ليبيا

طرابلس تنزف أسفلتاً: فوضى الطرق تحصد أرواح الليبيين يومياً

طرق الموت في ليبيا: إفلات من العقاب وبنية منهارة.

ليبيا 24- عبدالعزيز الزقم

جمهورية الفوضى الإسفلتية: حين تتحول طرق ليبيا إلى جبهة قتال صامتة وأكثر فتكاً من الرصاص

في بلد اعتاد العالم على قراءة أخباره عبر عناوين الصراع السياسي والانقسام العسكري، هناك حرب أخرى لا تقل ضراوة ولا تخطف الأضواء بالطريقة نفسها، لكنها تحصد أرواحاً يومية تفوق في شراستها بعض جولات الاقتتال. إنها الحرب التي تدور رحاها على الأسفلت الليبي المتشقق، حيث تتحول الطرق السريعة إلى “مقابر جماعية متحركة”. بينما تتصدر الخلافات على السلطة والموارد المشهد، يُترك المواطن الليبي العادي ليواجه قدره خلف عجلة قيادة مركبة متهالكة، على طريق يعج بالحفر والجمال السائبة وغياب تام لسلطة القانون.

ما حدث في مارس الماضي ليس استثناءً، بل هو قاعدة مرعبة في مشهد يومي يعكس حالة انهيار وظيفي للدولة أعمق مما تنقله الكاميرات السياسية. إنها أزمة حوكمة تتخفى في صورة حوادث سير، وهي أزمة تكشف عن هشاشة النسيج الاجتماعي والاقتصادي بقدر ما تكشف عنه المعارك السياسية في قاعات المؤتمرات.

طرق الموت: جغرافيا العنف غير السياسي

في طرابلس وحدها، وهي المدينة التي تمتلك أعلى كثافة سكانية ومرورية في البلاد، سجل مارس الماضي سلسلة من الحوادث التي تراوحت بين انقلاب مركبة على طريق المطار، الذي أودى بحياة شخصين، وصولاً إلى تصادم مروع في قصر بن غشير أطاح بثلاثة أرواح. لكن أن نعزو ذلك لمجرد “السرعة الزائدة” هو تبسيط مخجل للكارثة. هذا هو عذر تقني يقدمه رجال المرور في بلاغاتهم الروتينية، لكنه يخفي خلفه اقتصاداً سياسياً كاملاً للإهمال.

“السرعة الزائدة” في السياق الليبي ليست فعلاً فردياً مارقاً بقدر ما هي استجابة منطقية لمنظومة مجنونة. إنها نتيجة طبيعية لغياب الدوريات المرورية الفاعلة، وعدم وجود رادع تقني ككاميرات المراقبة العاملة، وطرق متهالكة تفتقر لأبسط مقومات السلامة كالإضاءة الليلية والحواجز الوقائية والعلامات الإرشادية. عندما تخلو الطرق من أي سلطة ضابطة، يتحول الطريق إلى ساحة تنافس اجتماعي؛ الأسرع هو الأقوى، والقانون هنا هو قانون “القبيلة الميكانيكية”.

المذبحة المستمرة: أرقام تكذب سياسات التعتيم

بالنظر إلى البيانات المتاحة، نجد أنفسنا أمام جبل جليد صغير يخفي كتلة هائلة من المأساة تحت الماء. تُظهر أرقام وزارة الداخلية في حكومة الوحدة الوطنية أن 2,460 شخصاً لقوا حتفهم على الطرق الليبية في عام 2024. هذا الرقم يفوق أعداد القتلى في العديد من النزاعات المسلحة الإقليمية خلال نفس الفترة. وبالنظر إلى النصف الأول من عام 2025، سقط 619 قتيلاً و767 جريحاً في 2,670 حادثاً. هذه الأرقام هي ما تم تسجيله رسمياً فقط، أي أنها “الأرقام النظيفة” التي تصل إلى المكاتب الحكومية.

الحقيقة المرة التي ينقلها النشطاء والمهتمون بالشأن العام، تشير إلى “نظام تعتيم” خارج العاصمة. ما يحدث في الشرق والجنوب والجبل لا يجد طريقه إلى التقارير الإحصائية المركزية. إن عدم الإعلان عن تفاصيل الحوادث لا يعكس فقط تقصيراً إعلامياً، بل هو خلل منهجي في “الوبائيات المرورية” (Road Epidemiology). كيف يمكن للحكومة، أو أي جهة دولية معنية بالتنمية، أن تخطط لإنقاذ الأرواح إذا كانت الخريطة الجغرافية للموت مجهولة؟ هذا الغياب للبيانات هو في حد ذاته سبب رئيسي لاستمرار النزيف، لأنه يحرم صانع القرار من فهم أنماط الحوادث وأوقات الذروة وخصائص السائقين المعرضين للخطر.

بين الجمال السائبة والانهيار المؤسسي: تشريح يومي للفوضى

لا يمكن فهم الأزمة الليبية دون النظر إلى التفاصيل اليومية الصادمة. حادث على الطريق الساحلي قرب القريات، تسببت فيه “إبل سائبة” في انقلاب شاحنة وتعطيل حركة المرور. هذه الحادثة، التي قد تبدو للقارئ الغربي غرائبية أو هامشية، هي رمز سياسي من الطراز الأول. إنها تلخص فشل الدولة في أداء وظيفتها السيادية الأولى: بسط السيطرة على أراضيها وتأمين طرق مواطنيها. الإبل السائبة هنا هي رمز لانفلات كل شيء: السلاح، الميليشيات، القبيلة، والمواشي. عندما تخرج البدو الرُحّل وإبلهم عن مساراتهم التقليدية بسبب غياب التخطيط العمراني والأمني، يصبح الاصطدام المادي بين “الاقتصاد التقليدي” و”الحداثة الميكانيكية” حتمياً.

وبينما يركز البيان الأمني على “السرعة”، يغفل عن جذور المشكلة الكامنة في البنية التحتية المنهارة. الطريق الساحلي، وهو الشريان الاقتصادي الوحيد الذي يربط شرق البلاد بغربها ويمر عبر منطقة الهلال النفطي، تحول إلى حزام بؤس. إنها طرق صممت منذ عقود ولم تشهد صيانة حقيقية منذ 2011 وتفجر الصراع. إن قيادة سيارة على طريق المطار في طرابلس ليلاً هو أقرب إلى الاقتراب من ثقب أسود، حيث تختفي الإنارة لمسافات طويلة، ويستخدم السائقون الأضواء العالية بطريقة عشوائية تعمي الآخرين، في غياب أي تخطيط هندسي لإدارة تدفق الحركة.

القاتل الصامت: اقتصاد سياسي يتغذى على الإهمال

من المستفيد من هذه الفوضى؟ قد تبدو الإجابة معقدة، لكنها في الواقع بسيطة: اقتصاد الحرب والانقسام هو المستفيد الأكبر. الدولة المنقسمة لا يمكنها تنفيذ مشروع وطني ضخم للسلامة المرورية. عقود صيانة الطرق والإنارة وجسور المشاة هي عقود بمليارات الدولارات، لكنها تحتاج إلى سلطة تنفيذية موحدة وهيئة رقابية فاعلة. في غياب ذلك، تذهب الميزانيات المخصصة للبنية التحتية إما إلى تعزيز الرواتب الضخمة لبيروقراطيات متضخمة وغير منتجة، أو تختفي في مستنقعات الفساد وتمويل الميليشيات غير الرسمية.

يمكن القول إن الفشل في إدارة ملف المرور هو الوجه الآخر لعملة فشل الدولة في احتكار العنف. إن رجل الأمن الذي لا يستطيع فرض غرامة على مسرع بسبب اعتبارات قبلية أو أمنية، هو رجل أمن لا يستطيع نزع سلاح ميليشيا. العلاقة طردية. إن غياب سيادة القانون على الطريق هو استمرار لغياب سيادة الدولة على الأرض. هذا الإدراك بدأ يتسلل إلى خطاب الليبيين العاديين، الذين صاروا ينظرون إلى “الرادار المروري” باعتباره رفاهية سياسية لا تقل أهمية عن صندوق الاقتراع.

الرأي العام: غضب مكتوم وإدراك متأخر للخطر

تواصلنا مع عينة من المواطنين في طرابلس وبنغازي، وعبر منصات التواصل الاجتماعي التي تتحول إلى سجل يومي للنعي، لرصد مزاج الشارع. يقول “م.ع”، وهو صاحب شركة صغيرة في منطقة تاجوراء: “نحن نعيش رعباً مضاعفاً. خوفي على أبنائي من الرصاص الطائش في الاشتباكات لا يكاد يذكر مقارنة بخوفي عليهم وهم يقودون سياراتهم على طريق الشط ليلاً. هناك، الموت قادم بصمت، على شكل سيارة مسرعة قادمة في الاتجاه المعاكس دون أنوار”.

أما “ف.س”، وهي مدرسة في بنغازي، فتروي تجربة مريرة: “في كل صباح، أتأبط حقيبتي وأودع عائلتي وكأنني ذاهبة إلى جبهة قتال. ليس مبالغة. جسر الجامعة كان ولا يزال مصيدة. نطالب فقط بوجود شرطي مرور واحد في التقاطعات الرئيسية، ولكن لا حياة لمن تنادي”.

هذا الغضب الشعبي يجد صداه في تحذيرات منظمة الصحة العالمية، التي صنفت ليبيا أواخر العام الماضي ضمن الدول الأعلى خطورة في حوادث السير بمعدل 34 وفاة لكل 100 ألف نسمة. هذا الرقم يضع ليبيا في مرتبة كارثية مقارنة بجارتها تونس (حوالي 22 حالة) ومصر (حوالي 10 حالات)، وفقاً لبيانات البنك الدولي. إنها أزمة إنسانية وصحية عامة بكل المقاييس، لكنها لا تحظى بتغطية إعلامية أو ضغط دبلوماسي دولي يذكر، لأنها تفتقر إلى البريق السياسي الذي تحمله أزمة النفط أو الانتخابات.

نحو الهاوية: ماذا ينتظرنا إن استمر الحال؟

السيناريو المستقبلي قاتم ما لم يحدث تدخل عاجل متعدد المسارات. أولاً، لا بد من حملة وطنية مدعومة دولياً لمسح وتقييم أضرار الطرق الرئيسية، مع تخصيص تمويل طارئ لصيانة النقاط السوداء. ثانياً، لا بد من تمكين إدارات المرور من العمل باستقلالية عن الولاءات السياسية، وتزويدها بتكنولوجيا الضبط الآلي بعيداً عن العنصر البشري القابل للفساد أو التهديد. ثالثاً، إطلاق حملة إعلامية ضخمة تعتمد على “العلاج بالصدمة” باستخدام صور الحوادث الحقيقية لكسر حالة الاعتياد المجتمعي على الموت اليومي.

لكن التحدي الأكبر يبقى سياسياً. فطالما بقيت ليبيا مسرحاً لصراع الشرعيات، ستظل الطرقات هي الميدان الذي يدفع فيه المواطن ثمن غياب الدولة. في أروقة فندق كورنثيا بطرابلس، حيث تلتقي البعثات الأممية، قد تكون طرق الموت هي المقياس الحقيقي لفشل المجتمع الدولي في بناء السلام. فما فائدة الحديث عن تقاسم عادل لعوائد النفط إذا كان المواطن يموت محروقاً في حادث سير قبل أن يصل إلى محطة الوقود؟

في النهاية، يعكس الخبراء رأياً موحداً: الليبيون لا يموتون فقط بسبب السرعة، بل يموتون بسبب الفوضى. الفوضى التي تجعل من الممكن أن ترعى الإبل على طريق سريع دولي، والتي تسمح بقيادة مركبة معطلة الفرامل، والتي تجعل من قانون المرور نصاً أدبياً لا سلطة له. إن إصلاح الطريق يبدأ بإصلاح الدولة، وحتى ذلك الحين، سيبقى الأسفلت الليبي شاهداً على نزيف صامت، لكنه غزير للغاية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى