نزوح السودان يحول واحة الصحراء الليبية إلى مدينة مزدحمة تحت وطأة الانهيار
مزارع الكفرة مهجورة تتحول مخيمات ومركزاً تجارياً ناشئاً
ليبيا 24:
الكفرة ملاذ نصف مليون سوداني وسط انهيار الخدمات الأساسية
تقرير ميداني يكشف تحول الكفرة إلى مركز إيواء غير مسبوق مع سيطرة النازحين على القطاع الصحي واقتصاد الظل
في مشهد يعكس التحولات القسرية التي تفرضها الحروب على جغرافيا المنطقة، أظهر تقرير ميداني نشرته صحيفة “إيل بيس” الإسبانية أن مدينة الكفرة لم تعد مجرد نقطة عبور تقليدية للهجرة الأفريقية، بل تحولت إلى مستقر دائم مؤقت لمئات الآلاف من السودانيين الذين أعادت الحرب رسم خريطة وجودهم.
فبين ليلة وضحاها، استبدل هؤلاء النازحون أرض السودان الخصبة بصحراء الكفرة القاسية، حاملين معهم مهاراتهم ورغبتهم في البقاء، في وقت باتت فيه المدينة تعيش حالة من الضغط الانهياري على الخدمات رغم حالة التعاطف الاجتماعي التي أبداها الليبيون تجاه “الضيوف”.
أرقام غير مسبوقة في رقعة جغرافية ضيقة
كشف التقرير أن مدينة الكفرة التي كانت تعيش حالة من الهدوء النسبي قبل اندلاع الحرب في السودان منتصف أبريل 2023، استقبلت أعداداً هائلة تتراوح بين 40 و60 ألف نازح سوداني استقروا داخل نسيجها العمراني أو على أطرافها.
هذه الأرقام تمثل جزءاً فقط من موجة نزوح كبرى شملت ليبيا بأكملها، حيث تجاوز عدد اللاجئين السودانيين على أراضيها حاجز النصف مليون شخص خلال عامين فقط من الصراع.
هذا التدفق البشري لم يكن مجرد أرقام ساكنة، بل تحول إلى حراك اقتصادي واجتماعي أعاد تشكيل ملامح المدينة.
فالسودانيون، الذين اضطروا لاجتياز مسافات شاقة عبر الصحراء في ظل ظروف معيشية صعبة، توزعوا بين من عمل في قطاعات الخدمات ومن استقر في مساكن عشوائية ومن وجد في المزارع المهجورة ملاذاً له ولأسرته.
المزارع: من أراضٍ قاحلة إلى مدن متكاملة
أشار التقرير إلى تحول لافت تمثل في انتشار ثماني مخيمات تعرف محلياً باسم “المزارع”، وهي أراضٍ زراعية كانت مهملة فتحولت إلى مراكز إيواء منظمة.
الأهم من ذلك أن هذه المخيمات لم تعد مجرد أمائل للنوم، بل تحول بعضها إلى مراكز تجارية ناشئة تضم أسواقاً صغيرة تبيع الخضراوات والملابس والأحذية والمستلزمات اليومية.
هذا التحول لم يأت من فراغ، بل يعكس روح المبادرة لدى النازحين الذين لم يقبلوا على دور العبثي للاجئين، بل حاولوا خلق فرص عمل لأنفسهم وسط بيئة لا توفر شبكة أمان كافية.
ففي كل زاوية من زوايا المدينة، بات السودانيون حاضرين بقوة، سواء في الوظائف الثابتة كالعاملين في مجال الاستقبال أو النظافة أو التعليم، أو في سوق العمل اليومي حيث ينتظر كثيرون عند الدوارات والمفترقات فرصة عمل قد لا تأتي إلا بعد انتظار طويل.
سيطرة سودانية على القطاع الحيوي الأهم
في تطور يعكس حجم الاختراق السوداني للنسيج الاجتماعي في الكفرة، كشف التقرير عن حقيقة صادمة وهي أن أكثر من 70 بالمئة من الطاقم الطبي في المدينة يحمل الجنسية السودانية. هذا الرقم الذي نقلته البلدية في تصريحاتها للصحيفة الإسبانية، يعكس مفارقة مريرة: مدينة تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية منذ سنوات، باتت تعتمد بشكل كبير على أطباء سودانيين يعملون في ظروف صعبة للغاية.
هؤلاء الأطباء، الذين هربوا من جحيم الحرب في بلادهم، وجدوا أنفسهم يعملون في مستشفى الكفرة والمرافق الصحية الأخرى برواتب تتأخر لأشهر عدة.
لكنهم مع ذلك، يواصلون تقديم خدماتهم وسط ضغط متزايد بسبب استمرار تدفق النازحين الذين يحتاجون إلى رعاية صحية عاجلة، خاصة مع تردي الأوضاع الصحية في المخيمات.
هشاشة المخيمات ومعاناة إدارية
رغم هذا الحضور القوي في قطاع الخدمات، فإن التقرير لم يغفل الجانب المأساوي في أوضاع آلاف العائلات السودانية التي تعيش داخل المخيمات.
فمئات العائلات لا تزال تعتمد بشكل شبه كامل على التبرعات والمساعدات المحدودة التي تصلها من المنظمات الإنسانية أو من المتبرعين الأفراد.
المشكلة الأكبر تكمن في الإجراءات الإدارية التي تحول دون حصول كثير من النازحين على بطاقات اللاجئ، وهي وثيقة أساسية للاستفادة من المساعدات الدولية.
فالتقرير أشار إلى أن الحصول على هذه البطاقة يتطلب دفع 500 دينار ليبي، وهو مبلغ كبير بالنسبة لعائلة نازحة فقدت كل مصادر دخلها.
هذا بالإضافة إلى اشتراطات إدارية معقدة جعلت كثيرين عالقين في منطقة رمادية لا يتمتعون فيها بحماية قانونية كاملة.
أزمة تعليم وولادة جيل ضائع
ربما كان الجانب الأكثر خطورة في التقرير هو ما يتعلق بأوضاع التعليم. فمدرسة حكومية واحدة فقط تستقبل 900 طفل سوداني تتراوح أعمارهم بين 6 و17 عاماً خلال الفترة المسائية، بينما يدرس الأطفال الليبيون في الفترة الصباحية. هذا النظام الذي يعكس روح التعاون الليبي، لا يخلو من مشاكل كبيرة.
فالتعليم يتم وفق المنهج السوداني، وهو أمر إيجابي يحافظ على استمرارية العملية التعليمية للأطفال، لكنه في الوقت ذاته يفتقر إلى أبسط المقومات.
فالمدرسة تعاني من نقص حاد في الكتب والدفاتر والأقلام، كما أن الأطفال القادمين من المخيمات البعيدة يواجهون مشكلة في وسائل النقل التي قد تمنعهم من الوصول إلى المدرسة بانتظام. كل ذلك في ظل إشراف معلمين متطوعين في معظمهم، يعملون دون حوافز مالية كافية.
موقف رسمي إيجابي لكنه غير كافٍ
في ظل هذه المشاهد المتضاربة، كان موقف السلطات المحلية في الكفرة واضحاً فقد نقل التقرير عن عميد بلدية الكفرة محمد بومريز تأكيده أن السودانيين “ضيوف” على المدينة، وأن هناك توجيهات برعايتهم والوقوف إلى جانبهم.
هذا الموقف الذي تجسد في تخصيص ثلاث مدارس لخدمة السودانيين، يعكس حالة التعاطف الاجتماعي الكبيرة التي أبداها الليبيون في المنطقة الحدودية.
لكن هذا التعاطف، رغم قيمته الإنسانية الكبيرة، لا يمكنه وحده حل المشكلات الهيكلية التي تواجهها الكفرة، فالمدينة التي تعاني أصلاً من نقص في الخدمات الأساسية، وجدت نفسها مضطرة لاستيعاب أعداد سكانية هائلة دون أي استعدادات مسبقة.
هذا الوضع دفع بعض المنظمات الدولية إلى محاولة التدخل، لكن التقرير أشار إلى تراجع التمويل وانسحاب بعض هذه المنظمات من ليبيا خلال الأشهر الأخيرة، مما زاد من تعقيد المهمة.
مستقبل معلق بين الأمل والخوف
يبقى السؤال الأكبر الذي يطرحه هذا التقرير الميداني: إلى أين تتجه الأمور في الكفرة؟ مع استمرار الحرب في السودان دون أفق واضح للحل، يبدو أن وجود هؤلاء النازحين أصبح جزءاً من الواقع الليبي الذي يجب التعامل معه كأمر واقع.
لكن معاناة الأسر داخل المخيمات، ونقص الخدمات الأساسية، وتأخر الرواتب للكوادر الطبية، كلها عوامل قد تحول هذه “الضيافة” إلى أزمة إنسانية مستعرة في أي لحظة.
ما يجري في الكفرة اليوم هو نموذج مصغر لأزمة أكبر تعاني منها ليبيا كدولة عبور واستقبال للاجئين. فبينما تتعامل السلطات المحلية بحسن نية مع الموقف، يبقى الدعم الدولي محدوداً والتمويل غير كافٍ لمواجهة هذا الحجم الهائل من الاحتياجات والأخطر من ذلك، أن هذه الضغوط قد تؤدي إلى توترات اجتماعية في أي لحظة، رغم حالة التعايش السائدة حالياً.
في النهاية، يبقى مشهد المزارع التي تحولت إلى مدن، والأطباء السودانيين الذين يديرون القطاع الصحي، والأطفال الذين يتعلمون المنهج السوداني تحت أضواء المساء، شاهداً على مرونة الإنسان في مواجهة الصعاب.
لكن هذه المرونة تحتاج إلى دعم دولي حقيقي، وإلى نظرة بعيدة المدى من المجتمع الدولي لهذه المنطقة التي تحولت إلى بؤرة استقطاب بشري غير مسبوق في تاريخ ليبيا الحديث.



