ليبيا

الناعور.. النزيف الصامت: كيف يحاصر المرضى الليبيين بين جينات ورثوها ونظام صحي منهك

نقص الفاكتور الدموي يهدد حياة الليبيين وغياب بيانات دقيقة

ليبيا 24

مرضى الناعور في ليبيا ينزفون علاجاً وتشخيصاً وسط صمت حكومي

في زوايا المستشفيات العامة المتهالكة، وفي منازل تنتظر شاحنات الأدوية التي لا تصل، يعيش آلاف الليبيين مع قنبلة موقوتة داخل عروقهم. إنهم مصابو “الناعور”، ذلك الاضطراب الوراثي الذي يحول أي جرح بسيط أو كدمة عابرة إلى أزمة قد تنتهي بإعاقة دائمة أو موت محقق. بين نقص حاد في التشخيص، وغياب شبه تام للعلاج الوقائي، وسياسات صحية تراوح مكانها، يتحول مرض يمكن السيطرة عليه في أي مكان متحضر إلى وصمة عار إنسانية في بلد أنهكته الصراعات.

الوراثة كحكم بالإعدام المؤجل

في عالم الطب، يعتبر الناعور بسيطاً في تعريفه ومعقداً في عواقبه. هو خلل في جينات مسؤولة عن إنتاج بروتينات محددة تعرف بالعامليْن الثامن والتاسع، وهما بمثابة الإسمنت الذي يوقف تسرب الدم من جدران الأوعية الدموية المصابة. لكن البساطة تنتهي هنا.

عندما يولد طفل ليبي حاملاً لهذا الخلل، لا يدرك والداه أن حياته ستكون سلسلة من اللحظات المقلقة. ثلثا الحالات تأتي بتاريخ عائلي واضح، لكن الثلث المتبقي يظهر فجأة كطفرة جينية عشوائية، وكأن الطبيعة تقرر فجأة أن تمتحن عائلة بأكملها.

الأطباء في ليبيا يصنفون الحالات إلى ثلاث درجات: شديدة عندما تقل نسبة العامل عن واحد بالمئة، ومتوسطة بين واحد وخمسة بالمئة، وخفيفة فوق خمسة بالمئة. لكن هذه التصنيفات النظرية تتحول إلى كوابيس عملية، فالمريض المصاب بالدرجة الشديدة قد ينزف تلقائياً داخل تجويف بطنه أو بين مفاصله لمجرد أنه صعد درجاً أو جلس طويلاً على كرسي.

غياب التشخيص: أولى حلقات الموت البطيء

المشكلة الأولى التي تواجه مرضى الناعور في ليبيا لا تبدأ في الصيدليات الخالية من العلاج، بل تبدأ قبل ذلك بكثير في غرف الفحص. فتحاليل الكشف عن العامليْن الثامن والتاسع ليست متوفرة في أغلب المستشفيات العامة، رغم أنها ليست مكلفة ولا تحتاج إلى أجهزة معقدة.

هذا الغياب يعني أن العديد من المرضى يظلون دون تشخيص لسنوات، يعالجون من أعراض النزيف دون معرفة السبب الحقيقي. والمأساة الأكبر تحدث في الأيام الأولى من الحياة، حيث يخضع المواليد الذكور للختان، فإذا كان الرضيع مصاباً بالناعور، فقد يتحول هذا التقليد الديني والاجتماعي إلى حادث نزيف حاد يهدد الحياة قبل أن يعرف الأهل ما اسم المرض الذي سيصاحب أبناءهم للأبد.

علاج المنع بدلاً من علاج الوقاية

في الدول التي تمتلك نظماً صحية راشدة، يتلقى مريض الناعور منذ طفولته العلاج الوقائي المنتظم بحقن العامل الناقص، مما يسمح له بممارسة حياة طبيعية: يذهب إلى المدرسة، يلعب مع أقرانه، يعمل ويكوّن أسرة. الاتحاد العالمي للهيموفيليا يصنف هذا النمط كمعيار ذهبي للرعاية.

لكن في ليبيا، السياسة السائدة مختلفة تماماً وأكثر خطورة. فالمريض لا يحصل على العلاج إلا بعد أن يبدأ النزيف فعلياً، أي بعد أن يكون الضرر قد وقع. هذه الفلسفة الخاطئة تحول دون حماية المفاصل من التشوهات الدائمة، وتجعل المريض أسيراً للألم والإعاقة مع تقدم العمر.

في إحدى السنوات الاستثنائية، توفرت كميات كافية من العاملين الثامن والتاسع في السوق الليبية. وبدأ المرضى الذين تمكنوا من الحصول عليها بتلقي العلاج الوقائي المنتظم. النتيجة كانت مبهرة: عاشوا لشهور دون أي نزيف، واستعادوا قدراتهم الحركية، وماروا حياتهم كأي إنسان سليم. لكن هذه الفترة الذهبية سرعان ما تلاشت مع نفاد الأدوية وعودة شبح النزيف يهدد من جديد.

مثبطات المناعة: الخطر القادم من الداخل

ثمة مضاعفة أخرى تجعل قصة الناعور في ليبيا أكثر تعقيداً. فجسم بعض المرضى، بدلاً من أن يقبل بالعامل الدوائي المحقون، يقرر محاربته وتكوين أجسام مضادة ضده تعرف بالمثبطات. عندما يحدث هذا، يصبح العلاج التقليدي عديم الجدوى، وتنحصر الخيارات في عامل سابع بديل.

لكن هذه المعضلة تواجه جداراً آخر من الصعوبات، فتحاليل الكشف عن هذه المثبطات غير متوفرة داخل ليبيا بالمرة. المرضى يُتركون في غياهب الجهل حول ما إذا كانت أجسادهم تقاوم العلاج أم لا. وفي الحالات النادرة التي يشتبه فيها الأطباء بوجود المثبطات، تضطر العائلات إلى إرسال عينات الدم إلى مختبرات خارج البلاد، في رحلة مكلفة وطويلة لا يتحملها الجميع.

عيادة وحيدة في بلد بحجم الأزمة

وسط هذا اليأس، ثمّة بصيص نور في شرق البلاد. ففي مركز بنغازي الطبي، تم إنشاء عيادة متخصصة لمتابعة مرضى الناعور، على غرار ما هو معمول به في النظم الصحية المتقدمة. تضم هذه العيادة طاقماً طبياً ذا خبرة يتابع الحالات ويحاول قدر الإمكان توفير الاحتياجات.

لكن عيادة واحدة في مدينة واحدة لا تكفي لبلد يعاني من تشتت الخدمات الصحية وتفاوت التوزيع الجغرافي. مرضى العاصمة طرابلس، ومدن الغرب مثل مصراتة والزاوية، ومدن الجنوب مثل سبها، يفتقرون إلى أي مركز متخصص، ويتركون في رحمة أطباء عامين لا يملكون الخبرة الكافية للتعامل مع تعقيدات هذا المرض النادر.

قاعدة بيانات غائبة وأرقام مجهولة

ربما أكثر المشكلات إثارة للقلق هي أن لا أحد يعرف بالضبط كم عدد مرضى الناعور في ليبيا. غياب سجل وطني للمصابين، وضعف التنسيق بين المستشفيات والمراكز الصحية، وعدم وجود نظام للإبلاغ الإلزامي عن الحالات، كلها عوامل تؤدي إلى مشهد من العشوائية.

هذا الغياب للمعلومات ليس مجرد إحصاء جاف، بل له عواقب عملية مدمرة. فبدون معرفة العدد الحقيقي للمرضى، لا يمكن للحكومة تخطيط احتياجاتها من الأدوية بدقة، ولا يمكن للمنظمات الإنسانية توجيه مساعداتها بكفاءة، ويظل المرضى يعيشون في عزلة صحية تجعلهم عرضة للنسيان.

مبادرات محلية في غياب دور رسمي

إزاء هذا التقاعس الرسمي، لم يجد المرضى وأهاليهم إلا أن يعتمدوا على أنفسهم. فقد شهدت السنوات الأخيرة ظهور مبادرات مجتمعية وجمعيات أهلية تحاول سد الفراغ، عبر التوعية بطبيعة المرض، وجمع التبرعات لشراء الأدوية من الخارج، والضغط على الجهات المعنية لتحسين الخدمات.

لكن هذه الجهود، مهما بلغت من نبْل، تبقى محدودة ومجزأة في مواجهة تحديات هيكلية تحتاج إلى تدخل حكومي جذري. فمرض الناعور ليس قضية خيرية يمكن حلها بتبرعات عابرة، بل هو اختبار حقيقي لقدرة الدولة الليبية على توفير أبسط حقوق مواطنيها في الحياة والصحة.

ما العمل قبل فوات الأوان؟

الخبراء والأطباء المتخصصون يجمعون على أن معالجة أزمة الناعور في ليبيا لا تحتاج إلى معجزات، بل إلى قرارات واضحة وتنفيذ منضبط. فالتشخيص المبكر يمكن تحقيقه عبر توفير تحاليل بسيطة غير مكلفة في المستشفيات الرئيسية. والعلاج الوقائي يمكن تطبيقه إذا ما توفرت الإرادة السياسية لشراء كميات كافية من العاملين الثامن والتاسع من الأسواق الدولية.

كما أن إنشاء شبكة من العيادات المتخصصة في المدن الكبرى، وتدريب أطباء عليها، وتطوير قاعدة بيانات وطنية للمصابين، كلها خطوات عملية يمكن إنجازها في إطار زمني قصير وبموارد متوسطة.

لكن السؤال الأعمق يبقى مطروحاً: هل مريض الناعور في ليبيا يستحق أن يعيش؟ الجواب الطبي واضح: نعم، بشرط أن يحصل على رعاية متوفرة في أي مكان آخر. لكن الجواب السياسي يظل معلقاً في هواء الانتظار، بينما ينزف المرضى صامتين في بلد يبدو مشغولاً بأزمات أكبر، متناسياً أن أصغر نازف اليوم قد يكون عنوان الفضيحة الإنسانية الكبرى غداً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى