عرقلة الدبيبة وتكالة تدفع ليبيا نحو انسداد سياسي شامل
عقيلة صالح: مسار الحكومة الموحدة انتهى والانتخابات البديل الوحيد
ليبيا 24
ليبيا بين انسداد المسارات وتصاعد الغضب الشعبي
الدبيبة وتكالة في قلب الاتهام بإفشال الحلول وتعطيل الانتخابات
تشهد الأزمة الليبية مرحلة غير مسبوقة من الانسداد السياسي، وسط تصاعد الاتهامات الموجهة إلى عبد الحميد الدبيبة رئيس الحكومة منتهية الولاية ورئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة بلعب دور معرقل وممنهج لإجهاض أي مسار جاد يقود إلى إنهاء المراحل الانتقالية وإجراء الانتخابات. وفي هذا السياق، جاءت تصريحات رئيس مجلس النواب المستشار عقيلة صالح لتضع النقاط على الحروف، كاشفة عن قناعة راسخة داخل المؤسسة التشريعية بأن مسار تشكيل حكومة موحدة بات مستحيلًا في ظل الواقع السياسي الحالي، وأن البديل العملي يتمثل في الذهاب مباشرة إلى الانتخابات عبر آلية استثنائية ومحددة الصلاحيات.
استحالة الحكومة الموحدة: قراءة في المأزق السياسي
أكد المستشار عقيلة صالح، في مقابلة تلفزيونية تُعرض لاحقًا، أن الرهان على تشكيل حكومة موحدة لم يعد واقعيًا، في ظل تمسك الأطراف المتنفذة بمواقعها، وغياب أي استعداد حقيقي للتنازل. واعتبر أن الإصرار على ربط إجراء الانتخابات بوجود حكومة واحدة ليس سوى ذريعة لإدامة الوضع القائم، خاصة مع “الوجوه الموجودة الآن” التي استفادت من استمرار الانقسام.
هذا الطرح يعكس تحوّلًا مهمًا في مقاربة مجلس النواب للأزمة، إذ لم يعد ينظر إلى الحكومة كمدخل للحل، بل كعقدة أساسية من عقد التعطيل، خصوصًا في ظل تجربة طويلة من الحكومات المؤقتة التي تحولت إلى كيانات دائمة، تستنزف الموارد وتُعمّق الانقسام.
لجنة الانتخابات: مقترح لكسر الحلقة المفرغة
في مواجهة هذا الانسداد، طرح عقيلة صالح مقترح تشكيل لجنة متخصصة تتولى حصريًا تنفيذ العملية الانتخابية، دون أن تحل محل الحكومة أو تمارس أي دور سياسي أو تنفيذي خارج هذا الإطار. ويقوم هذا المقترح على توزيع واضح للمهام بين مؤسسات سيادية قائمة، بما يضمن الحد الأدنى من التوافق والفاعلية.
ووفق التصور المعلن، يتولى رئيس مجلس القضاء الأعلى الإشراف القضائي عبر تكليف رجال القضاء بضمان نزاهة العملية الانتخابية، فيما يتكفل محافظ مصرف ليبيا المركزي بتوفير الميزانية المقررة وصرفها مباشرة دون المرور عبر الحكومات المتنازعة. أما الجانب الأمني، فيُسند إلى وكيلي وزارة الداخلية في الشرق والغرب، مدعومين بعضوين من لجنة خمسة زائد خمسة، لضمان التنسيق الأمني ومنع أي توظيف مسلح للعملية الانتخابية.
كما تضم اللجنة رئيس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، بما يضمن استمرارية العمل الإداري والفني، والاستفادة من الخبرة التراكمية التي اكتسبتها المفوضية خلال السنوات الماضية، لا سيما في إدارة الانتخابات البلدية.
تجاوز الحكومات: تسريع الانتخابات أم تحجيم النفوذ؟
يرى مراقبون أن مقترح اللجنة لا يستهدف فقط تسريع الوصول إلى الانتخابات، بل يسعى أيضًا إلى تحجيم نفوذ الحكومات المتصارعة، وفي مقدمتها حكومة الدبيبة، التي يُنظر إليها على نطاق واسع باعتبارها المستفيد الأكبر من إطالة أمد المرحلة الانتقالية. فالحكومة، التي سحب مجلس النواب الثقة منها، لا تزال تمارس سلطاتها بدعم واقع الأمر، مستندة إلى شبكة علاقات سياسية وإدارية مكّنتها من التأثير في مؤسسات يفترض أن تكون مستقلة.
بوزنيقة مجددًا: اتفاق معطل وإرادة غائبة
في سياق متصل، أعاد عقيلة صالح التذكير باتفاق بوزنيقة، الذي تم التوصل إليه بعد مشاورات مطولة بين مجلسي النواب والدولة، وبحضور وتوافق واسع على توزيع المناصب السيادية بين الأقاليم الثلاثة. ورغم ما وصفه بـ”التنازلات المؤلمة” التي قدمها مجلس النواب، فإن الاتفاق لم يُنفذ، ما فتح الباب أمام أزمات متتالية، كان أبرزها الخلاف حول منصب محافظ مصرف ليبيا المركزي.
وأوضح صالح أن قبول تعيين محافظ من غرب ليبيا، رغم أن المنصب كان من نصيب الشرق وفق الاتفاق، جاء بدافع الحرص على المصلحة الوطنية ومنع تفاقم الأزمة. غير أن هذا النهج التصالحي قوبل، بحسب وصفه، بمزيد من المطالب ومحاولات إعادة فتح الملفات المغلقة، بما يهدد بإعادة إنتاج الصراعات والانقسامات.
المفوضية العليا للانتخابات: معركة الخبرة أم معركة النفوذ؟
أحد أبرز محاور الخلاف الراهنة يتمثل في الجدل حول المفوضية الوطنية العليا للانتخابات. ففي حين يؤكد مجلس النواب، مدعومًا بآراء قانونية، أن المطلوب هو استكمال الشواغر داخل مجلس المفوضية وفق خريطة الطريق، يسعى رئيس مجلس الدولة محمد تكالة، بحسب منتقديه، إلى فرض تغيير شامل للمجلس، في خطوة ينظر إليها على أنها تعسفية ومضيعة للوقت.
ويرى محللون، من بينهم المتحدث السابق باسم مجلس الدولة السنوسي إسماعيل، أن تغيير كامل مجلس المفوضية لا يخدم المسار الانتخابي، بل يقوض الخبرة التراكمية التي أثبتت نجاحها في إدارة الانتخابات البلدية. ويؤكد هؤلاء أن الإصرار على هذا التغيير يعكس رغبة في التحكم في مفاصل العملية الانتخابية، أكثر من كونه حرصًا على نزاهتها.
تكالة والدبيبة: اصطفاف يعرقل الحل
وجه عقيلة صالح انتقادات مباشرة إلى محمد تكالة، معتبرًا أنه لا يرغب في الخروج من الوضع القائم، ومصطف عمليًا إلى جانب حكومة الدبيبة. واستشهد بعدم حضوره لقاء جامعة الدول العربية، ورفضه لقاءً ثنائيًا في باريس، كمؤشرات على غياب الإرادة السياسية للتوافق.
كما اعتبر أن مجلس الدولة، في صورته الحالية، بات أداة لتعطيل المسيرة الليبية، رغم وجود أعضاء “وطنيين” داخله يسعى مجلس النواب للتواصل معهم. هذا الانقسام الداخلي يعكس، بحسب مراقبين، صراعًا بين تيار يرى في الانتخابات مخرجًا، وآخر يخشى أن تطيح به صناديق الاقتراع.
أصوات من داخل مجلس الدولة: تحذير من الانزلاق
في هذا السياق، حذر عضو مجلس الدولة الاستشاري صفوان المسوري من غياب أي سند دستوري أو قانوني لاختيار رئيس المفوضية من قبل مجلس الدولة، مؤكدًا أن مواجهة الإجراءات الأحادية لا تكون بإجراءات أحادية مضادة. واعتبر أن الحكومة توظف رئاسة مجلس الدولة لصناعة مشهد يعيد إلى الأذهان مرحلة التشظي والاصطفافات الجهوية.
ودعا المسوري زملاءه إلى الحفاظ على استقلالية المجلس وقراره السياسي، والتنبه للتداعيات الخطيرة لأي خطوات قد تُفاقم الانقسام بدل معالجته.
الحوار المهيكل: مبادرات بلا نتائج
من جهته، قدم عضو مجلس النواب صالح افحيمة تقييمًا نقديًا لما يُعرف بالحوار المهيكل، معتبرًا أنه لم يتجاوز اجتماعًا أوليًا دون مسار واضح أو جدول زمني أو آليات تنفيذ. وأكد أن الأزمة لا تكمن في نقص المبادرات، بل في غياب الإرادة السياسية الصادقة لتحويل الحوار من عناوين إلى نتائج، ومن إدارة للأزمة إلى حل جذري ينهي المراحل الانتقالية.
الشارع يتحرك: النفط كورقة ضغط
بالتوازي مع هذا الانسداد السياسي، بدأ الشارع الليبي يفرض نفسه كلاعب رئيسي. فقد أصدرت انتفاضة شباب مدن غرب طرابلس بيانًا شديد اللهجة، هددت فيه بمنع تصدير النفط والغاز في حال استمرار تجاهل مطالب الشعب بإنهاء الأجسام فاقدة الشرعية وإجراء الانتخابات.
وأكد البيان أن عائدات النفط تُهدر لصالح شبكات فساد، وأن استمرار تدفقها دون رقابة يمثل إطالة لعمر الفشل. كما أدان التدخلات الأجنبية التي تدعم، بحسب البيان، سلطات فاقدة للشرعية مقابل مصالح اقتصادية.
بين الضغط الشعبي والانسداد السياسي
يرى مراقبون أن تهديدات الشارع، رغم خطورتها، تعكس حجم الإحباط الشعبي من طبقة سياسية فشلت في تقديم حلول، واستمرت في إدارة الأزمة بدل حلها. كما تشكل هذه التحركات رسالة واضحة للمجتمع الدولي بأن الاستقرار الشكلي لم يعد مقبولًا، وأن تجاهل مطلب الانتخابات قد يقود إلى انفجارات اجتماعية واقتصادية.
خلاصة المشهد
تتقاطع تصريحات عقيلة صالح، وتحذيرات شخصيات من داخل مجلس الدولة، وتحليلات خبراء، مع غضب الشارع، لتؤكد أن ليبيا تقف عند مفترق طرق حاسم. فإما كسر حلقة التعطيل عبر آلية واضحة تقود إلى الانتخابات، أو الاستمرار في دوامة الانقسام، حيث تلعب حكومة الدبيبة ورئاسة مجلس الدولة، وفق منتقديهما، دورًا مركزيًا في إجهاض أي مسار حقيقي للتغيير.
وفي ظل هذا الواقع، تبدو الانتخابات، رغم صعوبتها، الخيار الوحيد القادر على تجديد الشرعية ووضع حد لمرحلة انتقالية تحولت إلى عبء ثقيل على الدولة والمجتمع.



