بين مطرقة المرض وسندان الإهمال.. صرخة مرضى ضمور العضلات في ليبيا

حياة على رصيف الانتظار
في بلد يسبح فوق بحار من النفط، وتُهدر ميزانياته في أروقة السياسة وصراعات النفوذ، يقف مريض ضمور العضلات في ليبيا وحيداً، يصارع جسداً يذبل يوماً بعد يوم.
إن قضية مرضى الضمور في ليبيا لم تعد مجرد أزمة طبية، بل تحولت إلى “جريمة صمت” ترتكبها مؤسسات حكومة الدبيبة، حيث يُترك المريض لمواجهة مصير محتوم، بينما تُصمّ الآذان عن استغاثات الأمهات والآباء.
التشخيص الغائب: التجهيل العمدي
تبدأ الرحلة بمرارة حين يكتشف المواطن الليبي أن أبسط حقوقه، وهو “التحليل الجيني”، مغلق في وجهه. هذا الإجراء الذي يعد بوابة العلاج، مُعطّل عمداً في الداخل، مما يجعل المريض تائهاً في دوامة من التخمينات الطبية، وكأن الدولة قررت أن الجهل بالمرض وسيلة للتنصل من تكاليف علاجه.
حقنة “زولجنسما”: مأساة أطفال يسرقهم الموت
أكثر ما يدمي القلب هو ملف أطفال “ضمور العضلات الشوكي”. 26 طفلاً، هم زهور ليبيا، ينتظرون منذ أكثر من عامين حقنة الحياة ($Zolgensma$). هؤلاء الأطفال ليسوا مجرد أرقام، بل هم أرواح تُزهق ببطء بسبب البيروقراطية القاتلة. إن التأخر في جلب هذا العلاج رغم توفر السيولة المالية لدى حكومة الدبيبة هو وصمة عار، فكل يوم يمر دون حقن هؤلاء الأطفال يعني فقداً دائماً لوظيفة حركية، أو اقتراباً من نهاية مفجعة لم يكن سببها المرض، بل “الإهمال العمدي”.
الفساد الإداري والخدمات المهينة
لا تتوقف المأساة عند غياب الدواء، بل تمتد لتشمل “صندوق التضامن الاجتماعي” الذي يفترض أن يكون سنداً للمريض. إن توزيع كراسي متحركة رديئة المواصفات، لا تتناسب مع احتياجات مرضى الضمور، يعد استهتاراً بصحتهم؛ فهذه الكراسي تؤدي إلى تشوهات حادة في العمود الفقري، مما يحول “وسيلة المساعدة” إلى “أداة تعذيب”.
الخنق الاقتصادي وسرقة الحقوق
بمعاش لا يتجاوز 650 ديناراً، يُطلب من المعاق في ليبيا أن يعيش بكرامة! هذا المبلغ الزهيد لا يكفي حتى لشراء المستلزمات اليومية الأساسية من حفاضات ومكملات غذائية، في ظل غلاء معيشي طاحن. وما يزيد الطين بلة هو نهب مستحقات “الإعانة المنزلية” التي لم تُصرف منذ عام 2018، وهي حقوق أصيلة لمن كرسوا حياتهم لخدمة أبنائهم العاجزين، مما يجعل الدولة شريكة في إفقار هذه الأسر وتجويعها.
من يحاسب من؟إن حكومة الدبيبة والجهات التابعة لها، تواجه اليوم اتهاماً أخلاقياً وتاريخياً. إن بناء المستشفيات المتخصصة وتوفير الأدوية الجينية ليس “رفاهية”، بل هو واجب دستوري وإنساني. إن استمرار نهب المليارات في مشاريع وهمية أو صراعات سياسية بينما يموت أطفال الضمور، هو دليل قاطع على انعدام الأولويات الإنسانية لدى صاحب القرار.



