جدل ضريبة النقد الأجنبي في ليبيا بين الإلغاء والتدرج
ليبيا تراجع ضريبة النقد الأجنبي وسط ضغوط مالية متزايدة
ليبيا 24
ضريبة تحت المجهر
عاد ملف ضريبة النقد الأجنبي في ليبيا إلى واجهة النقاش الاقتصادي، مع اتساع الجدل حول مصيرها بين الإلغاء الكامل أو الخفض التدريجي، في ظل أوضاع مالية ضاغطة وتذبذب في سوق الصرف. وتزامن هذا الجدل مع تأكيد السلطة التشريعية انتهاء الأجل الزمني للضريبة بنهاية عام 2024، مقابل استمرار المصرف المركزي في تطبيقها، ما فتح باباً واسعاً للتساؤلات بشأن الاختصاصات وحدود المسؤولية.
الضريبة، المفروضة حالياً بنسبة 15 بالمئة على عمليات بيع النقد الأجنبي، باتت محور نقاش عام، لا سيما مع تأثيرها المباشر على الأسعار والقدرة الشرائية، وتداخلها مع نشاط السوق الموازية التي تشكل تحدياً دائماً للسياسات النقدية في البلاد.
خلفية القرار وتطوره
أُقرت الضريبة في مارس 2024 بقرار تشريعي حددها بنسبة مرتفعة، مع النص على قابليتها للتخفيض وفق ظروف الإيرادات العامة، وحدد لها أجلاً زمنياً ينتهي مع نهاية العام. ومع تصاعد الاعتراضات الحكومية والقضائية، جرى خفضها على مرحلتين حتى استقرت عند 15 بالمئة.
غير أن الجدل لم يتوقف عند حدود النسبة، بل امتد إلى مسألة الاستمرار من عدمه، بعد إعلان مجلس النواب عدم تجديد القرار، واعتبار أن أي استمرار يقع ضمن صلاحيات المصرف المركزي، وهو ما لم يُقابل بتوضيح رسمي من الأخير حتى الآن.
أرقام وإيرادات بلا تفصيل
وفق البيانات المعلنة، حققت الضريبة إيرادات تجاوزت عشرات المليارات من الدنانير خلال أقل من عام، ما جعلها مورداً مالياً مهماً في ظل عجز الموازنة وتنامي الدين العام. إلا أن غياب التفصيل المتعلق بأوجه الصرف أثار تساؤلات لدى مختصين حول مدى توظيف هذه الموارد في الأغراض المعلنة، سواء لدعم الإنفاق التنموي أو تخفيف أعباء الدين.
وتتزامن هذه الإيرادات مع اتساع الفجوة بين السعر الرسمي للعملة والسعر المتداول في السوق الموازية، ما يعمق من إشكالية العدالة السعرية ويغذي المضاربة، خاصة في فترات القرارات التنظيمية المشددة على القطاع المصرفي.
تأثير مباشر على السوق
يرى اقتصاديون أن الضريبة، رغم دورها في تعزيز الإيرادات، أسهمت في رفع كلفة الحصول على النقد الأجنبي عبر القنوات الرسمية، ما شجع شريحة من المتعاملين على اللجوء إلى السوق الموازية. ويؤكد هؤلاء أن الفارق السعري، مقترناً بالضريبة، يضعف الثقة في النظام المصرفي ويحد من فعالية أدوات السياسة النقدية.
في المقابل، يذهب رأي آخر إلى أن الضريبة كانت أداة ضرورية في مرحلة استثنائية، ساعدت على كبح الطلب المفرط على العملات الأجنبية، وأسهمت في تمويل التزامات عاجلة للدولة، في ظل إنفاق عام مرتفع وضغوط متزايدة على الاحتياطيات.
الدين العام وسعر الصرف
يأتي الجدل حول الضريبة في وقت تواجه فيه ليبيا تضخماً في الدين العام، مع توقعات بتجاوزه مستويات غير مسبوقة خلال العام الجاري. كما شهد الدينار خفضاً رسمياً لقيمته أمام العملات الأجنبية، في خطوة بررها المصرف المركزي بارتفاع الإنفاق الحكومي وتراجع التوازنات المالية.
هذه التطورات جعلت من ضريبة النقد الأجنبي جزءاً من معادلة أوسع، تتداخل فيها السياسة المالية مع النقدية، وسط غياب موازنة موحدة واستمرار الانقسام المؤسسي، ما يحد من قدرة أي إجراء منفرد على تحقيق استقرار مستدام.
الإلغاء أم الخفض التدريجي؟
ينقسم الخبراء بين من يدعو إلى الإلغاء الفوري للضريبة، باعتبارها عبئاً إضافياً على المواطن ومحفزاً للسوق غير الرسمية، وبين من يرى أن الإلغاء المفاجئ قد يفتح الباب لزيادة الطلب على العملات الأجنبية، ويضغط على الاحتياطيات، داعياً إلى خفض تدريجي ومدروس.
أنصار الخيار الثاني يشددون على ضرورة ربط أي تعديل في الضريبة بحزمة إصلاحات متكاملة، تشمل ضبط الإنفاق العام، وتعزيز الرقابة على سوق الصرف، وتوحيد السياسات المالية، بما يضمن تقليل الآثار الجانبية وحماية الاستقرار النقدي.
البعد المؤسسي والتنسيق المطلوب
تتفق معظم الآراء على أن معالجة هذا الملف لا ينبغي أن تتم عبر قرارات منفردة، بل ضمن إطار مؤسسي منسق، يحدد بوضوح الأدوار بين الجهات التشريعية والتنفيذية والمالية. فغياب التنسيق، بحسب مختصين، يربك السوق ويضعف الثقة في القرارات الاقتصادية، مهما كانت وجاهتها.
كما يؤكد هؤلاء أن الشفافية في الإعلان عن الإيرادات وأوجه إنفاقها تمثل عاملاً حاسماً في كسب ثقة الرأي العام، وتخفيف حدة الجدل الدائر حول جدوى الضريبة واستمرارها.
مستقبل مفتوح على السيناريوهات
في ظل المعطيات الحالية، يبقى مستقبل ضريبة النقد الأجنبي مفتوحاً على عدة سيناريوهات، تتراوح بين الإلغاء، أو الإبقاء المؤقت، أو الخفض التدريجي. ويرجح مراقبون أن تحسم الوجهة النهائية وفق تطورات الإيرادات النفطية، ومستوى الإنفاق العام، وقدرة المؤسسات على التوصل إلى تفاهمات مشتركة.
إلى أن تتضح الصورة، سيظل هذا الملف أحد أكثر القضايا الاقتصادية حساسية، لما يحمله من انعكاسات مباشرة على معيشة المواطن، واستقرار السوق، ومسار الإصلاح المالي في البلاد.



