غير مصنف

إعادة ترتيب النفوذ في طرابلس: الدبيبة يستخدم التعديل الوزاري واللقاءات الرمضانية لتعزيز موقعه

ليبيا 24
الدبيبة يعيد رسم تحالفاته بغرب ليبيا عبر تعديل وزاري وموائد إفطار مع قادة الفصائل


في خطوة توصف بأنها الأوسع منذ توليه منصبه، أجرى عبد الحميد الدبيبة تعديلاً وزارياً على حكومته منتهية الولاية في طرابلس، تزامناً مع سلسلة لقاءات جمعته بقادة تشكيلات مسلحة وشخصيات سياسية ورؤساء مجالس اجتماعية على موائد الإفطار خلال شهر رمضان. مراقبون يرون في هذه التحركات محاولة مكثفة لترسيخ نفوذه في المنطقة الغربية ورسم خريطة تحالفات جديدة تعزز موقعه على حساب المؤسسات الشرعية.

فبينما تواجه ليبيا أزمة انسداد سياسي وتشظياً مؤسسياً، يتجه رئيس الحكومة منتهية الولاية إلى تعزيز قبضته على الغرب الليبي عبر مزيج من المكايدات السياسية والترتيبات الأمنية. التعديل الوزاري الذي طال عدة حقائب، إلى جانب اللقاءات المتواصلة مع قادة الفصائل المسلحة، يثير تساؤلات جوهرية حول مستقبل السلطة التنفيذية ومدى التزام طرابلس بالمسار التوافقي الذي ترعاه البعثة الأممية .

تغييرات وزارية وسط اتهامات بالانفراد

التعديل الوزاري الذي أُقر مؤخراً شمل تعيين وزراء جدد في قطاعات عدة بينها الصحة والاقتصاد والصناعة، إضافة إلى استحداث وزارة الدولة للاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي . ورغم حصول الخطوة على دعم المجلس الرئاسي والمجلس الأعلى للدولة، إلا أن مصادر سياسية تؤكد أن رئيس الحكومة لم يتشاور بشكل كافٍ مع شركائه في المجلس الرئاسي، ما دفع رئيس المجلس محمد المنفي إلى إبداء تحفظاته الأولى على التعديل، قبل التراجع عنها لاحقاً .

ويرى متابعون أن هذه التغييرات تأتي في إطار محاولة الدبيبة امتصاص الغضب الشعبي الناتج عن تردي الأوضاع المعيشية وارتفاع الأسعار، إلى جانب إعادة ترتيب شبكة الدعم السياسي داخل العاصمة والمنطقة الغربية . المحلل السياسي خالد الحجازي يصف هذه التحركات بأنها “تحالف تكتيكي بين القوى الثلاث (الحكومة منتهية الولاية والمجلس الرئاسي والأعلى للدولة) مرتبط بمتغيرات اللحظة وضروراتها”، خاصة مع تزايد الحديث عن ضغوط دولية لتشكيل حكومة موحدة .

موائد الإفطار: مناسبة لترسيخ التحالفات أم شراء الذمم؟

في توقيت متزامن مع التعديل الوزاري، كثف الدبيبة لقاءاته مع قادة التشكيلات المسلحة وشخصيات قبلية في المنطقة الغربية، مستغلاً أجواء شهر رمضان لعقد موائد إفطار جماعية ضمت العشرات من القيادات الأمنية والاجتماعية.

هذه اللقاءات يراها رئيس المنظمة الليبية للتنمية السياسية جمال الفلاح “خطوات ضرورية لتصفير الخلافات الداخلية بمناطق نفوذ حكومته، ولإنهاء التوترات التي واجهتها في الأشهر الماضية” ويتوقع الفلاح أن تكون الخطوة المقبلة “هي العمل على دمج قادة هذه المجموعات في مؤسسات الدولة الأمنية والعسكرية عبر مناصب وازنة، أو دفعهم نحو العمل السياسي” .

لكن قراءة مغايرة يقدمها معارضو الدبيبة، الذين يرون في هذه التحركات استمراراً لمنهج “شراء الذمم” وتكريس سيطرة الفصائل المسلحة على مفاصل الدولة. فدمج هذه التشكيلات في المؤسسات الرسمية، دون ضوابط واضحة، يعني إضفاء الشرعية على نفوذها وتحويلها إلى قوى ضغط داخل الأجهزة الحكومية، بدلاً من تفكيكها وإخضاعها لسيادة القانون .

خلافات مع المنفي وتوتر في العلاقة مع المؤسسات

ما يزيد المشهد تعقيداً هو بروز خلافات بين الدبيبة ورئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي حول آلية إجراء التعديل الوزاري. المنفي الذي عبر في البداية عن تحفظه على ما وصفه بـ”تجاوز الإطار الدستوري”، عاد ليبارك التعديل لاحقاً، في انعكاس واضح لطبيعة التناقضات التي تحيط بالتوازنات السياسية المتغيرة داخل مؤسسات السلطة في طرابلس .

هذا التذبذب في المواقف يؤكد، بحسب مراقبين، أن العلاقة بين المؤسسات الثلاث تخضع لحسابات ضيقة لتقاسم النفوذ والمكاسب، بعيداً عن أي رؤية وطنية شاملة. المحلل عاطف الحاسية يذهب إلى أبعد من ذلك، معتبراً أن هذه التحركات تمثل “رسالة واضحة وصريحة مفادها الاستمرار في السلطة بغض النظر عن الاتفاقات السياسية أو الجهود التي تبذلها الأمم المتحدة” .

قراءة في المشهد: تعميق الانقسام أم إدارة الأزمة؟

ويرى الباحث في الشأن الليبي أن ما يجري في طرابلس يعيد إنتاج نمط الحكم القائم على المحاصصة وتوزيع المغانم، وهو النمط الذي بات سمة لصيقة بالمرحلة الانتقالية منذ عقد من الزمن. رئيس المنظمة الليبية للتنمية السياسية يقر بهذا الواقع، مشيراً إلى أن “منطق التوازنات والترضيات والمحاصصة بات منهجاً متعارفاً عليه في شغل الوظائف العليا -مع الأسف- خلال العقد الأخير” .

في المحصلة، تبدو ليبيا أمام مرحلة جديدة من إعادة ترتيب الأوراق داخل الغرب الليبي، لكن هذه المرة تحت غطاء رمضاني يخفي طموحات سياسية واضحة للدبيبة، وسط غياب أي أفق حقيقي لتوحيد المؤسسات أو إجراء الانتخابات. التعديل الوزاري واللقاءات مع الفصائل المسلحة يؤكدان أن رئيس الحكومة منتهية الولاية يختار طريق تعزيز نفوذه الذاتي، على حساب أي مشروع وطني شامل قادر على انتشال البلاد من أزمتها الممتدة.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى