ليبيا

إدريس احميد يكتب: ليبيا.. دولة بلا دولة.. وأزمة بلا نهاية

قراءة في مسار الدولة المأزومة والأمل الضائع

ليبيا 24

منذ إعلان استقلالها في 24 ديسمبر 1951، دخلت ليبيا التاريخ كإحدى أولى دول المنطقة التي نالت سيادتها، وبدأت مسار بناء دولة حديثة في بيئة إقليمية ودولية معقدة. كانت البدايات متواضعة من حيث الإمكانات، لكنها طموحة في الرؤية، حيث وُضعت اللبنات الأولى لمؤسسات الدولة، وتم التخطيط لمسار تنموي واعد، تعزّز لاحقًا باكتشاف النفط، ما فتح الباب أمام آفاق اقتصادية وتنموية كبيرة.

العهد الملكي… دولة قيد التشكّلرغم شح الموارد وقسوة الظروف، شهدت ليبيا في العهد الملكي محاولات جادة لبناء دولة مؤسسات، وإرساء نظام إداري وقانوني حديث. لم تكن التجربة مثالية، لكنها كانت تسير في اتجاه واضح نحو بناء الدولة وتعزيز السيادة والانفتاح على العالم، وهو مسار كانت ليبيا فيه سابقة لكثير من الدول التي سبقتها اليوم في مؤشرات الاستقرار والتنمية.مرحلة 1969… تغييرات عميقة ومسار مختلفجاءت مرحلة ما بعد 1969 محمّلة بشعارات التغيير الجذري، لكنها أدخلت البلاد في تحولات سياسية وإدارية واقتصادية واجتماعية لم تكن في اتجاه بناء دولة حديثة بمفهومها المؤسسي. دخلت ليبيا في إشكاليات داخلية، وصراعات إقليمية، وخلافات دولية، وتعرّضت لعزلة سياسية وعقوبات اقتصادية، انعكست سلبًا على مسار التنمية وأثّرت في بنية الدولة والمجتمع. ورغم الثروة النفطية الضخمة، ضاعت فرصة تاريخية لأن تكون ليبيا في مصاف الدول المتقدمة في حوض المتوسط.فبراير 2011… التغيير الذي انقلب إلى أزمةجاءت أحداث 17 فبراير 2011 في سياق إقليمي مضطرب، وبمزيج من إرادة تغيير داخلية وتدخل أجنبي مباشر. سقط النظام، وأُعلن “التحرير”، وكان يُفترض أن تدخل ليبيا مرحلة جديدة تؤسس لدولة مدنية ديمقراطية، لكن ما حدث كان العكس تمامًا.رفضت التشكيلات المسلحة تسليم السلاح، وانتشر السلاح بشكل غير مسبوق في المدن والمناطق، وتحوّلت الثورة من مشروع تغيير إلى مشهد فوضوي تسيطر عليه قوى الأمر الواقع.انتخابات 7/7/2012… فرصة أُهدرتكانت انتخابات المؤتمر الوطني العام في 7 يوليو 2012 فرصة تاريخية لتأسيس مسار ديمقراطي حقيقي وبناء مؤسسات الدولة على أسس دستورية وقانونية. لكن ما جرى هو الالتفاف على النتائج، وبروز أطراف سياسية وضعت العراقيل أمام المسار، وسيطرت على القرار، وأقصت شركاءها، فدخلت البلاد في نفق الانقسام المبكر.2014… الانقسام الكبير وحرق العاصمةجاءت انتخابات مجلس النواب في 2014 لتصحيح المسار، لكن بعض الأطراف رفضت نتائجها، واندلع الاقتتال داخل العاصمة طرابلس، وتم حرق مطارها الدولي، وانقسمت البلاد سياسيًا ومؤسساتيًا. انتقل البرلمان إلى طبرق، وتكرّس الانقسام شرقًا وغربًا، ودخلت ليبيا رسميًا مرحلة الدولة المنقسمة.الجيش… حين حاولت الدولة أن تستعيد نفسهافي مقابل الفوضى الأمنية، وانتشار السلاح، وتحوّل المليشيات إلى سلطة أمر واقع، برز دور الجيش الوطني الليبي كأحد أهم محاولات استعادة مفهوم الدولة. فقد بدأ من إمكانات محدودة، وفي ظروف بالغة التعقيد، ليخوض معركة مصيرية ضد الإرهاب والتنظيمات المتشددة التي عبثت بأمن الليبيين، واغتالت الكفاءات العلمية والعسكرية والإعلامية، وروّعت الآمنين، خاصة في بنغازي ودرنة وسرت ومحيطها.ورغم الدعم الذي حظيت به تلك الجماعات من داخل ليبيا وخارجها، تمكّن الجيش من تفكيك بؤر الإرهاب، وبسط الأمن في شرق البلاد، ثم امتد الاستقرار إلى الجنوب الليبي، حيث أُمنت الحدود، وحُوصرت شبكات التهريب، وحُميت ثروات الليبيين من عبث الجماعات المسلحة. كما ساهم في إعادة الاستقرار إلى مناطق واسعة من وسط البلاد، وتهيئة الأرضية لعودة مؤسسات الدولة ومشاريع التنمية.إن تجربة الجيش، بكل ما لها وما عليها، تعكس حقيقة جوهرية: لا دولة بلا مؤسسة عسكرية وطنية، ولا ديمقراطية بلا أمن، ولا استقرار بلا سيادة. فالفراغ الأمني لا تملؤه الديمقراطية، بل تملؤه الفوضى. ومن دون جيش موحد خاضع للسلطة المدنية، ستبقى ليبيا رهينة المليشيات وساحات الصراع وتدخلات الخارج.الأمم المتحدة… إدارة أزمة لا حلّ أزمةمع تفاقم الوضع، دخلت الأمم المتحدة على خط الأزمة، وبدأت مسارات الحوار، لكن ما جرى في الواقع كان إدارة للأزمة أكثر من كونه حلًا جذريًا لها. جاء اتفاق الصخيرات بحكومة “الوفاق الوطني” ذات التسعة رؤوس، حكومة مثقلة بالتناقضات، عاجزة عن الإنجاز، بلا سيطرة حقيقية على الأرض، ولم تنجح في توحيد المؤسسات أو تحسين حياة المواطنين.ازدادت معاناة الشارع الليبي: أزمات سيولة، كهرباء، خدمات، أمن، وغياب أفق سياسي واضح.جنيف 2021… فرصة جديدة ضاعتجاء ملتقى الحوار السياسي في جنيف 2021 بحكومة الوحدة الوطنية، وكُلّفت بمهام واضحة: توحيد المؤسسة العسكرية، معالجة الأزمة الاقتصادية، إنجاز المصالحة الوطنية، وتهيئة البلاد للانتخابات. لكن شيئًا من ذلك لم يتحقق. تفجّرت الخلافات مع البرلمان، وتعطّلت الانتخابات، واستمر الانقسام، وعادت البلاد إلى دوّامة الصراع السياسي.مبعوثون يتغيرون… والأزمة ثابتةتوالى المبعوثون الأمميون على ليبيا، وكل منهم يحمل “خارطة طريق”، لكن النتائج واحدة: حلول ترقيعية، مسارات هشة، واتفاقات لا تصمد أمام أول اختبار. لأن المشكلة لم تكن يومًا في النصوص، بل في غياب الإرادة الوطنية، وهيمنة أطراف مستفيدة من الفوضى، وسلبية مجتمعية تراهن على الخارج بدل أن تبني الداخل.الرهان الخاطئ… الخارج بدل الداخلأخطأ الليبيون حين اعتقدوا أن الأمم المتحدة ستبني لهم الدولة، وأن العالم سيحل مشاكلهم. فالدول لا تُبنى بالوصاية، ولا تُستورد جاهزة. ما لم يساعد الليبيون أنفسهم، فلن يساعدهم أحد.غياب مشروع وطني جامع، ضعف الوعي المجتمعي، سيطرة نخب مؤقتة، انتشار السلاح، وتغليب المصالح الضيقة… كلها عوامل جعلت ليبيا تدور في حلقة مفرغة من الأزمات.المشروع الغائب… ومن يملأ الفراغ؟في ظل هذا الانسداد السياسي المزمن، وتآكل الثقة في الأجسام المنتخبة والمنبثقة عن اتفاقات الخارج، يبرز سؤال جوهري لا يمكن الهروب منه: من يحمل اليوم مشروع الدولة الحقيقي؟فالفراغ لا يبقى فراغًا، وإذا غابت الدولة حضرت البدائل، وإذا ضعفت المؤسسات تقدمت القوى المنظمة.لقد أثبتت السنوات الماضية أن أخطر ما واجه ليبيا ليس فقط السلاح أو الانقسام، بل غياب المشروع الوطني الجامع. مشروع يتجاوز الأشخاص، ويعلو على الجهات، ويقدّم الدولة على كل الولاءات الضيقة. وفي هذا السياق، يرى كثير من الليبيين أن القيادة العامة للجيش الوطني لم تعد مجرد مؤسسة عسكرية، بل تحولت إلى حامل سياسي – أمني لفكرة الدولة، في مواجهة المليشيات، والتطرف، والفوضى، وتفكك المؤسسات.قد يختلف الليبيون حول التفاصيل، لكن الواقع يقول بوضوح:حيثما وُجد الجيش، وُجد الأمن، وحيثما غاب، حلّت الفوضى.وهذه معادلة بسيطة لا تحتاج تنظيرًا.إن الرهان الحقيقي اليوم يجب أن يكون على بناء سلطة وطنية موحدة تستند إلى مؤسسة عسكرية منضبطة، وغطاء سياسي وطني، ومشروع جامع، لا على إعادة تدوير نفس الأجسام، ولا على انتظار حلول من مبعوث جديد، أو مؤتمر جديد، أو مسار جديد.ليبيا لا تحتاج مزيدًا من “التسويات الهشة”، بل تحتاج قرارًا وطنيًا شجاعًا يعيد الاعتبار للدولة، ويوحّد المؤسسات، ويضع حدًا لزمن المليشيات، ويُنهي مرحلة العبث باسم الثورة والشرعية والاتفاقات.خلاصة المشهدليبيا لم تفشل لأنها بلا إمكانات، بل لأنها بلا مشروع وطني جامع. لم تتعثر لأن قدرها الفوضى، بل لأن نخبها فشلت في إدارة التعدد، وبناء الدولة، وتقديم المصلحة الوطنية على الحسابات الضيقة.منذ 1951 وحتى اليوم، تتكرر الفرص وتضيع، وتتبدل المراحل ويبقى الهدف معلقًا: بناء الدولة.الخاتمةليبيا اليوم أمام لحظة تاريخية فاصلة:إما أن تواصل الدوران في حلقة الأزمات المصطنعة، والمسارات الفاشلة، والرهان على الخارج…وإما أن تحسم خيارها نحو مشروع وطني واضح المعالم، تقوده مؤسسات حقيقية، ويحميه جيش وطني، وتلتف حوله الإرادة الشعبية.الدولة لا تُمنح… تُنتزع.ولا تُبنى بالتمنّي… بل بالفعل.فإما دولة… أو لا شيء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى