ليبيا

ليبيا بين مطرقة التضخم وسندان الركود: موسم عيد بلا بهجة

غلاء المعيشة وأزمة السيولة يدفعان الليبيين إلى موسم عيد عسير

ليبيا 24

الركود التضخمي يخنق أسواق ليبيا مع تراجع القدرة الشرائية للمواطنين

في مشهد يعكس واقعاً اقتصادياً مركباً، تتجه أسواق الملابس في ليبيا نحو موسم تجاري هو الأكثر غرابة في السنوات الأخيرة. فبينما تتراقى أضواء المحال التجارية استعداداً لاستقبال عيد الفطر، يخيم على المشهد ثنائي متناقض: ارتفاع جنوني في الأسعار، وكساد غير مسبوق في الحركة الشرائية. إنها معادلة “الركود التضخمي” التي تفرض نفسها بقوة، معيدة تشكيل سلوك المستهلك والتاجر على حد سواء، في ظل أزمة هيكلية تضرب جذور الاقتصاد الوطني.

القدرة الشرائية تذوب تحت وطأة الأسعار

لم تعد المعاناة مقتصرة على فئة دون أخرى، بل تحولت إلى هم يومي يمس شريحة واسعة من الليبيين، خصوصاً الأسر الكبيرة التي تجد نفسها عاجزة عن تلبية أبسط متطلبات العيد. ففي جولة ميدانية داخل أحد الأسواق التجارية بالعاصمة طرابلس، وقف رب أسرة لسبعة أطفال يتأمل أسعار البدلات المعلقة، حيث يتراوح سعر البدلة الواحدة بين 350 و500 دينار، بينما لا يتجاوز راتبه الشهري ألفي دينار. هذه الأرقام، كما يصفها مراقبون، لم تعد تعكس فقط أزمة غلاء، بل تحولاً في مفهوم “الرفاهية” الموسمية إلى “عبء” لا يمكن تحمله.

ويشهد القطاع تبايناً لافتاً في مستويات الأسعار، فبينما تصل أسعار البدلات الجيدة للرجال إلى نحو 850 ديناراً، ويقترب سعر الزي الليبي التقليدي من الألف، قفزت أسعار الأحذية إلى أرقام قياسية، حيث يبلغ سعر الحذاء الواحد 350 ديناراً في بعض المحال، وهو ما يعادل أكثر من 10% من متوسط دخل الموظف الحكومي.

ازدواجية الأسعار وعمليات الدفع تعمق الأزمة

في تعقيد إضافي للمشهد، برزت إشكالية ازدواجية الأسعار بين الدفع النقدي والإلكتروني، لتتحول إلى عقبة إضافية أمام المستهلكين في ظل أزمة سيولة خانقة. ويؤكد متعاملون في السوق أن معظم العروض والتخفيضات التي يقدمها التجار لتصريف البضائع الراكدة، لا تشمل إلا المشتريات النقدية “الكاش”، بينما تُحتسب المشتريات عبر البطاقات المصرفية وفق الأسعار الأصلية المرتفعة.

ويعكس هذا الواقع تشوهاً في آليات التسعير، حيث يجد المواطن نفسه أمام خيارين مستحيلين: إما دفع مبالغ طائلة عبر البطاقة، أو البحث عن سيولة نقدية لا تكاد توجد، وسط تقارير متواترة عن عجز المصارف عن تلبية احتياجات المودعين رغم صرف الرواتب. أحد المواطنين، وهو أب لثمانية أبناء، روى قصته من داخل مصرف حكومي، حيث خرج خالي الوفاض بعد محاولة فاشلة لسحب 1500 دينار من حسابه، متسائلاً في حسرة: “كيف يمكنني شراء ملابس لأطفالي نقداً في ظل هذه الظروف؟”.

تضخم مستورد وسوق صرف موازٍ يعيدان تشكيل السوق

يرى المحللون أن جذور هذه الأزمة تتجاوز الموسمية، لتعود إلى بنية اقتصادية هشة ترتهن بالاستيراد من الخارج، وتتأثر بالاضطرابات الإقليمية. فليبيا، التي تعتمد على الخارج في توفير غالبية السلع الاستهلاكية بما فيها الملابس، باتت مرآة عاكسة لأي تقلبات في سلاسل الإمداد العالمية. ووفق تقديرات متعاملين في القطاع، فقد سجلت أسعار الملابس الجاهزة ارتفاعاً تراوح بين 47 و49% خلال الفترة الماضية، متأثرة بزيادة تكاليف الشحن والتأمين والنقل، في ظل التوترات الدولية المستمرة.

لكن العامل الأكثر تأثيراً، كما يوضح خبراء الاقتصاد، يتمثل في استمرار اختلال سوق الصرف. فالفجوة التي تصل إلى نحو 50% بين سعر الصرف الرسمي والموازي، تضع المستوردين أمام معادلة صعبة، تجعلهم يسعرون بضائعهم وفقاً للسعر الفعلي الأعلى، وهو ما ينعكس مباشرة على الأسعار النهائية للمستهلك. هذه المعادلة تخلق حلقة مفرغة، حيث يتحمل المواطن تكلفة استيراد تضاف إليها أعباء المضاربة على العملة.

أرقام رسمية وتوقعات قاتمة

رغم أن بيانات مصرف ليبيا المركزي أظهرت تراجعاً في معدل التضخم السنوي إلى نحو 1.8% خلال عام 2025، مع تسجيل مؤشر الأسعار العام متوسطاً قدره 103.0 نقاط، إلا أن هذه الأرقام تخفي تفاصيل أكثر قتامة على المستوى القطاعي. ويشير المسار التصاعدي التدريجي للتضخم خلال العام، من 1.1% في يناير إلى 2.8% في فبراير، إلى ضغوط تضخمية متصاعدة، تتزامن مع توقعات بارتفاع النسبة خلال العام الحالي نتيجة انعكاسات التوترات الإقليمية.

وتحذر تقديرات محللين من أن استمرار هذه العوامل قد يقود إلى تعميق حالة “الركود التضخمي”، وهو وضع اقتصادي صعب يجمع بين ارتفاع الأسعار وانكماش النشاط التجاري، مما يجعل الأدوات التقليدية للإنعاش غير مجدية. فالتجار الذين لجأوا إلى تخفيضات على البضائع الراكدة في محاولة لتحريك الطلب، لم يحققوا نتائج ملموسة، في مؤشر على أن الأزمة باتت هيكلية لا تحلها العروض الموسمية.

ملامح عيد بلا بهجة

في الأزقة والشوارع، تبدو ملامح العيد هذا العام مختلفة. فبدلاً من الزحام المعتاد، تسود حالة من الترقب الحزين، حيث يكتفي كثير من الأسر بشراء قطعة واحدة أو اثنتين، أو تأجيل الشراء إلى آخر لحظة على أمل هبوط الأسعار. الشباب الذين اعتادوا على تجديد خزائنهم بالكامل، باتوا يفضلون اقتناء حذاء جديد فقط، بينما تتحدث الأمهات في جلساتهن عن حيل لتوفير المال، وعن كيفية إرضاء الأطفال ببدائل أقل تكلفة.

المشهد الاقتصادي في ليبيا اليوم يطرح أسئلة أكبر حول قدرة السياسات النقدية والمالية على احتواء هذه الضغوط، وحول ضرورة تنويع مصادر الإمداد، وتقليل الاعتماد على الاستيراد في السلع الأساسية. لكن الأكيد أن الموسم التجاري الحالي سيبقى شاهدا على مرحلة صعبة، حيث تحولت فرحة العيد إلى عبء ثقيل على كاهل الأسر الليبية، في ظل تضخم مستورد، وسيولة نادرة، وأسواق تئن تحت وطأة الركود.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى