ليبيا

ليبيا والرقم القياسي المأساوي: ثلاثة عشر مدرباً يطوون ثماني سنوات من التيه الكروي والانهيار المؤسسي

دوامة فنية لا تهدأ تطحن هوية فرسان المتوسط

ليبيا 24:

ثلاثة عشر مدرباً في ثماني سنوات يبتلعون منتخب ليبيا

في مشهد رياضي نادر لا يليق بتاريخ الكرة الليبية العريقة، يقف منتخب “فرسان المتوسط” أمام مرآة إحصائية قاسية تكشف عن عبثية الإدارة وغياب البوصلة الاستراتيجية.

فمنذ شهر نوفمبر من عام ألفين وثمانية عشر وحتى اللحظة التي أعلن فيها السنغالي أليو سيسيه رحيله عن القيادة الفنية متوجهاً إلى تدريب منتخب أنغولا، يكون المنتخب الليبي قد أشرف عليه ثلاثة عشر مدرباً مختلفاً خلال ما يزيد قليلاً عن ثمانية أعوام.

هذا الرقم، الذي يعادل تقريباً تعيين مدرب جديد كل سبعة أشهر ونصف الشهر، يضع كرة القدم الليبية في خانة الحالات الدراسية الفريدة عن كيفية تدمير مشروع رياضي وطني عبر آلة التغيير المتواصل.

إنها ليست مجرد أزمة نتائج، بل أزمة دولة عميقة في القطاع الرياضي تتجسد في دوامة من القرارات الارتجالية والأزمات المالية الخانقة وانعدام الثقة التراكمي بين الجماهير والمؤسسة الكروية الحاكمة.

إحصاءات باردة وجراح عميقة: من الثنائي المحلي إلى النخبة الأوروبية

تكشف السجلات الرسمية للاتحاد الليبي لكرة القدم عن مسار متعرج بدأ بالأمل وانتهى بالعبث، تولى الثنائي الوطني فوزي العيساوي وأبوبكر باني المهمة وسط تفاؤل حذر، محققين فوزاً عريضاً على منتخب السيشل بثمانية أهداف لهدف، لكن هذا الانتصار المخادع لم يكن سوى سراب.

سرعان ما تبدد الحلم بخسارة مؤلمة أمام جنوب أفريقيا في تونس أنهت آمال التأهل لنهائيات كأس الأمم الأفريقية لعام ألفين وتسعة عشر بعد مباراتين فقط، انتهت صلاحية الثنائي الوطني لتبدأ مسيرة بحث محمومة عن “منقذ” لا وجود له.

جاء الدور على الوطني جلال الدامجة الذي لم يصمد طويلاً أمام صدمة الخروج من تصفيات بطولة أمم أفريقيا للمحليين على يد الجارة تونس، ليقدم استقالته تاركاً الكرة في ملعب مسؤولين بدا عليهم الارتباك أكثر من التخطيط.

وفي واحدة من المفارقات اللافتة، أعيد تدوير اسم المخضرم التونسي فوزي البنزرتي في ولاية ثانية، ليكتشف الجميع أن كرة القدم العالمية تتغير بسرعة تفوق قدرة المسؤول المحلي على اللحاق بها، حيث اجتاح فيروس كورونا العالم وأوقف كل شيء قبل أن يبدأ البنزرتي مشروعه فعلياً.

أما الفترة التي تلت ذلك فكانت أشبه ببازار تدريبي مفتوح: علي المرجيني أقيل بعد هزيمة وحيدة أمام غينيا الاستوائية، والمونتينيغري زوران فيليبوفيتش لم يستطع فك شيفرة التصفيات الأفريقية، وحتى الإسباني خافيير كليمنتي، صاحب الإنجاز التاريخي الوحيد لمنتخب ليبيا بالتتويج بكأس أمم أفريقيا للمحليين قبل عقد من الزمان، وجد أن ذاكرة الإنجاز لا تشفع له في ولايته الثانية، ليقال بعد فشل التأهل لكأس العرب ومونديال قطر.

 ثم توالت الأسماء بوتيرة أسرع: الفرنسي كورينتين مارتينز، الوطني حمدي بطاو الذي استقال بعد أقل من تسعين يوماً، الوطني سالم الجلالي الذي قاد مباراة واحدة انتهت بالتعادل، ثم الصربي ميلوتان سريديوفيتش “ميتشو” الذي قدم وعوداً براقة قبل أن يصطدم بجدار الواقع الإداري، وصولاً إلى ناصر الحضيري، وأخيراً أليو سيسيه الذي خرج صامتاً مثقلاً بأزمة مالية لم تترك له هامشاً للحركة.

غياب الاستراتيجية: كيف تطحن الإدارة المؤقتة الأحلام الدائمة؟

يكمن جوهر المأساة الليبية في حقيقة جيوسياسية داخلية تنعكس على المستطيل الأخضر. في دول مستقرة كروياً، يكون المدرب هو المهندس الأول للمنتخب، لكن في ليبيا، أصبح المدرب مجرد “ضيف شرف” في مركب يقوده ربان يغير اتجاه البوصلة كلما هبت ريح مخالفة.

غياب الاستراتيجية الواضحة يظهر جلياً في تناقض مدارس التدريب التي تعاقبت على المنتخب بين مدرسة وطنية تفتقر للخبرة الدولية اللازمة لمواكبة تطور القارة السمراء، وأخرى أوروبية شرقية تبحث عن عقد مالي في سوق متعبة، وأخرى فرنسية أو إسبانية تكتشف بسرعة أن البنية التحتية لصناعة القرار في طرابلس وبنغازي لا تحتمل مشاريع طويلة النفس.

الأخطر من ذلك هو أن هذا “الميري” التدريبي أفقد المنتخب هويته التكتيكية تماماً. كل مدرب يأتي حاملاً فلسفته الخاصة، فيجد لاعبين اعتادوا على نقيضها مع المدرب السابق.

في كرة القدم الحديثة، تحتاج أي مجموعة إلى ما بين ثمانية عشر إلى أربعة وعشرين شهراً لاستيعاب فكر فني جديد وتطبيقه تلقائياً في الملعب.

لكن في ليبيا، معدل بقاء المدرب لا يتجاوز نصف موسم كروي كامل، مما يعني أن الفريق الوطني يعيش في مرحلة “تعارف” دائمة مع المدرب، دون أن يصل أبداً إلى مرحلة “الانصهار”.

والنتيجة كانت جلية: فشل في التأهل لأي نهائيات قارية سواء على صعيد كأس الأمم الأفريقية أو كأس العالم، وتراجع مخيف في التصنيف الدولي، وتحول “فرسان المتوسط” من حصان أسود يخشاه الكبار في القارة إلى خصم يطمح الجميع لملاقاته لضمان ثلاث نقاط سهلة.

انعكاسات مجتمعية: حين تصبح الكرة مرآة للإحباط الوطني

لا يمكن فصل الحالة الكروية المتردية عن المزاج العام في الشارع الليبي في بلد يشكل فيه المنتخب الوطني أحد أبرز معالم الوحدة الوطنية وجسراً للتواصل بين أبنائه على اختلاف مشاربهم، فإن حالة التخبط الإداري هذه وجهت ضربة قاسية للنسيج الاجتماعي.

تراجع الحضور الجماهيري في الملاعب الليبية التي أقيمت عليها المباريات الدولية مؤخراً بشكل ملحوظ، ليس فقط بسبب ظروف التنقل أو الأمن، بل بسبب فقدان الشغف.

لقد أصيب المشجع الليبي بما يشبه “متلازمة الإحباط المزمن”، حيث لم يعد يصدق أن الفريق قادر على المنافسة الحقيقية.

لم يعد الحلم بالتأهل لكأس العالم حلماً جماعياً يحرك الشارع، بل أصبح نكتة مريرة تتكرر كل أربع سنوات مع كل تصفيات جديدة.

كما أن هذه الدوامة أثرت سلباً على القيمة السوقية للاعب الليبي في الخارج. في أوروبا وأفريقيا، تقيس الأندية الكبيرة قيمة اللاعب الدولي بعدد مشاركاته مع منتخب مستقر يحقق نتائج.

أما في الحالة الليبية، فإن الانتماء للمنتخب الوطني لم يعد يمثل قيمة مضافة للاعب المحترف بقدر ما أصبح يمثل عبئاً بسبب غياب المعسكرات المنتظمة وعدم وضوح الرؤية الفنية، مما دفع بعض المواهب الشابة إلى التردد في تمثيل المنتخب الأول خوفاً من التأثير على مسيرتهم المهنية مع أنديتهم.

الأزمة المالية الخانقة: عندما يصبح المدرب ضحية الفاتورة الأخيرة

لم تكن استقالة أليو سيسيه الأخيرة مجرد فصل جديد في سلسلة المغادرين، بل كانت جرس إنذار حول عمق الأزمة المالية التي يعاني منها الاتحاد الليبي للعبة.

 في العادة، يستقيل المدربون لسوء النتائج، لكن في ليبيا، أصبحت الاستقالة أو الرحيل الصامت نتيجة لعدم القدرة على الوفاء بالالتزامات التعاقدية.

هذه الحالة تضع مصداقية المؤسسة الكروية على المحك أمام الاتحادات الدولية، وتغلق الباب أمام التعاقد مع أي مدرب من الطراز العالمي مستقبلاً، لأن سمعة السوق الليبية في أوساط الوكلاء والمدربين باتت مرتبطة بعدم الاستقرار المالي والأمني.

إن استمرار هذا النزيف على رأس الهرم الفني، دون وجود خطة إنقاذ من الجهات الوصية على الرياضة الليبية، يهدد بتحويل منتخب ليبيا إلى كيان هامشي في القارة السمراء لعقود قادمة.

ثلاثة عشر مدرباً في ثماني سنوات ليس مجرد رقم، إنه شهادة وفاة لمشروع رياضي وطني، وإعلان رسمي بأن “فرسان المتوسط” باتوا رهينة لأمواج قرارات تفتقد إلى أدنى معايير الاحتراف المؤسسي ولعل السؤال الأكثر إيلاماً الذي يطرح نفسه اليوم: من سيكون الضحية رقم أربعة عشر؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى