ليبيا

صرمان.. جريمة جديدة بضمير غائب وحكومة منتهية الولاية ترعى الفوضى

صرمان تشهد ليلة دامية باشتباكات بين مليشيات متناحرة في الأنقار

ليبيا 24:

غياب الدولة يغذي اقتتال المليشيات والمدنيون يدفعون الثمن غالياً

المشهد الميداني: الأنقار ساحة لتصفية الحسابات بالمدفعية الثقيلة

لم تكن ليلة أمس في مدينة صرمان سوى حلقة جديدة في مسلسل مأساوي طويل، حيث تحولت منطقة الأنقار إلى ساحة حرب مفتوحة بين مجموعات مليشياوية متنافسة، استخدمت فيها الأسلحة الخفيفة والمتوسطة وقذائف الـ (آر بي جي) بلا هوادة.

وفقاً لشهادات عيان، فإن المواجهات التي اندلعت بين عناصر تابعة للمليشياوي نوري الرتيمي، المنتمي لما يعرف بـ”كتيبة السلعة”، وأخرى تتبع ما يسمى “جهاز دعم الاستقرار”، لم تترك مجالاً للشك في أن معادلة القتال باتت هي الحكم الوحيد في المنطقة الغربية.

هذا المشهد الدامي لم يكن وليد الصدفة، بل هو تتويج حتمي لسياسة العجز الممنهج التي انتهجتها حكومة الدبيبة، تلك الحكومة التي انتهت ولايتها القانونية منذ زمن طويل، لكنها أصرت على التمسك بالسلطة، متخذة من المليشيات غطاءً أمنياً وسنداً سياسياً.

ففي غياب مؤسسة عسكرية وطنية موحدة، تحولت أحياء صرمان السكنية إلى ثكنات عسكرية متنقلة، وأصبح المواطن الليبي رهينة رهانات المليشيات التي لا تعترف إلا بلغة السلاح.

المواطن بين مطرقة الفساد وسندان الإفلات من العقاب

“نحن ندفع الثمن كل يوم، بينما من يفترض أن يحمينا منشغلون بترتيب صفقات الفساد وتمديد ولايات منتهية”، هكذا يقول أحمد سليمان، وهو أب لثلاثة أطفال يسكن على مقربة من منطقة الاشتباكات، مضيفاً في حديثه: “رأينا بعيونا قذائف تسقط أمام منازلنا، ولا أحد يتحرك، لا شرطة ولا جيش، فقط مليشيات متقاتلة تتصارع على النفوذ والمناطق”.

وفي ذات السياق، تعبر فاطمة التومي، معلمة من سكان صرمان، عن غضبها المتصاعد: “حكومة الدبيبة خنعت لهذه المليشيات، بل منحتها الشرعية وأطعمتها من المال العام نحن ضد هذه المليشيات التي أفسدت البلاد، وضد حكومة غير شرعية تبيع دماء الليبيين لتبقى في الكرسي”.

هذه الأصوات ليست معزولة، بل تعكس حالة احتقان شعبي واسع في الغرب، حيث أضحت المناطق السكنية ساحات مفتوحة لتصفية الحسابات، تحت أنظار سلطة تعاني من انقسام حاد وتواطؤ واضح مع مرتكبي الجرائم.

انهيار المؤسسات وسلاح طائش يهدد النسيج الاجتماعي

يتجاوز الخطر المباشر للاشتباكات حدود القتلى والمصابين، ليصل إلى تهديد النسيج الاجتماعي ذاته فمع كل جولة عنف جديدة، تتسع الهوة بين المكونات الاجتماعية، وتتفكك روابط الجوار التي كانت لقرون تشكل مادة التماسك في المجتمع الليبي.

وتشير تقديرات إلى وجود أكثر من 29 مليون قطعة سلاح خارج سيطرة الدولة، وهو تراث ثقيل من سنوات الفوضى التي أعقبت عام 2011، لكن الأكثر خطورة هو استمرار تغذية هذه الفوضى بغطاء سياسي من حكومة تعتبر نفسها فوق القانون.

أما الصمت الدولي المريب إزاء ما يجري، فهو الآخر يرسل رسالة واضحة للمليشيات مفادها أن الوقت لا يزال مناسباً للقتال والنهب.

ورغم الدعوات المحلية المتكررة لحصر السلاح بيد الدولة وتفعيل برامج نزع السلام وإعادة الدمج، إلا أن الواقع يؤكد أن هناك من يستفيد من استمرار هذه الحالة، سواء من قيادات مليشياوية تحولت إلى أمراء حرب، أو من جهات سياسية تبحث عن غطاء أمني لفرض واقع جديد بالقوة.

نداءات عاجلة في ظل غياب الضمير الرسمي

في ظل هذا التصعيد الخطير، ناشد ناشطون ومتابعون سكان المناطق المتاخمة للاشتباكات توخي الحيطة والحذر، محذرين من تداعيات استمرار المواجهات داخل الأحياء السكنية لكن هذه النداءات، رغم أهميتها، تبقى مسكنات مؤقتة في جسد ينزف منذ أكثر من عقد.

الخلاصة التي تفرض نفسها بقوة اليوم هي أن ليبيا لن تشهد استقراراً ما لم يتم إسقاط الغطاء السياسي عن المليشيات، ووقف نزيف المال العام الذي يذهب دعماً لهذه التشكيلات المسلحة.

إن غياب حكومة الدبيبة منتهية الولاية عن أداء واجبها في حماية المواطنين، وانحيازها الواضح لصالح أجندات المليشيات، جعل من صرمان وغيرها من المدن ساحة مفتوحة للفوضى.

يبقى الأمل معقوداً على وعي الليبيين الذين أظهروا مرونة نادرة في مواجهة الأزمات، لكن صبرهم ليس ممدوداً، وثقتهم بمن يبيعهم لصالح عصابات مسلحة قد تنفجر في أي لحظة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى