إدريس احميد يكتب: هل يمكن أن تلعب الأحزاب السياسية دورًا في حل الأزمة الليبية؟
ليبيا تبحث عن مخرج حقيقي من حالة الانسداد التي عطّلت بناء الدولة
بقلم: إدريس أحميد – صحفي وباحث سياسي
في ظل أزمة سياسية ممتدة دخلت عامها الخامس عشر، ما تزال ليبيا تبحث عن مخرج حقيقي من حالة الانسداد التي عطّلت بناء الدولة، وأفرغت العملية السياسية من مضمونها. وبين تعدد الحكومات، وتكرار مسارات الحوار، واستمرار الانقسام، يبرز سؤال جوهري ظل بعيدًا عن الاهتمام الجاد: هل يمكن للأحزاب السياسية أن تلعب دورًا حقيقيًا في حل الأزمة الليبية؟
الأحزاب السياسية ليست ترفًا ديمقراطيًا، بل تمثّل إحدى الركائز الأساسية لأي نظام سياسي حديث، إذ تضطلع بدور محوري في تنظيم المشاركة الشعبية، وترسيخ الثقافة السياسية، وتحويل مطالب المجتمع إلى برامج وسياسات عامة. غير أن التجربة الليبية افتقرت إلى هذا الدور، نتيجة حظر العمل الحزبي وإلغائه لأكثر من أربعة عقود، ما أحدث قطيعة في التراكم السياسي والتنظيمي، وأضعف الوعي الحزبي لدى المجتمع.
وقد جاءت أول تجربة انتخابية تعددية في ليبيا عام 2012 في سياق غير مهيأ سياسيًا وتنظيميًا، حيث جرت الانتخابات قبل بناء أحزاب قادرة على استيعاب المجتمع والانطلاق به نحو تنافس سياسي حقيقي. كما افتقدت النخب السياسية للخبرة الكافية بالعملية الانتخابية ومتطلباتها، الأمر الذي أفسح المجال أمام صعود الأجندات المناطقية والجهوية، وهيمنة الاعتبارات الهوياتية على حساب المشروع الوطني الجامع.
وبدل أن تكون التعددية الحزبية مدخلًا لبناء الدولة وتعزيز الاستقرار، تحوّل المشهد السياسي إلى حالة من الفوضى، تصدّرتها التكتلات القبلية والجهوية والمناطقية، التي أثبتت التجربة فشلها في إنهاء الأزمة أو إدارة الدولة. كما رافق ذلك خطاب إقصائي وممارسات سياسية تتناقض مع مبادئ حرية التعبير، التي كانت من أبرز مطالب التغيير.
ومع تعقّد المشهد، أسهمت المسارات السياسية التي قادتها الأمم المتحدة، منذ اتفاق الصخيرات وصولًا إلى جنيف، في تعميق الأزمة بدل معالجتها، من خلال التركيز على التعامل مع أطراف النزاع، وتجاهل الأحزاب السياسية بوصفها فاعلًا مدنيًا منظمًا. وقد أدى هذا النهج إلى تكريس حلول مؤقتة، وتعزيز الانقسام، وإنتاج حكومات قائمة على المحاصصة، فشلت في إدارة الشأن العام، وفاقمت الأزمات السياسية والاقتصادية.
ورغم تسجيل عشرات الأحزاب ومحاولاتها الانخراط في العملية السياسية، فإن غياب الدستور، وضعف التشريعات المنظمة، وانعدام الدعم المؤسسي، إلى جانب هيمنة السلاح، حال دون تحوّل هذه الأحزاب إلى قوة اجتماعية مؤثرة. وبدل أن تكون شريكًا في صناعة القرار، جرى تهميشها لصالح قوى الأمر الواقع، وهو ما عمّق الفجوة بين السياسة والمجتمع.
إن الحديث عن انتخابات أو انتقال ديمقراطي في ظل هذا الواقع يبقى بلا جدوى، ما لم تُعاد هيكلة العملية السياسية من جذورها. ويتطلب ذلك إعادة الاعتبار للأحزاب السياسية، وإشراكها بجدية في أي مسار سياسي قادم، بدل حصر الحوار في أطراف ثبت فشلها في إنتاج الحل، إلى جانب إنهاء منطق المحاصصة، والانتقال إلى منطق البرامج، والإسراع في إنجاز الإطار الدستوري الذي ينظم الحياة السياسية ويحدد قواعدها بوضوح.
وفي المقابل، تتحمّل الأحزاب مسؤولية تاريخية في تطوير خطابها، والانفتاح على المجتمع، وبناء قواعد شعبية حقيقية، وتقديم برامج واقعية تعبّر عن تطلعات المواطنين، وتسهم في تفكيك البنى المناطقية والجهوية والقبلية، بما يعيد الثقة في العمل السياسي المنظم.
إن تجاوز حالة الانسداد السياسي في ليبيا لن يتحقق بإدارة الأزمة أو تدويرها، بل ببناء سياسة حقيقية، تكون فيها الأحزاب ركيزة أساسية لا عنصرًا هامشيًا. فالدولة لا تُبنى بالأفراد، بل بالمؤسسات، ولا ديمقراطية دون أحزاب قوية تعبّر عن المجتمع وتقوده نحو الاستقرار.



