أسعار الأسمدة في ليبيا ترتفع.. ومضيق هرمز الملتهب يهدد الغذاء
ليبيا تواجه موجة تضخمية جديدة تنطلق من الخليج
ليبيا 24
عندما يهتز مضيق هرمز ترتجف أسواق ليبيا
الزراعة الليبية في قبضة التوترات العالمية
في مشهد يعيد إنتاج التبعية القاسية للاقتصادات الهشة، وجدت ليبيا نفسها مرة أخرى على خط النار من أزمة لا علاقة لها بها. فالارتفاع المتسارع في أسعار الأسمدة خلال الأسابيع الماضية لم يكن وليد عجز محلي أو شح في الإنتاج، بل جاء كصدى مباشر لما يشهده مضيق هرمز من توترات متصاعدة. ذلك الممر المائي الذي يمر منه نحو ثلث تجارة الأسمدة النيتروجينية في العالم، تحول إلى عقدة خانقة في شرايين الإمداد، لتتحمل أسواق ليبيا وزر ذلك عبر قفزات قياسية في التكاليف.
قفزات متتالية في الأسعار العالمية تنعكس محلياً
شهدت الأسواق العالمية خلال الأسابيع الأخيرة ارتفاعاً حاداً في أسعار الأسمدة، حيث قفزت أسعار اليوريا من 470 دولاراً للطن إلى 580 دولاراً، مسجلة زيادة تراوحت بين الربع والنصف تقريباً. كما طالت الزيادات الأسمدة المركبة التي ارتفعت أسعارها بنسب تراوحت بين 25 و40 في المئة منذ مطلع العام. وهذه الأرقام التي تداولتها تقارير دولية، سرعان ما تحولت إلى واقع ملموس في الموانئ الليبية، حيث تصل الشحنات بتكاليف استيراد وتأمين متزايدة.
ويوضح مدير مركز أويا للدراسات الاقتصادية، أحمد أبولسين، أن سوق الأسمدة مرتبطة عضوياً بأسعار الغاز الطبيعي، وأن دول الخليج بوصفها مركزاً رئيسياً للإنتاج تساهم بنحو نصف صادرات اليوريا عالمياً. لذا، فإن أي اضطراب في تلك المنطقة يترجم فوراً إلى ارتفاع في التكلفة النهائية التي تصل إلى المزارع الليبي.
معادلة محلية تعقّد المشهد وتضاعف الخسائر
لكن تداعيات الأزمة لم تتوقف عند حدود ارتفاع فاتورة الاستيراد، بل تعمقت بتفاعلها مع عوامل محلية هيكلية. فانخفاض القوة الشرائية للدينار الليبي وتأثيرات سعر الصرف جعلا من الزيادة العالمية قفزة مضاعفة في الداخل. ويشير أبولسين إلى أن ارتفاع أسعار الأسمدة الذي تجاوز 40 في المئة في بعض الأصناف، بات يشكل محركاً رئيسياً للتضخم الغذائي، إذ يجد الفلاح نفسه أمام خيارات صعبة: إما رفع أسعار محاصيله لتعويض الفارق، أو تقليص المساحات المزروعة مما يقلل المعروض ويزيد الأسعار ارتفاعاً.
ويؤكد مورد المواد الزراعية في طرابلس، عبد الرزاق الأبيض، أن كلفة الاستيراد قفزت بشكل ملحوظ، ليس فقط بسبب الأسعار العالمية، بل أيضاً بسبب ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، مما جعل السوق أكثر اضطراباً ودفع المتعاملين إلى التحوط في تعاقداتهم.
من الحقل إلى السوق.. سلسلة انتقال حتمية للارتفاعات
في ترهونة، إحدى أهم المناطق الزراعية، يصف المزارع علي الصيد واقعاً قاسياً، حيث ارتفعت تكلفة الإنتاج هذا الموسم بشكل لافت، بخاصة مع زيادة أسعار الأسمدة والمحروقات، مؤكداً أن هذه الزيادة تنتقل حتماً إلى المستهلك النهائي. وفي سوق جنزور غرب طرابلس، يقدم تاجر الخضروات عبد العظيم الزين شهادة حية على ذلك، حيث قفز سعر البصل من دينارين إلى خمسة دنانير، وبلغ سعر الطماطم الأخضر ثلاثة عشر ديناراً.
هذه الأرقام تعكس أكثر من مجرد ارتفاع عابر، فهي تشير إلى بداية موجة تضخمية جديدة تطال السلة الغذائية اليومية للمواطن. بل إن بعض المزارعين في الجنوب وسهل الجفارة بدأوا بالفعل بتقليص كميات الأسمدة المستخدمة، وهو قرار قد يوفر بعض التكلفة حالياً، لكنه يهدد بخفض الإنتاجية الزراعية للهكتار الواحد من الخضروات والقمح، مما يعني تراجعاً في الإنتاج المحلي في المواسم المقبلة.
هشاشة بنيوية تهدد الأمن الغذائي
ما يجري اليوم في ليبيا يكشف عن عمق الهشاشة التي تعاني منها منظومة الأمن الغذائي، حيث تتقاطع العوامل العالمية مع الاختلالات الداخلية في حلقة مفرغة. ويشير المختص بالاقتصاد الزراعي، علي بن الطاهر، إلى أن أي ارتفاع عالمي في التكاليف يتضخم محلياً بسبب تقلبات سعر الدينار وارتفاع كلفة الاستيراد، ليكون المستهلك هو الطرف الذي يتحمل وطأة هذه الصدمات المركبة.
ويحذر بن الطاهر من أن استمرار الاضطرابات في مضيق هرمز قد يفضي إلى موجة تضخم غذائي جديدة، خصوصاً في الدول الأفريقية المعتمدة على الاستيراد. ويرى أن الخروج من هذه المعادلة يتطلب بناء مخزونات استراتيجية، ودعماً حقيقياً للإنتاج المحلي، وتحسين كفاءة سلاسل التوريد، إلى جانب إدارة أفضل لمخاطر التقلبات العالمية.
أرقام تحمل قصصاً إنسانية ومعاناة يومية
في قراءته للواقع، يخلص بن الطاهر إلى أن ارتفاع أسعار الأسمدة الذي تجاوز 40 في المئة هذا العام ليس مجرد رقماً في جداول المؤشرات، بل هو محرك حقيقي لتضخم أسعار الخضروات واللحوم. فالمزارع الذي يدفع سبعمائة دينار لقنطار السماد، سيبحث حتماً عن تعويض خسارته برفع الأسعار، أو قد يضطر إلى وقف الزراعة إذا استمرت الخسائر في التراكم، مما يقلص المعروض ويدفع الأسعار لمزيد من الصعود.
وهكذا، تتحول أزمة جيوسياسية في مضيق هرمز إلى واقع معاش في أسواق ليبيا، حيث يدفع المزارع ثمناً غالياً، ويتحمل المستهلك العبء الأكبر، في بلد يظل فيه الأمن الغذائي رهيناً بتقلبات لا يتحكم فيها، وحلولاً بنيوية لا تزال غائبة عن المشهد.



