غير مصنف

ليبيا تعود إلى خريطة الطاقة الأوروبية وسط أزمات الشرق الأوسط

ليبيا 24


العودة الليبية: هل تكون طرابلس ورقة أوروبية لمواجهة أزمات الطاقة والهجرة؟

صدمة الشرق الأوسط تعيد ترتيب أولويات القارة العجوز

في مشهد دولي متأزم بفعل التصعيد العسكري بين القوى الكبرى في الشرق الأوسط، تجد أوروبا نفسها مضطرة لإعادة النظر في خريطة تحالفاتها ومصادر طاقتها. بينما كانت الأنظار متجهة نحو الخليج ومضيق هرمز، فاجأها إعلان الدوحة حالة القوة القاهرة على شحنات الغاز المتجهة غرباً، مما فتح الباب أمام سيناريوهات بديلة كانت مهمشة لعقد كامل. على الفور، تحولت أنظار صناع القرار في روما وبروكسل نحو الضفة الجنوبية للمتوسط، حيث ليبيا التي تمتلك أكبر احتياطي نفطي في إفريقيا، لكنها ظلت تعاني من إرث الانقسام السياسي وتراجع البنية التحتية. الموقع المتخصص في الشؤون الإفريقية أشار إلى أن ليبيا باتت الخيار الأكثر إلحاحاً في معادلة أمن الطاقة، ليس فقط لجغرافيتها القريبة، بل لوجود بنية تحتية قائمة يمكن إعادة تشغيلها، مثل خط “التيار الأخضر” الرابط بين الساحل الليبي وصقلية، والذي قد يصبح شريان حياة جديداً للمواطن الأوروبي في شتاء مقبل يلوح في الأفق بتكاليف سياسية واقتصادية باهظة.

الغاز الليبي بين طموحات التعافي وتعقيدات التشغيل

المؤشرات الاقتصادية في طرابلس ترسم صورة مغايرة لواقع معقد. فقد أظهرت أرقام المؤسسة الوطنية للنفط قفزة نوعية في الإيرادات بنحو ثلاثين بالمئة، مدفوعة بارتفاع الأسعار العالمية، وسط خطط طموحة للوصول بإنتاج الغاز إلى مليار قدم مكعبة يومياً مع نهاية العقد الحالي. هذا التحسن النسبي في الأداء يعيد الثقة بشكل تدريجي لدى الشركاء الأوروبيين، غير أن الحديث عن بديل استراتيجي يعتمد على الغاز الليبي يواجه تحديات ميدانية تتمثل في هشاشة الوضع الأمني وتقادم المعدات. الوزير الإيطالي المسؤول عن ملف الطاقة أوضح أن الحديث عن استيراد كميات إضافية من ليبيا يظل رهناً بتوفر ظروف تقنية معينة، في إشارة غير مباشرة إلى ضرورة تدفق الاستثمارات وضمان استمرارية الإنتاج دون انقطاعات مفاجئة. هذا الوضع يضع السلطة الليبية في موقع تفاوضي أقوى، لكنه أيضاً يختبر قدرتها على تحويل الاهتمام الدولي المتزايد إلى عقود تشغيل طويلة الأجل تعيد للقطاع الحيوية التي فقدها خلال السنوات الماضية.

من سباق الغاز إلى حروب الماضي: استحضار ليبيا في واشنطن

بشكل لافت، لم يقتصر حضور ليبيا في النقاشات الدولية على ملف الطاقة فقط، بل استُحضرت كورقة في الجدل السياسي الأمريكي المحتدم حول حدود الصلاحيات الرئاسية في شن الحروب. رئيسة مجلس النواب السابقة استعادت تجربة العام 2011 في ليبيا كنموذج للتدخل “المحدود” الذي يحظى بشرعية دولية نسبية، في مقارنة واضحة مع العمليات العسكرية الأخيرة في المنطقة. هذا الاستحضار يعكس عمق الانقسام الأمريكي حول مفهوم الحرب والنفوذ، حيث تتحول ليبيا من دولة تعاني من ويلات التدخل السابق إلى سابقة قانونية وسياسية يستخدمها الفرقاء في واشنطن لتبرير مواقفهم أو نقدها. الجدل الدائر حول قانون صلاحيات الحرب يعيد فتح ملف العلاقة بين الكونغرس والسلطة التنفيذية، ويضع المنطقة العربية مجدداً في قلب الصراع السياسي الداخلي الأمريكي، وكأن مصير شعوبها لا يزال رهناً بموازين القوى في ممرات الكونغرس ومراكز الأبحاث بواشنطن.

البحر المتوسط: ساحة مفتوحة للتنسيق والتنافس

في الوقت الذي تبحث فيه أوروبا عن غاز ليبيا، لا تنسى أنها بحاجة ماسة أيضاً إلى تعاونها لضبط حدودها البحرية. زيارة قائد عملية “إيريني” الأوروبية إلى طرابلس في أول جولة له منذ توليه منصبه تؤكد أن ملف الهجرة غير النظامية يتصدر الأولويات الأمنية الأوروبية، ولا يقل أهمية عن ملف الطاقة. المباحثات مع الأركان العامة الليبية وقادة البحرية تناولت بشكل أساسي إعادة تفعيل آليات التنسيق في عمليات الإنقاذ ومراقبة المتوسط، في وقت تزداد فيه الضغوط الداخلية على الحكومات الأوروبية للحد من التدفقات. المفوض الأوروبي للهجرة كان واضحاً حينما أكد أن قطع التواصل مع ليبيا ليس مطروحاً، وهي رسالة ضمنية تعترف بأن الاستقرار النسبي على الساحل الليبي بات جزءاً لا يتجزأ من الأمن الداخلي الأوروبي. هذا الملف يشكل نقطة توازن حساسة، حيث تسعى أوروبا للحصول على تعاون أمني ليبي، في مقابل دعم سياسي واقتصادي قد يكون مفتاحاً لاستقرار طرابلس على المدى المنظور.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى