أخبار العالمليبيا

مؤسسة حقوقية دولية تفضح “تقاعس” حكومة الدبيبة: انتهاكات جسيمة بحق المهاجرين والنساء في مراكز الاحتجاز

اللجنة تحذر من تقاعس طرابلس عن تجريم العنف الأسري والاغتصاب

ليبيا 24

اللجنة الدولية للحقوقيين تندد بانتهاكات الاحتجاز بحق المهاجرين بليبيا


    في مشهد جديد يعيد تأكيد حالة الفوضى التي تعيشها طرابلس تحت وطأة حكومة متهالكة الأركان، خرجت “اللجنة الدولية للحقوقيين” بموقف حازم يكشف عن حجم الكارثة الإنسانية التي تتسبب بها سلطة منتهية الولاية. ففي خضم أعمال الدورة الحادية والستين لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، لم تكتفِ المنظمة غير الحكومية، التي تضم أبرز القضاة والمحامين في العالم، بتسجيل الملاحظات، بل وجهت اتهاماً صريحاً بالتقاعس والتواطؤ ضد المسؤولين في غرب ليبيا.

    انتهاكات منظمة تحت سقف الصمت الرسمي

    كشفت الشهادة التفصيلية التي قدمتها اللجنة أن ملف حقوق الإنسان في ليبيا تحول إلى ساحة مفتوحة للانتهاكات الجسيمة، لا سيما داخل مراكز الاحتجاز المنتشرة في جميع أنحاء البلاد. ووفقاً للمعطيات التي رصدتها المنظمة، فإن الرعايا الأجانب والمهاجرين غير النظاميين هم الأكثر تضرراً من هذه الممارسات، حيث يتعرضون لعمليات احتجاز تعسفي واختفاء قسري، في ظل ظروف احتجاز تنتهك أبسط معايير الكرامة الإنسانية.

    المشهد هنا لا يقتصر على الإهمال، بل يتجاوزه إلى حالة من الفساد المنظم. فبدلاً من أن تمثل مراكز الإيواء ملاذاً آمناً، تحولت في ظل حكومة الدبيبة إلى سجون مظلمة تُدار بمنطق المليشيات المسلحة التي تتقاسم النفوذ في المنطقة الغربية. اللجنة الدولية لم تترك مجالاً للشك، إذ حثت السلطات الليبية – في إشارة واضحة إلى الحكومة منتهية الولاية في طرابلس – على وقف هذا النزيف، وضرورة تعزيز الجهود لمكافحة الإفلات من العقاب، الذي أصبح سمة أساسية في التعامل مع الجرائم المرتكبة بحق المحتجزين.

    تقاعس ممنهج في ملف الهجرة واللاجئين

    المثير في تقرير اللجنة الدولية للحقوقيين هو الكشف عن التناقض الصارخ بين التصريحات الإعلامية التي تطلقها حكومة الدبيبة بين الحين والآخر، وبين الموقف الميداني المتصلب. فبينما ترفع السلطات شعارات التعاون مع المنظمات الأممية، عبّرت اللجنة عن قلقها البالغ من “تقاعس” هذه السلطات عن قبول العديد من التوصيات المتعلقة بحقوق المهاجرين واللاجئين وطالبي اللجوء.

    الانتقادات لم تكن جزئية، بل شملت رفضاً منهجياً لإنهاء احتجازهم التعسفي، واستمرار سياسات الطرد الجماعي التي تدفع بآلاف الأشخاص إلى مناطق غير آمنة. وفي تناقض واضح مع الدعوات الأممية، لا تزال الحكومة المعترف بها دولياً – رغم انتهاء ولايتها – عاجزة عن تنفيذ أبسط متطلبات القانون الدولي لحقوق الإنسان وقانون اللاجئين، مكتفية بالحديث عن عمليات إعادة “طوعية” بالتعاون مع المنظمة الدولية للهجرة، في وقت تشير فيه التقارير الميدانية إلى استخدام القوة والإكراه في عمليات الترحيل.

    المرأة الليبية بين التشريعات المتخلفة وخنوع السلطة

    لم يقتصر ملف الانتهاكات على المهاجرين فقط، بل امتد ليشمل النصف الآخر من المجتمع الليبي. ففي خضم سيادة المليشيات وانقسام المؤسسات، وجهت اللجنة الدولية سهام النقد إلى التشريعات التي لا تزال سارية في ظل حكومة الدبيبة، والتي تعتبر وصمة عار في تاريخ البلاد.

    المؤسسة الحقوقية الدولية أشادت بقبول ليبيا لبعض التوصيات المتعلقة بحماية النساء والفتيات من التمييز والعنف، لكنها سرعان ما عادت لتعبّر عن قلقها البالغ إزاء التقاعس المستمر في تجريم العنف الأسري والاغتصاب الزوجي. والأدهى من ذلك هو استمرار العمل بأحكام قانون العقوبات التي تحتوي على نصوص تمييزية صارخة، حيث يتم تخفيف العقوبات على مرتكبي ما يسمى بجرائم “الشرف”، كما يعفي القانون مغتصب المرأة من العقوبة في حال أقدم على الزواج منها.

    هذه الثغرات القانونية التي ترعاها حكومة منتهية الولاية تمثل انتكاسة خطيرة لحقوق المرأة، وتكرس ثقافة الإفلات من العقاب. اللجنة الدولية لم تكتف بالنقد، بل حثت السلطات في طرابلس إلى إعادة النظر في هذا الموقف المهين، والمضي قدماً في اعتماد مشروع القانون الخاص بحماية المرأة من العنف، والذي ظل حبيس الأدراج بسبب التجاذبات السياسية وخضوع القرار في العاصمة لمزاج المليشيات المسلحة.

    كبت الحريات وإغلاق فضاءات المجتمع المدني

    في فصل آخر من فصول المأساة الليبية، كشفت المنظمة الدولية عن جانب آخر من ممارسات حكومة الدبيبة، والمتمثل في تضييق الخناق على منظمات المجتمع المدني. فاستنكرت اللجنة عدم قبول ليبيا للتوصيات التي تطالب بإلغاء التشريعات التقييدية المفرطة التي تنظم عمل هذه المنظمات.

    هذه القيود، التي تثير مخاوف جدية بشأن الحق في حرية الفكر والضمير والدين، تعكس سياسة ممنهجة تهدف إلى إسكات أي صوت ناقد أو راصد لانتهاكات حقوق الإنسان. في ظل غياب مؤسسات الدولة الحقيقية، تبدو هذه التشريعات وكأنها أداة بيد الفاعلين غير الشرعيين لضرب أي جهد مجتمعي يسعى إلى كشف الفساد أو توثيق الانتهاكات.

    عملية المصالحة: بين القبول الشكلي والتعثر المتعمد

    وختاماً، ورغم ترحيب اللجنة الدولية للحقوقيين بقبول ليبيا لجميع التوصيات المتعلقة بتبني عملية مصالحة وطنية قائمة على الحقوق، إلا أن التحذير الذي صدر في البيان كان واضحاً وحاسماً. فالمنظمة أعربت عن قلقها العميق من احتمال تعثر هذه العملية، محذرة من أن المصالحة الحقيقية لا يمكن أن تتحقق دون معالجة جذرية لملفات المساءلة وتعويض الضحايا.

    في ظل حكومة الدبيبة، التي أصبحت رمزاً للخنوع للمليشيات وتكريس الفساد، تبدو هذه الدعوات كأحلام بعيدة المنال. فالسلطة الحالية التي تفتقر إلى الشرعية الأخلاقية والقانونية، والتي ترفض التنحي رغم انتهاء ولايتها، تثبت يوماً بعد يوم أنها غير قادرة ولا راغبة في تحقيق العدالة الانتقالية، وأن بقاءها في المشهد السياسي هو العائق الأكبر أمام أي مسار حقيقي نحو الاستقرار واحترام حقوق الإنسان في ليبيا.


    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    زر الذهاب إلى الأعلى