أخبار العالمليبيا

الزاوية تشتعل.. هل تكون شرارة “انتفاضة الجياع” التي تطيح بحكومة الدبيبة؟

الدينار ينهار والخبز يغيب... غضب ليبي عارم يخرج من الزاوية ليهدد كيانات السلطة في طرابلس

ليبيا 24

احتجاجات الزاوية تشعل ليبيا: لهيب الأسعار يلتزم بوابة الصمود والشارع يتوعد بـ”انتفاضة شاملة”

في مشهد يعيد إلى الأذهان أيام الثورة، أضرم الليبيون النار في بوابات العاصمة احتجاجاً على سياسة التجويع، بينما تتخلى النخبة عن مسؤوليتها وتتحصن بالصمت. طرابلس تقف على بركان، والسؤال الذي يطرح نفسه: هل تنفجر ليبيا قبل أن تذهب إلى انتخابات 2026؟

احتجاجات الزاوية تشعل ليبيا: غضب من انهيار الدينار وضرائب التجويع. الدبيبة يتنصل والبرلمان يتبرأ، والشارع يتوعد بانتفاضة شعبية تطيح بمن تغولوا على حقوق الليبيين.

الزاوية، ليبيا – مع حلول ظلام ليلة الثلاثاء، لم تكن نيران المخيمات أو اشتباكات الميليشيا هي ما أضاء سماء مدينة الزاوية، بل نيران الغضب الشعبي. في مشهد نادر وغير مسبوق منذ سنوات، خرج المئات من سكان المدينة ليوقدوا النار في “بوابة الصمود”، المدخل الشرقي للعاصمة الاقتصادي، محولين إياها إلى رمز جديد ليس للصمود بل للاحتجاج على سياسة الخنق الاقتصادي التي تدفع بالليبيين نحو الهاوية .

ما حدث في الزاوية لم يكن مجرد تحرك عابر أو مظاهرة موسمية تطالب براتب متأخر. لقد كانت صرخة في وجه حكومة منتهية الولاية منشغلة بذاتها، تتقاسم الكعكة ويتبادل الاتهامات، بينما المواطن الليبي يتهاوى تحت وطأة انهيار قياسي للدينار وارتفاع جنوني في الأسعار. إنها شرارة “انتفاضة الجياع” التي طالما حذر منها المراقبون.

احتجاجات الزاوية تشعل ليبيا: غضب من انهيار الدينار وضرائب التجويع. الدبيبة يتنصل والبرلمان يتبرأ، والشارع يتوعد بانتفاضة شعبية تطيح بمن تغولوا على حقوق الليبيين.

انهيار العملة.. و”ضرائب الجوع” المفاجئة

الخلفية الاقتصادية لهذا الانفجار كانت واضحة في الأرقام. فالدولار الأمريكي الذي طالما أرعب الليبيين، قفز إلى مستويات قياسية غير مسبوقة، ليقترب من حاجز الـ 11 ديناراً في السوق الموازية، مسجلاً بذلك تآكلاً تاريخياً في قيمة الدينار الليبي. هذا الانهيار لم يأتِ بمفرده، بل صاحبه قرار مثير للجدل فاقم الطين بلة.

فقد فوجئ الليبيون والتجار على حد سواء، بقرار مفاجئ من المصرف المركزي بفرض رسوم ضريبية جديدة على استيراد السلع، تم تطبيقها بشكل فوري ودون أي تمهيد. وبينما أُعفيت السلع الأساسية بشكل نظري، طالت الضرائب الجديدة التي تصل إلى 25% مواد البناء والملابس والأجهزة المنزلية، لتضيف عبئاً جديداً على جيوب المواطنين الذين لم يعودوا قادرين على تأمين لقمة العيش .

“هذا ليس قانوناً، هذه ضريبة جوع”، هكذا علق أحد المحتجين من الزاوية في تسجيل مصور، معبراً عن شعور عام بأن القرارات الاقتصادية تُتخذ فوق رؤوس الليبيين وفي غير صالحهم، بينما تستمر النخبة الحاكمة في صراعها على الشرعية والموارد.

احتجاجات الزاوية تشعل ليبيا: غضب من انهيار الدينار وضرائب التجويع. الدبيبة يتنصل والبرلمان يتبرأ، والشارع يتوعد بانتفاضة شعبية تطيح بمن تغولوا على حقوق الليبيين.

طرابلس تتنصل.. والبرلمان “يتبرأ”

ما زاد الطين بلة هو المشهد السياسي المأزوم الذي انكشف بكل قبحه خلال هذه الأزمة. ففي الوقت الذي كان المفترض أن تتحرك فيه الحكومة لامتصاص الغضب، سارعت الحكومة منتهية الولاية برئاسة عبد الحميد الدبيبة إلى إلقاء الكرة في ملعب الآخرين.

فقد أصدرت الحكومة بياناً أعلنت فيه “رفضها القاطع” للقرار، معتبرة أنه “تجاوز لمبدأ فصل السلطات” وأنه اتخذ بشكل “أحادي” من قبل مجلس النواب دون تنسيق مع السلطة التنفيذية. الحكومة التي يفترض أنها المسؤولة الأولى عن الوضع المعيشي، وجدت نفسها سريعاً في موقع المتفرج والمتّهم لا المُنقذ .

لكن المفاجأة الأكبر كانت من داخل مجلس النواب نفسه. ففي خطوة وصفت بـ”الاستثنائية”، أصدر 107 نواب من أصل 145 بياناً مشتركاً أعلنوا فيه “إخلاء مسؤوليتهم القانونية والدستورية الكاملة” عن قرار فرض الضريبة. وأكد النواب أن هذا القرار “لم يصدر عن مجلس النواب مجتمعاً، ولم يعتمد خلال جلسة رسمية”، داعين المتضررين إلى اللجوء للقضاء للطعن في الإجراءات .

هكذا، وبين حكومة تتنصل وبرلمان يتبرأ ويترك القضاء ليواجه العاصفة، وجد الليبيون أنفسهم وجهاً لوجه أمام سلطة بلا ملامح، تتحمل المسؤولية ولا أحد يقبل بها. “إنهاء الأزمة أكثر كلفة من استمرارها”، هكذا وصف أحد المحللين المشهد مؤخراً، فاستمرار الانقسام خلق مصالح مستقرة للفاعلين، جعلت إنهاء الأزمة الحقيقية مهمة مستحيلة .

احتجاجات الزاوية تشعل ليبيا: غضب من انهيار الدينار وضرائب التجويع. الدبيبة يتنصل والبرلمان يتبرأ، والشارع يتوعد بانتفاضة شعبية تطيح بمن تغولوا على حقوق الليبيين.

من الزاوية إلى كل ليبيا: شبح العصيان المدني

المخاوف اليوم لا تقتصر على مدينة الزاوية. ما يشي به الدخان المتصاعد من بوابة الصمود هو أن الليبيين بدأوا يفقدون صبرهم. فالأزمة لم تعد مجرد غلاء في الأسعار، بل تحولت إلى أزمة ثقة كاملة في كل الأجسام السياسية الممسكة بزمام الأمور.

مواقع التواصل الاجتماعي الليبية اشتعلت بدورها، وتصدر وسم “لا لفرض الضرائب – نحن 7 ملايين ليبي” المشهد، في تعبير عن رفض شعبي واسع ومتنامٍ . هذه التعبئة الافتراضية تنذر بتحولها إلى واقع ملموس في الشارع، خاصة أن الاحتجاجات لم تعد حكراً على فئة معينة.

فخلال الأيام الماضية، شهدت ليبيا تحركات احتجاجية في أكثر من قطاع. المعلمون أعلنوا الإضراب في عدة مدن احتجاجاً على تردي أوضاعهم، وموظفو الهيئات القضائية دخلوا في اعتصامات، وحتى في قطاع الكهرباء الحيوي يلوح شبح الإضراب بسبب تأخر المرتبات . كل هذه المؤشرات ترسم صورة لبلد يغلي من الداخل، حيث أصبحت “الاحتجاجات الفئوية” هي الملاذ الأخير للتعبير عن وطأة ضغوط معيشية خانقة.

هل تشهد ليبيا 2026 انتفاضة قبل انتخابات؟

في وقت تتجه فيه الأنظار إلى انتخابات 2026 كحل سحري للخروج من النفق، تطرح احتجاجات الزاوية سؤالاً أكثر إلحاحاً: كيف ستُجرى انتخابات في بلد يعيش تحت وطأة انتفاضة شعبية تطيح بكل الأجسام السياسية؟

المراقبون يرون أن الوضع الحالي يحمل في طياته نذر انفجار شعبي واسع. فالتدهور الاقتصادي المستمر، وسياسات التجويع، وتنصل النخبة من المسؤولية، كلها عوامل تشكل وقوداً كافياً لثورة جديدة. الزاوية قد تكون مجرد البداية، خاصة إذا استمرت حكومة الدبيبة في سياسة “التفرج” على الأزمة بدلاً من تحمل مسؤولياتها، واستمر مجلس النواب في لعبة “التبرؤ” من تبعات قراراته.

ليبيا تقف اليوم على مفترق طرق خطير: إما أن تتحرك السلطات بسرعة وجدية لاحتواء الغضب الشعبي عبر سياسات إنقاذ حقيقية تخفف العبء عن المواطن، أو تواجه السيناريو الأكثر رعباً: انتفاضة شعبية شاملة لن تبقي على حكومة أو برلمان أو مجلس رئاسي، وتجرف معها كل من تغول على حق الليبيين في العيش الكريم.

فهل تسمع النخبة في طرابلس دوي انفجار بركان الزاوية قبل فوات الأوان؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى