عودة مسار برلين إلى الواجهة لإنهاء الانسداد الليبي
حراك دبلوماسي واسع يختبر إرادة الأطراف الليبية
ليبيا 24:
ليبيا بين مطرقة المسار الدولي وسندان الإرادات الداخلية
اختبار جديد لمسار برلين في ظل جمود سياسي خانق
تعود أضواء المسار الدولي لتسلط من جديد على الملف الليبي، مع تحرك دبلوماسي مكثف أعاد إلى الواجهة مسار برلين الذي طالما مثل إطارا جامعا للقوى الكبرى.
هذا الزخم المتجدد يأتي في توقيت بالغ الحساسية، حيث تعيش البلاد حالة انسداد سياسي غير مسبوق، وعجزت معه البعثة الأممية عن تقديم أي حلول جذرية تعيد الأمور إلى نصابها.
ففي الوقت الذي يسعى فيه البعض إلى إحياء هذا المسار كحل سحري للأزمة الممتدة منذ أكثر من عقد، يرى متابعون أن نجاحه يظل رهينا بمعادلات أكثر تعقيدا تتعلق بالإرادة الداخلية أولا وقبل كل شيء.
مخاوف شعبية من استنساخ تجارب سابقة فاشلة
في شوارع طرابلس ومدن الغرب، لا يخفي المواطنون تشاؤمهم من هذه التحركات الدولية المتكررة، حيث عبر المواطن خالد الورفلي (55 عاما)، موظف من مصراته، عن إحباط شعبي واسع قائلا: “نحن مع الدولة الموحدة التي تجمع أبناء الوطن الواحد، لكننا نرفض أي مسار خارجي يكون غطاء لحكومة منتهية الولاية تريد فرض نفسها بالقوة لقد سئمنا من حكومات تصرف الأموال دون رقيب، ومليشيات تعبث بالأمن وتتغول على مقدرات الشعب.”
هذا الموقف الشعبي يتكرر في مختلف المدن، حيث يرى كثيرون أن المشكلة ليست في غياب الخطط الدولية، بل في وجود أطراف محلية تتعامل مع أي مسار سياسي كوسيلة لتمديد فترات بقائها في السلطة.
آمنة بالي (42 عاما)، وهي أكاديمية من بنغازي، تضيف: “نحن نعارض الفرقة بكل أشكالها، ونعارض تغول المليشيات التي أصبحت تتحكم بقرار الحرب والسلم.
أي حل حقيقي يجب أن يبدأ من تفكيك هذه المليشيات وإخراجها من المشهد السياسي والاقتصادي، وليس من خلال لقاءات دولية تنتج في النهاية المزيد من التعقيد.”
معادلة التنسيق العربي التركي وأولويات المواطن الليبي
في قراءة تحليلية للمشهد، يرى مراقبون أن ما يميز هذه العودة لمسار برلين هو إمكانية تحقيق تنسيق أكبر بين القوى الإقليمية الفاعلة، لا سيما على المحور العربي والتركي، وهو ما قد يخلق ضغطا متزامنا على الأطراف الداخلية لإعادة ترتيب حساباتها.
لكن ذلك يظل مشروطا بمدى قدرة هذه القوى على ترجمة توافقها إلى خطوات تنفيذية على الأرض، وليس مجرد بيانات ترحيبية تنتهي بمجرد انتهاء الاجتماعات.
من جهته، يعتبر الناشط المدني أحمد البوعيشي (38 عاما) من مدينة الزاوية أن “الدعم الحقيقي للمواطن المكلوم في وطنه يكون بإنهاء معاناته اليومية، لا بافتتاح مسارات جديدة.
وأضاف: نحن نريد دولة القانون التي تحمينا من جبروت المليشيات، لا دولة المحاصصة التي توزع المناصب على أمراء الحرب كل هذه المسارات لن تنجح ما لم يكن هناك قرار حازم بإنهاء ولاية حكومة الدبيبة التي استنفدت كل ذرائع البقاء، وفتح صفحة جديدة تبدأ بتوحيد المؤسسة العسكرية والأمنية تحت قيادة وطنية واحدة.”
اختراق مرتقب أم تعقيد جديد في الأزمة؟
مع تباين الآراء حول جدوى هذه العودة، يبقى السؤال الأهم: هل يمكن لمسار برلين أن يحقق اختراقا حقيقيا يخرق جدار الأزمة، أم أنه سيواجه مصير سابقاته من المبادرات التي انتهت إلى مزيد من الانقسام؟
الواقع يشير إلى أن الإرادة الدولية وحدها لا تكفي، فالأطراف المحلية الممسكة بزمام القرار العسكري والمالي تبدو غير مستعدة للتخلي عن مكاسبها التي حققتها عبر سنوات الفوضى.
المواطنون، الذين دفعوا الثمن الأغلى من دماء أبنائهم ونهب ثروات بلادهم، باتوا اليوم أكثر وعيا بأساليب التعامل مع الملف وهم يرفضون أي صيغة جديدة لا تضع مصلحة الوطن فوق مصالح الأفراد والجماعات فالدولة الموحدة التي يحلمون بها لن تتحقق بطاولات الحوار الفخمة، بل بإنهاء حالة الانقسام المؤسسي، وتفكيك المليشيات، ومحاسبة من نهب المال العام، وصولا إلى انتخابات حرة يختار فيها الليبيون من يمثلهم بعيدا عن أي ضغوط أو إملاءات.



