في الوقت بدل الضائع.. قراءة في مشهد المنفي بمدرجات “البرنابيو” بين غياب الدولة وهشاشة المشروعية
المنفي في مدرجات مدريد.. وطرابلس تحترق تحت أقدام الغائبين
ليبيا 24
المنفي يتابع الكرة الإسبانية وسط صمت رهيب عن جراح الوطن المشتعل
في الوقت بدل الضائع.. قراءة في مشهد المنفي بمدرجات “البرنابيو” بين غياب الدولة وهشاشة المشروعية
طرابلس تشهد انقساما حادا بين واقع الاشتعال الأمني والخدمي وصور الاحتفاء الرئاسي في الخارج
في الوقت الذي تكافح فيه أسر ليبية في مدن متفرقة للحصول على جرعة دواء من عيادة مهترئة، أو تنتظر ساعات أمام مصارف شبه معطلة للحصول على سيولة تكفي يوما واحدا، كان رئيس المجلس الرئاسي، محمد المنفي، يتخذ موقعا متميزا في المنصة الرسمية لملعب “سانتياغو برنابيو” بالعاصمة الإسبانية مدريد، لمتابعة مباراة الديربي بين قطبي المدينة.
المشهد، الذي تداوله نشطاء على نطاق واسع، لم يكن مجرد صورة عابرة لمسؤول في منصة شرفية، بل تحول – في قراءة المتخصصين والمراقبين للشأن الليبي – إلى أيقونة تعبر عن حالة التباعد بين مؤسسات المجلس الرئاسي وهموم المواطن الليبي، وسط غياب أي خطاب رسمي يبرر هذا التوقيت أو يقدم رؤية موازية لأولويات المرحلة.
رحلة المنصة بدل المنصة
يظهر في الصور والمقاطع المتداولة رئيس المجلس الرئاسي إلى جوار رئيس نادي ريال مدريد، فلورنتينو بيريز، وهو يتسلم قميصا للنادي يحمل اسمه، في لفتة وُصفت بأنها “بروتوكولية” بطبيعتها، لكنها حملت في سياقها المحلي دلالات أكثر إيلاما من كونها مجرد زيارة عابرة.
ففي الوقت الذي يفترض أن يكون فيه رئيس المجلس الرئاسي – بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة بحسب الإعلان الدستوري – على اطلاع دقيق على انفلات أمني تشهده عدة مدن، أو متابعا لأزمة سيولة خانقة تهدد السلم الاجتماعي، أو حتى مشاركا في اجتماعات حكومية لبحث ملفات الكهرباء والدعم والصحة، كان جالسا في مدرجات ملعب يبعد آلاف الكيلومترات عن حدود الوطن.
المراقبون للشأن السياسي الليبي يرون في هذا التوقيت تحديدا أكثر من مجرد مصادفة. فالأيام التي تلت عيد الفطر المبارك شهدت تصاعدا في الاحتقان الشعبي في عدة مناطق، مع عودة الحديث عن تقصير حاد في الخدمات الأساسية، فضلا عن تجدد الخلافات بين المؤسسات التنفيذية حول ملفات السيادة والموازنة.
ثنائية “الوطن والكاميرا”
المشكلة – بحسب محللين – لا تكمن في أن مسؤولا ليبيًا يحضر مباراة كرة قدم في الخارج، فهذه ممارسة قد تحدث في سياقاتها الطبيعية. لكن الإشكالية تكمن في أن هذا الحضور جاء متزامنا مع لحظة اشتعال داخلي، وفي غياب أي إنجاز ملموس على صعيد توحيد المؤسسة العسكرية أو تقديم رؤية واضحة لإنهاء الانسداد السياسي.
كما أن طريقة الترويج لهذا الحضور، سواء من خلال الصور التي تم تداولها أو التعليقات التي صاحبتها، حملت نبرة احتفالية غير متناسبة مع الحالة الوطنية التي تعيشها ليبيا. فبدا الأمر وكأن الأولوية هي الظهور بجانب شخصيات رياضية عالمية، وليس الجلوس على طاولة الحوار مع الأطراف الليبية المختلفة لدفع المسار السياسي إلى الأمام.
هنا يبرز سؤال أساسي تطرحه الأوساط السياسية والشعبية: هل أصبح تمثيل ليبيا في المنصات الرياضية الأجنبية بديلا عن تمثيلها في المحافل السياسية الجادة التي تبحث عن حلول للأزمة؟
موجة استهجان محلية وقراءات متباينة
أثار ظهور المنفي في “البرنابيو” موجة استهجان واسعة على منصات التواصل الاجتماعي الليبية، حيث اعتبر مغردون أن المشهد “يعكس انفصالا تاما عن معاناة المواطن”، في حين رأى آخرون أن الأمر “فضيحة سياسية بامتياز” في ظل غياب الحد الأدنى من الحضور الرئاسي داخل ليبيا نفسها.
لم تقتصر الانتقادات على النشطاء فقط، بل امتدت إلى أوساط سياسية وقانونية وصفت ما حدث بأنه “إهدار للهيبة الرمزية للمنصب الرئاسي”، خاصة في مرحلة تعاني فيها مؤسسات الدولة من أزمة ثقة مجتمعية حادة.
في المقابل، حاول فريق ممن ينتمون للتيار الموالي للمجلس الرئاسي تبرير الزيارة بأنها “نشاط بروتوكولي عادي” و”فرصة للتواصل مع شخصيات دولية مؤثرة”، إلا أن هذه التبريرات لم تنجح في طمأنة الرأي العام، الذي بات يرى أن الأولويات التي يدير بها رئيس المجلس الرئاسي وقته وحركته الخارجية لا تعكس حجم الأزمات المتراكمة على الأرض.
دولة بلا خطاب.. وشعب ينتظر البديل
ما يجعل المشهد أكثر تعقيدا هو أن المجلس الرئاسي، منذ تشكيله في إطار ملتقى الحوار السياسي الليبي، ظل يعاني من هشاشة في بنيته المؤسسية وتباين في أداء أعضائه، دون أن ينجح في تقديم خطاب وطني موحد أو خارطة طريق واضحة تنهي حالة الانقسام بين الشرق والغرب.
وفي ظل هذا الفراغ السياسي والخدمي، تتحول صور كهذه إلى وقود إضافي لحركات احتجاجية متنامية، وإلى مادة دسمة لمن يعتبرون أن المشروعية التي يحملها المجلس الرئاسي قد استنفدت غاياتها، ولم تعد قادرة على تقديم نموذج حكم يليق بتضحيات الليبيين.
المواطن الليبي، الذي دفع أثمانا باهظة خلال سنوات الانقسام والحروب، يبحث اليوم عن قيادة تضع مصلحة الوطن فوق أي اعتبارات شخصية أو حسابات انتخابية مستقبلية. ويريد أن يرى رئيس المجلس الرئاسي في مواقع المسؤولية الحقيقية: في غرفة العمليات الأمنية، أو في مستشفى ميداني، أو في جلسات حوار مع المجالس البلدية، لا في مدرجات ملاعب كرة القدم في لحظة احتراق المدن.
خلاصة: من يضع الوطن في الوقت بدل الضائع؟
يبقى السؤال المطروح بقوة: هل كان رئيس المجلس الرئاسي يدرك أن صوره من “البرنابيو” ستصل إلى الليبيين الذين يعانون انقطاع التيار الكهربائي لساعات طويلة، ويدفعون أموالا طائلة للحصول على تذكرة سفر للعلاج بالخارج، وينتظرون في طوابير الخبز والسيولة النقدية؟
إذا كانت الإجابة بنعم، فإن الرسالة التي حملتها تلك الصور كانت واضحة: هناك انفصال بين من يديرون مؤسسات المرحلة الانتقالية وبين هموم الناس الحقيقية. وإن كانت الإجابة بلا، فإن المشكلة أكبر من مجرد خطأ تقديري، لأنها تعني أن أجهزة الإعلام والتواصل داخل المجلس الرئاسي لا تقدم صورة حقيقية عن حجم المعاناة اليومية للمواطنين.
في كل الأحوال، يبقى الوطن هو الخاسر الأكبر في معادلة “الوقت بدل الضائع” هذه. فبينما تحترق المدن، ويبحث الناس عن دواء وأمان، يبدو أن بعض المسؤولين ما زالوا يعتقدون أن الصورة مع بيريز في المدرجات يمكن أن تكون بديلا عن حل الأزمات، أو أن الاحتفاء الرياضي يمكن أن يغطي على غياب الإنجاز السياسي.
ولن يستعيد ليبيا ثقته في مؤسساته إلا عندما يشعر أن كل دقيقة من وقت المسؤولين تساوي دقيقة من معاناة المواطنين، وأن المنصة الرئاسية الحقيقية هي منصة مواجهة التحديات، لا منصة متابعة المباريات.



