شديد نتيجة البرودة والتيارات الهوائية، ما يؤدي إلى تراجع مناعتها وفتح الباب أمام الإصابة بالنيوكاسل وغيره من الأمراض التنفسية. كما أن ارتفاع الرطوبة داخل العنابر يُسهم في تدهور الفرشة ونمو الفطريات في الأعلاف، وما يصاحب ذلك من سموم فطرية تُضعف الجهاز المناعي وتزيد حدة الإصابة.

قصور برامج التحصين

وتتفاقم الأزمة كذلك بسبب القصور في برامج التحصين، سواء نتيجة عدم الانتظام في تنفيذها، أو استخدام لقاحات لا تتناسب مع السلالات المحلية المتحورة، أو بسبب سوء التخزين والنقل الذي يفقد اللقاح فعاليته، ويأتي ذلك في وقت يخوض فيه الفيروس سباقًا دائمًا مع برامج الوقاية، عبر قدرته المستمرة على التحور وظهور سلالات تتجاوز المناعة المكتسبة، ما يجعل أي تراخٍ في التحصين مكلفًا على نحو بالغ.

كما يُسهم غياب التشخيص المبكر والمتابعة البيطرية المنتظمة في تعقيد المشهد، حيث تُخلط أعراض النيوكاسل بأمراض تنفسية أخرى، ويتأخر التدخل السليم، فتتوسع دائرة العدوى داخل القطيع، ويزيد من خطورة ذلك الاعتماد العشوائي على المضادات الحيوية لمواجهة الإصابات الثانوية، الأمر الذي أدى إلى ظهور سلالات بكتيرية مقاومة، فبات العلاج أكثر صعوبة وتكلفة، بينما تتراجع فرص التعافي.

المتابعة البيطرية والتشخيص السريع

وفي مواجهة هذا الواقع، تبرز الوقاية باعتبارها الخيار الوحيد القادر على كسر دائرة الخسائر المتكررة، فالسيطرة على مرض النيوكاسل في ليبيا تبدأ بتعزيز منظومة الأمن الحيوي بوصفها خط الدفاع الأول، من خلال تشديد إجراءات الدخول والخروج، وتطبيق برامج تطهير صارمة، ومنع اختلاط الطيور البرية والريفية بالقطعان التجارية.
ويتطلب الأمر كذلك إعادة النظر في أنماط التربية السائدة، والعمل على تحسين بيئة العنابر، عبر العزل الجيد، والتحكم في الرطوبة، وتوفير التهوية والتدفئة المتوازنة التي تحمي الطيور من الإجهاد دون الإخلال بصحتها التنفسية.

ولا يمكن الحديث عن الوقاية دون التأكيد على أهمية برامج التحصين المنتظمة والمُحدَّثة، التي تبدأ من عمر يوم، وتُبنى على أساس علمي يراعي طبيعة السلالات المنتشرة محليًا، مع الالتزام الصارم بسلسلة التبريد لضمان فاعلية اللقاحات، ويوازي ذلك ضرورة تحسين جودة الأعلاف ومراقبتها، ودعم الطيور بالمكملات ومحفزات المناعة في فترات الإجهاد، إلى جانب ترشيد استخدام المضادات الحيوية وفق تشخيص دقيق.

وفي المحصلة، فإن تفاقم مرض النيوكاسل في ليبيا ليس قدرًا محتومًا، بل نتيجة خلل تراكمي في الإدارة والوقاية والبيئة الإنتاجية، والتعامل معه يتطلب رؤية شاملة تتجاوز الحلول الجزئية، نحو استراتيجية وطنية متكاملة تُعيد التوازن لقطاع الدواجن، وتحميه من الانهيار، وتضمن استمراره كمصدر أساسي للأمن الغذائي والاستقرار الاقتصادي في البلاد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى