الفارسي: الأزمة الليبية نتاج تشخيص اقتصادي خاطئ وإدارة عاجزة
الفارسي: إنقاذ الاقتصاد الليبي يتطلب كسر أوهام السوق
ليبيا 24:
سلّط أستاذ الاقتصاد بجامعة بنغازي، الدكتور أيوب محمد الفارسي، الضوء على جذور الأزمة الاقتصادية الليبية، معتبرًا أن جوهر الأزمة أعمق من مظاهرها النقدية الظاهرة، ويرتبط أساسًا بسوء التشخيص وضعف الإدارة وغياب الفهم الحقيقي لاقتصاد الأزمات.
الأزمة أبعد من نقص السيولة وسعر الصرف
يرى الفارسي أن اختزال الأزمة في نقص السيولة أو اضطراب سعر الصرف يمثل قراءة سطحية، مؤكدًا أن المشكلة الحقيقية تكمن في تشخيص اقتصادي غير دقيق، وإدارة عامة عاجزة عن التعامل مع ظروف استثنائية تمر بها البلاد، إلى جانب سلوك اجتماعي مأزوم يزيد من تعقيد المشهد الاقتصادي.
اقتصاد أزمة لا اقتصاد نمو
أوضح الفارسي أن ليبيا تعيش ما يُعرف بـ«اقتصاد الأزمة»، وهو نمط اقتصادي تختلف فيه القواعد والأولويات، حيث تُدار الموارد بعقلية البقاء والتحوط لا بعقلية النمو، وفي مثل هذه الظروف، تفقد قوانين السوق التقليدية فعاليتها، خاصة مع ارتفاع مستويات الفساد وضعف الرقابة.
أوهام السوق وغياب تدخل الدولة
وانتقد الفارسي اعتماد السياسات الحالية على فكرة «تصحيح السوق لنفسه»، معتبرًا أن هذه الفرضية لا تنطبق على واقع الاقتصاد الليبي مؤكدا أن تدخل الدولة في مثل هذه الأزمات ليس خيارًا، بل ضرورة لحماية الاستقرار الاجتماعي، خصوصًا في ظل هيمنة الاحتكار وغياب المنافسة الحقيقية.
أولويات إنفاق مقلوبة
كما أشار إلى خلل واضح في ترتيب أولويات الإنفاق، حيث شهدت الأنشطة الكمالية والترفيهية نموًا لافتًا خلال الأزمة، بينما تراجعت القدرة الشرائية لغالبية المواطنين، وهذا التناقض دليلًا على سوء توجيه الموارد وضعف السياسات الرقابية.
السلوك الاجتماعي كمُضاعِف للأزمة
وأبرز الفارسي البعد الاجتماعي للأزمة، موضحًا أن الخوف من المستقبل يدفع الأفراد إلى الاكتناز واللجوء إلى الذهب والعملات الأجنبية، ما يؤدي إلى تفاقم أزمة السيولة داخل الجهاز المصرفي.
ويرى أن استعادة الثقة لا يمكن أن تتحقق بإجراءات تقنية فقط، بل بسياسات اقتصادية واضحة تحمي دخل المواطن.
أدوات التدخل موجودة لكن معطّلة
شدد الفارسي على أن أدوات تدخل الدولة في أوقات الأزمات معروفة، مثل التسعير الجبري للسلع الأساسية، وتوجيه الإنتاج، والتوسع في الدعم النقدي والعيني إلا أن التعامل مع هذه الأدوات باعتبارها «تشوهات اقتصادية» يعكس قراءة مثالية لا تنسجم مع واقع الأزمة الليبية.
تغيّر الأرقام وجمود الحلول
ولفت إلى القفزة الكبيرة في عرض النقود خلال السنوات الأخيرة، معتبرًا أن استنساخ حلول قديمة في ظل هذا التغير الجذري يُعد خطأً استراتيجيًا، خاصة مع تراجع إيرادات النقد الأجنبي والدعوات المتكررة لتحرير الأسعار أو رفع الدعم.
خاتمة
وخلص الدكتور أيوب الفارسي إلى أن الأزمة الاقتصادية الليبية تفرض قيودها على النظريات الاقتصادية التقليدية، مؤكدًا أن أي مسار إنقاذ حقيقي يبدأ بالاعتراف بخصوصية المرحلة، وتصحيح التشخيص، وبناء سياسات واقعية تتناسب مع طبيعة اقتصاد الأزمات، لا مع تصورات مثالية بعيدة عن الواقع.



