أخبار العالمدولىليبيا

تفكيك شبكة هجرة بتمويل سوري واستثمار أموال الضحايا بعقارات

مهربون يدسون مهاجرين بطاقم سفينة مواشي لعبور المتوسط

ليبيا 24
تفكيك شبكة هجرة بتمويل سوري واستثمار أموال الضحايا بعقارات

مشهد بحري مخادع قبالة سواحل فرنسا

على رصيف ميناء سيت الهادئ في جنوب فرنسا، لم يكن مشهد الرجال وهم ينزلون من سفينة الشحن “أناكين” لافتا للانتباه. كانوا يرتدون الزي البحري الأزرق، ويحملون جوازات سفر، ويبدون كأي بحارة قادمين من رحلة اعتيادية. لكن خلف هذه الواجهة البحرية المحايدة، كانت تختبئ إحدى أكثر حيل التهريب ابتكارا التي شهدها البحر الأبيض المتوسط في السنوات الأخيرة.

ففي عملية وصفت بـ”غير المسبوقة”، لم يستخدم المهربون قوارب الموت المطاطية ولا الشاحنات المغلقة. هذه المرة، كانت السفينة التي تحمل على متنها المواشي هي قارب النجاة لعشرين مهاجرا، بينما كان الزي الرسمي هو جواز المرور إلى أوروبا.

ورشة لتصليح السيارات تقود لتفكيك شبكة عابرة للقارات

التحريات التي قادها مكتب مكافحة تهريب المهاجرين الفرنسي (أولتيم) بدأت من ورشة متواضعة لتصليح هياكل السيارات في مدينة مونبلييه. هناك، كان رجل سوري في الأربعينيات من عمره، يقيم في فرنسا منذ عشر سنوات ويتمتع بصفة لاجئ سياسي، يدير أعماله النهارية. لكن عمله الليلي كان أكثر ربحية وتعقيدا.

الرجل، الذي يمثل أمام محكمة الاستئناف في مونبلييه هذا الأسبوع، يشتبه في كونه العقل المدبر لخلية تهريب اعتمدت على سفينة لنقل المواشي تعبر البحر الأبيض المتوسط. فبدلا من إخفاء المهاجرين في عنابر مظلمة، قامت الشبكة بتحويلهم رسميا إلى جزء من طاقم السفينة، وزودتهم بجوازات سفر مزورة وأزياء بحرية، ليعبروا من ليبيا وسوريا وصولا إلى قلب فرنسا.

ثمن الحلم 22 ألف يورو… والطيور تحط في ألمانيا

لم تكن الرحلة رخيصة الثمن. فلكل مهاجر دفع ما يقرب من 22 ألف يورو ليصبح “بحارا” على متن السفينة التي ترفع العلم التوغولي. وبمجرد الوصول إلى ميناء سيت في مقاطعة هيرولت، كان المتهم الرئيسي يستقبل “الطيور” – وهو الاسم الرمزي الذي أطلقه المهربون على المهاجرين في اتصالاتهم الهاتفية التي رصدها المحققون – ليتولى بعدها ترتيبات إيوائهم وتوزيعهم.

بعض هؤلاء المهاجرين واصلوا رحلتهم إلى مدينة ميلوز شرق فرنسا، حيث تم رصد خلية أخرى من الشبكة، ليعبروا بعدها الحدود إلى ألمانيا. وبذلك تكون هذه العصابة قد أسست جسرا بحريا غير تقليدي يصل سواحل جنوب المتوسط بقلب أوروبا، مرورا بميناء فرنسي لم يكن يوما معتادا على وصول مهاجرين سوريين أو جزائريين بزي البحارة.

استثمار الأموال وشاليه في سوريا

تكشف التحقيقات المالية جانبا إنسانيا معقدا للمتهم السوري. فمن جهة، يدعي الرجل أنه بدأ هذه التجارة المحظورة “لمساعدة عائلته ماليا”. ومن جهة أخرى، أظهرت التحويلات المالية حجم أرباح هذه التجارة. فقد قام المتهم، وفق الصحيفة المحلية، بشراء شاليه بقيمة 25 ألف دولار في سوريا، إضافة إلى شقتين ومحلات تجارية، من بينها صالون حلاقة لابنه.

محامي الدفاع حاول التخفيف من دور موكله أمام هيئة المحكمة، مؤكدا أن “هناك أشخاصا أعلى منه رتبة لم يُقبض عليهم بعد”، مما يشير إلى أن الشبكة قد تكون أكبر وأكثر تشعبا مما تم كشفه حتى الآن.

سفينة “أناكين” على القائمة السوداء

لم يقتصر تأثير القضية على المتهمين فقط. فسفينة الشحن “أناكين” التي كانت تنقل المهاجرين تحت ستار طاقم بحري، باتت الآن ممنوعة من الرسو في أي ميناء أوروبي بعد إدراجها على القائمة السوداء. كما أن التحقيقات توسعت لتشمل شبهات بتهريب المخدرات، مستغلة قطعة أرض يملكها المتهم في منطقة “فيك-لا-غارديول” لتسهيل تلك العمليات، وهو ما ينفيه الرجل بشدة.

مشهد مواز… تفكيك شبكة البلقان العملاقة

وفي تطور متزامن يعكس حجم التحدي الأمني الذي تواجهه أوروبا، أعلنت السلطات النمساوية هذا الأسبوع عن تفكيك واحدة من “أكثر الشبكات نشاطا” على طريق البلقان. العملية الأوروبية الواسعة، التي أسفرت عن اعتقال أكثر من 130 شخصا منذ عام 2023، كشفت عن منظمة إجرامية محترفة تنقل مهاجرين من تركيا إلى ألمانيا.

المعتقلون، وهم من جنسيات مولدوفية ورومانية وجورجية وأوكرانية، كانوا يستخدمون وسائل التواصل الاجتماعي لتجنيد عناصر جديدة. وحجم هذه الشبكة كان هائلا، حيث يُعتقد أنها تمكنت من تهريب أكثر من مئة ألف شخص خلال عامين فقط، محققة عائدات تجاوزت المليار يورو. وزير الداخلية النمساوي وصف العملية بأنها “ضربة قوية” لإحدى أخطر منظمات الاتجار بالبشر في جنوب شرق القارة.

بين الضربة القاضية والإفلات من العقاب

في ميناء سيت، يبقى مصير المتهم السوري معلقا بقرار المحكمة في السابع عشر من آذار الحالي، حيث يطلب إطلاق سراحه بعد سبعة أشهر من الاحتجاز. لكن في كلتا الحالتين، كشفت هذه القضية عن تطور خطير في أساليب التهريب: لم يعد المهربون يحتاجون لاختراق الحدود، بل يكفيهم أن يجعلوا المهاجرين يبدون وكأنهم يعبرونها بشكل شرعي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى