ليبيا

“بوزويدة” يطرق أبواب ديوان المحاسبة في مواجهة شبكة المصالح ونفوذ “الدبيبة” داخل الاتصالات.. والدبيبة يرد بالإقالة

إقالة أبوزويدة تهز القابضة للاتصالات بعد مراسلته ديوان المحاسبة

ليبيا 24:

 إقالة يوسف أبوزويدة من القابضة للاتصالات يتصدر المشهد

في تطور لافت داخل قطاع الاتصالات، كشفت مراسلات رسمية عن أسباب إقالة رئيس مجلس إدارة الشركة الليبية للبريد والاتصالات وتقنية المعلومات القابضة، يوسف أبوزويدة، وتكليف علي بن غربية بمهام رئاسة الشركة، بقرار من رئيس حكومة الوحدة منتهية الولاية عبد الحميد الدبيبة.

وبحسب معطيات موثقة، فإن القرار جاء على خلفية مخاطبة أبوزويدة ديوان المحاسبة الليبي رسميًا، واضعًا أمامه تفاصيل واسعة تتعلق بما وصفه بـ«فساد واستنزاف مالي وإداري طال قطاع الاتصالات بالكامل»، شمل إبرام عقود مشبوهة، وسوء التصرف في استثمارات الشركة القابضة وشركاتها التابعة.

مراسلة فجّرت الأزمة

تعود جذور القضية إلى رسالة رسمية وجهها يوسف أبوزويدة، بصفته رئيسًا لمجلس إدارة الشركة القابضة، إلى رئيس ديوان المحاسبة الليبي، شرح فيها بالتفصيل الوضع الإداري والمالي المتدهور الذي وجده فور تسلمه مهامه، عقب إعادة تشكيل مجلس الإدارة في فبراير 2025.

الرسالة، التي اطلعت عليها “ليبيا 24″، تضمنت سردًا دقيقًا لجملة من المخالفات والتجاوزات التي ارتكبت خلال فترة الإدارة السابقة، وما ترتب عليها من أضرار جسيمة طالت المال العام وأثقلت كاهل شركات الاتصالات الوطنية.

وأكد أبوزويدة في مراسلته أن الشركة القابضة تمر بمرحلة عدم استقرار مالي وإداري، نتيجة ممارسات غير رشيدة، أبرزها التوسع غير المبرر في الإنفاق، وتوريد معدات وأصناف لا حاجة فعلية لها، فضلًا عن تضخم عدد اللجان وفرق العمل، وما صاحب ذلك من مكافآت وتكاليف مالية مرتفعة دون مردود حقيقي.

تضخم إداري وإنفاق بلا ضوابط

وأشار التقرير الموجه لديوان المحاسبة إلى أن عدد اللجان المشكلة في فترة سابقة بلغ 87 لجنة، تمت مراجعة قراراتها وتقاريرها، قبل أن يُتخذ قرار بتقليصها إلى 17 لجنة فقط.

كما كشف عن إبرام أكثر من 50 عقد توظيف وتعاون مع أفراد لم يلتزموا بالحضور أو تقديم الخدمة عند الحاجة، ما اعتُبر استنزافًا مباشرًا للموارد المالية.

ولم تتوقف التجاوزات عند هذا الحد، إذ تضمن الخطاب اتهامات صريحة لرئيس مجلس الإدارة السابق بالإنفاق من حسابات الشركات التابعة، وخصم تلك المصروفات من أرباحها، ما تسبب في شح السيولة، وتراكم المديونيات، وتأثر القدرة التشغيلية لتلك الشركات خلال عام 2024.

عقود حصرية وخسائر بمئات الملايين

أخطر ما ورد في مراسلة أبوزويدة، بحسب مراقبين، كان ما تعلق بالعقود الحصرية، وعلى رأسها عقود الوكالة الممنوحة لشركة «ليبيا سيل».

فقد أوضح أن هذه العقود أُبرمت بشروط مجحفة، وبنسب خصم تراوحت بين 10 و15% من صافي إيرادات شركات المجموعة، ما أدى إلى اقتطاع أكثر من 430 مليون دينار ليبي خلال الأعوام 2023 و2024 و2025 من شركات كبرى مثل المدار الجديد، وليبيانا، وليبيا للهاتف المحمول.

وأكد أن هذه السياسة أثرت سلبًا على أرباح تلك الشركات، وهددت استقرارها المالي، ودفعته لاحقًا إلى اتخاذ قرارات بإلغاء الوكالات الحصرية وفتح باب المنافسة، وهو ما أسهم، وفق الرسالة، في توفير نحو 438 مليون دينار سنويًا، والحد من الاستنزاف المالي.

الحقول النفطية في دائرة الجدل

كما سلطت المراسلة الضوء على ملف خدمات الاتصالات للحقول والموانئ النفطية، حيث أشار أبوزويدة إلى أن اختصاص هذه الخدمات كان ممنوحًا لشركة الجيل الجديد التابعة للقابضة، قبل أن يتم، بقرارات سابقة، إيقافها وتحويل المشروع والبنية التحتية لشركة خاصة، ومنحها صفة المزود الحصري دون مقابل واضح.

وأوضح أن هذه الشركة الخاصة قامت بتوريد خدمات الإنترنت بأسعار مرتفعة، وإعادة بيع السعات بأسعار تفوق تكلفة التوريد بأكثر من سبعة أضعاف، مع وجود شبهات بتقاضي قيم تلك الخدمات بالنقد الأجنبي، دون اعتماد رسمي للتسعير.

وهو ما دفع إدارة أبوزويدة، لاحقًا، إلى إلغاء الاتفاقيات وتشكيل لجنة مشتركة مع المؤسسة الوطنية للنفط لإعادة الاختصاص إلى الشركات الوطنية.

قرار الإقالة… رد فعل سياسي؟

يرى متابعون أن مخاطبة ديوان المحاسبة، ووضع هذه الملفات الثقيلة على طاولة الرقابة، شكلت نقطة التحول في مسار يوسف أبوزويدة داخل الشركة القابضة.

فبعد فترة وجيزة من المراسلة، صدر قرار بإقالته وتكليف علي بن غربية برئاسة الشركة، في خطوة اعتبرها مراقبون «إجراءً سياسياً» أكثر منها إدارياً، خاصة في ظل اتهامات موجهة لحكومة الدبيبة بالضلوع في بعض أوجه الاستنزاف التي كشف عنها الخطاب.

ويؤكد محللون أن ما حدث يعكس صراعًا واضحًا بين محاولات فتح ملفات الفساد داخل قطاع الاتصالات، وبين إرادة الإبقاء على الوضع القائم، معتبرين أن إقالة أبوزويدة جاءت نتيجة مباشرة لكشفه تلك الملفات أمام الجهات الرقابية، وليس بسبب إخفاق إداري كما قد يُروّج رسميًا.

قطاع استراتيجي على المحك

يبقى قطاع الاتصالات من أكثر القطاعات الاستراتيجية والحساسة في ليبيا، سواء من حيث الإيرادات أو الأمن القومي والاقتصاد الرقمي. ويخشى مراقبون أن تؤدي إقالة مسؤولين يكشفون الفساد إلى توجيه رسالة سلبية لكل من يحاول الإصلاح من الداخل، ما لم تُستكمل التحقيقات الرقابية، وتُكشف نتائج فحص ديوان المحاسبة للروايات والوثائق المقدمة.

وفي انتظار ما ستسفر عنه تحركات الجهات الرقابية والقضائية، يظل سؤال جوهري مطروحًا في الشارع الليبي: هل كانت إقالة يوسف أبوزويدة خطوة إدارية عادية، أم ثمنًا دفعه لمحاولته كشف ما وصفه بـ«فساد قطاع الاتصالات بالكامل»؟.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى