ليبيا تحت وطأة «الدولار النفسي».. جيوب تفرغها سياسات الدبيبة وقرارات عقيمة تعمق جراح المطحونين
الدولار يعصف بالأسواق والسلطة منتهية الصلاحية تتفرج بصمت
ليبيا 24:
انهيار القدرة الشرائية يطحن الليبيين وظل حكومة الدبيبة يطول
في المشهد الليبي المثقل بالانقسامات، ثمة حقيقة واحدة لا يختلف عليها سائق سيارة أجرة يلهث خلف جالون بنزين، ولا بائع خضروات يحصي دنانيره المهترئة في نهاية يوم شاق: الحياة باتت جحيماً لا يطاق.
بينما تنشغل الحكومة برئاسة عبد الحميد الدبيبة، التي يصفها قطاع عريض من الليبيين بـ«منتهية الولاية»، في إدارة شؤون الحكم كأنها دولة قائمة بذاتها خارج نطاق المسؤولية الاجتماعية، يتلظى المواطن بنار غلاء مجنون لم تشهده البلاد في عقودها العجاف.
تشهد الأسواق الليبية حالة من الترقب الاقتصادي القاتل، لا يشبه الترقب المعتاد في أسواق المال العالمية، بل هو ترقب محفوف بالخوف على لقمة العيش. وسط تقلبات حادة في سعر صرف الورقة الخضراء داخل دهاليز السوق الموازي، يأتي قرار حكومة الدبيبة منتهية الولاية ليكون أشبه بسكب الزيت على نار مشتعلة أصلاً.
قرار رفع قيمة الرسم المفروض على السلع المستوردة من مستويات متدنية إلى ما يفوق ستة دنانير ونصف للورقة الواحدة، لم يكن مجرد إجراء مالي فني في دفاتر المحاسبين، بل كان رصاصة الرحمة التي أُطلقت على ما تبقى من قدرة شرائية لمواطن ليبي أنهكته الوعود.
هذه ليست مجرد أرقام تتراقص على شاشات تجار العملة، بل هي حكاية وطن كامل يُسحق تحت عجلات سياسة لا تُعبأ بهموم الناس، حكومة يصفها خصومها بأنها تعيش أطول من عمر صلاحيتها الدستورية، وتنتهج مساراً مالياً لا يحمي الفقير ولا يراعي المطحون.
تحت المجهر: عندما يحرك «الوهم» أسعار اللحوم والخبز
في قراءة أولية ومعمقة للتحركات الأخيرة في دهاليز المال الليبية، أوضح الخبير الاقتصادي صقر الجيباني أن التراجع الطفيف الذي سُجل في قيمة الورقة الخضراء خلال الأيام الماضية لا يرتبط من قريب أو بعيد بأي تدخل جوهري من قبل إدارة مصرف ليبيا المركزي، ولا هو ثمرة لإصلاحات نقدية رصينة تنهي أزمة شُح السيولة المزمنة.
بل إن الأمر في جوهره، كما يصفه الجيباني، مرتبط بـ«عوامل الوهم» أو ما يمكن تسميته بـ«اقتصاد التوقعات». فالسوق الليبية، التي مزقتها الحرب وأضناها الفساد، أصبحت شديدة الحساسية تجاه الأخبار الإقليمية والدولية، حتى تلك التي تقع على بعد آلاف الأميال من حدودها المترامية.
ويضيف الجيباني في تصريحات صحفية رصدتها ليبيا 24، أن مجرد الإعلان عن وقف إطلاق نار هش في بعض الملفات الإقليمية الساخنة انعكس بشكل عجائبي على أسواق الطاقة العالمية، فانخفضت أسعار الذهب الأسود بشكل لافت.
هذا الانخفاض العالمي، حتى وإن كان محدوداً، أرسل موجات من التفاؤل الحذر إلى نفوس المضاربين في السوق المحلية الموازية، فخفّت وتيرة الطلب على العملة الصعبة بعض الشيء.
لكن هذا «التنفس» القصير لا يعني أبداً أن المريض قد شُفي، فحركة الورقة الخضراء في السوق الخلفي، وفق الجيباني، لا تعكس زيادة حقيقية في المعروض من النقد الأجنبي، فمخازن الدولة النفطية لم تنفتح بمعجزات جديدة، وقبضة الفساد على منافذ الإنفاق ما تزال حديدية.
ويحذر الخبير الاقتصادي من مغبة الركون إلى هذا الهدوء الظاهري، مؤكداً أن أزمة السيولة النقدية في المصارف ما تزال قائمة دون حلول جذرية تذكر، فالمودع الليبي لا يزال أسيراً لطوابير وهمية أمام شاشات المصارف، لا يقدر على سحب سوى فتات من أمواله التي التهمها التضخم.
وعليه، فإن أي تراجع في سعر الصرف في الوقت الراهن ما هو إلا حالة مؤقتة وهشة للغاية، قابلة للتبخر والارتداد إلى أرقام فلكية مع أي تطور سياسي عسكري جديد أو أي زوبعة في فنجان حكومة منتهية الولاية.
ويختتم الجيباني تحذيره بعبارة تقطر أسى: «السوق تتنفس من خلال قصبة هوائية واحدة هي العامل النفسي، وأي تصعيد سياسي سيعيد الورقة الخضراء إلى مسار الصعود الجنوني، طالما بقيت الاختلالات الهيكلية التي رسختها حكومات الأمر الواقع بلا علاج».
قرار الحسم أم سُمّ التسعير؟ تشريح قرار الجمارك المثير للجدل
في سياق هذا التخبط، خرجت وزارة المالية في حكومة الدبيبة بقرار وُصف بأنه «الزلزال الصامت»، القاضي برفع قيمة الرسم الجمركي المحسوب على أساسه الضرائب على الواردات من مستويات متدنية كانت في حدود دينارين وشيء، إلى أكثر من ستة دنانير ونصف.
في الظاهر، وبرؤية محاسبية بحتة، يبدو القرار وكأنه خطوة على طريق «الإصلاح» لتوحيد أسعار الصرف المتعددة وتقليص الهوة المخيفة بين السعر الوهمي الرسمي وسعر الشارع الحقيقي.
غير أن المحلل الاقتصادي صابر الوحش، وفي تشريحه لهذا القرار، يضع النقاط على الحروف. يعترف الوحش بأن القرار يحمل طابعاً إصلاحياً من حيث المبدأ النظري في دفاتر صندوق النقد الدولي، لكنه في المقابل يفرض «كُلفة مُميتة» قصيرة الأجل، ستتحملها جيوب المواطنين المنهكة وحدها.
وأوضح الوحش الآلية البسيطة والكارثية لهذا القرار: «رفع أساس احتساب الرسم الجمركي يعني زيادة تكلفة الاستيراد بشكل مباشر. كل قادم من الخارج، من حبة الدواء إلى مسمار الحديد إلى كيس الطحين، سيدخل البلاد وقد تضاعفت عليه الجمارك. هذه التكلفة لن تتحملها حكومة الدبيبة ولا المصرف المركزي، بل سينقلها التاجر بالكامل وبهامش ربح إضافي إلى ظهر المستهلك المسكين».
ويشير الوحش في تصريحات صحفية رصدتها ليبيا 24 إلى ظاهرة خطيرة تتجذر في الاقتصاد الليبي المتهالك، ألا وهي ظاهرة «اللزوجة السعرية» أو ما يعرفه العامة بأن الأسعار كالصاروخ في طلوعها وكالريشة في نزولها.
فبمجرد أن ترتفع التكاليف بسبب قرار جمركي أو ارتفاع في سعر الصرف، تقفز أسعار السلع والخدمات في اليوم التالي مباشرة وبشكل مبالغ فيه في كثير من الأحيان.
أما عندما تنخفض قيمة العملة الصعبة في السوق الموازي قليلاً، فإن الأسعار تتباطأ في الانخفاض، بل إن كثيراً من التجار يتعللون بأن «البضاعة الموجودة اشتُرِيَت بسعر الأمس».
هذه الآلية الوحشية تعني أن المواطن يدفع الثمن مرتين: مرة عندما ترتفع العملة الصعبة، ومرة عندما تفرض حكومة الدبيبة رسوماً إضافية.
والأدهى من ذلك، كما يحذر الوحش، أن هذه الخطوة قد تؤدي إلى رد فعل عكسي في دهاليز السوق السوداء.
فمعرفة التجار والمستوردين بأن كلفة الاستيراد قد تضاعفت ستدفعهم إلى زيادة الطلب المحموم على العملة الصعبة تحسباً لموجة ارتفاع قادمة، في مشهد أشبه بنبوءة تتحقق ذاتياً.
هذا الضغط الإضافي قد يلتهم أي تقدم محدود أحرزه استقرار سعر الصرف، مما يخلق حلقة مفرغة من الغلاء لا تنتهي إلا بمزيد من إفقار المواطن المطحون.
خارج أروقة الخبراء: حكايات من تحت خط الفقر الجديد
لكن بعيداً عن لغة المحللين ونظريات الاقتصاديين، ثمة وجوه وحكايات هي المعيار الحقيقي لنجاح أو فشل أي سياسة.
في أحد الأسواق الشعبية المكتظة بجنوب طرابلس، حيث يعلو صوت الباعة على ضجيج المولدات الكهربائية التي عوضت غياب الدولة، تختزل الحكايات معاناة جيل بأكمله.
يقول الحاج مختار، وهو صاحب بسطة خضار منذ أربعين عاماً، وصوته مبحوح من كثرة المساومة: «الدبيبة وحكومته لا يشعرون بنا. نحن نعيش على حافة الهاوية.
انظر إلى الطماطم، أصبح سعر الكيلو الواحد يتجاوز ما كنا نشتري به قفصاً كاملاً قبل سنوات. لماذا؟ لأن التاجر الذي يجلبها من المزرعة يدفع ثمن الوقود بالسعر الموازي، ويدفع للعمالة الأجنبية بالعملة الصعبة.
نحن في النهاية من ندفع الحساب. حكومتهم تجلس في فنادق وتصدر قرارات جمركية، أما نحن فنقف في الشمس لعل مشترياً يرحمنا».
ويتابع الحاج مختار بنبرة يملؤها الحسرة: «يقولون لنا إن سعر الورقة الخضراء نزل، لكن أين؟ في جيوب من؟ رغيف الخبز يزداد نحافة وسعره يرتفع، والمسؤول عنا غائب أو مشغول بكرسيه».
وعلى مقربة من إحدى محطات الوقود، حيث طوابير السيارات تمتد كأفاعي معدنية تحت الشمس الحارقة، ينتظر الشاب أسامة، وهو موظف حكومي يتقاضى راتباً لا يتجاوز قيمته الحقيقية بضع ورقات من العملة الصعبة، دوره للحصول على جالون بنزين.
أسامة، الذي كان يحلم يوماً ببناء منزل صغير والزواج، بات همه الوحيد الآن هو تدبير ثمن وجبة الغذاء لأسرته الصغيرة. يقول بغضب مكتوم: «كل شهر نقبض الراتب فنحسبه كم سيساوي في السوق السوداء.
عندما رفعت حكومة الدبيبة الرسم الجمركي، شعرت وكأنهم اقتطعوا جزءاً من راتبي الهزيل وأعطوه للتجار، كل شيء أصبح ضعف السعر، الكهرباء مقطوعة فندفع أموالاً طائلة للمولدات الخاصة، الماء نشتريه بالصهاريج، والدواء إن وجد فبأضعاف ثمنه الحقيقي. أين تذهب أموال النفط؟ أين إيرادات الجمارك الجديدة؟ تسأل ولا تجد جواباً إلا المزيد من الغلاء والمزيد من الفقر».
أما أم العز، وهي أرملة ستينية تعيل ثلاثة أيتام، فتجلس على عتبة باب بيتها المتواضع تفرز حبات أرز رديئة اشترتها بالدَّين من دكان الحي.
تقول بصوت خافت تكسره الغصة: «كنت أستلم معونة من صندوق التضامن، لكنها توقفت. يقولون إن الأموال ذهبت لأولويات أخرى.
أولويتهم الوحيدة هي كرسي الحكم وبقاؤهم في السلطة. سعر زجاجة الزيت يكاد يوازي ما كنا نشتري به طعام أسبوع كامل. أبنائي يسألونني عن اللحم فلا أعرف كيف أصف لهم شكله، حكومة الدبيبة لا تعرف عنا شيئاً، ولا تعبأ بنا قراراتهم تنزل علينا كالصواعق، ونحن هنا نحترق بصمت».
هذه الأصوات الخارجة من قلب المجتمع الليبي المطحون تكشف فجوة سحيقة بين لغة القرارات الفنية في الوزارات ولغة المعاناة اليومية في الأزقة والبيوت.
إنها الفجوة التي تجعل من أي قرار مالي، مهما كان مبرره الفني، وكأنه إعلان حرب على الطبقات الضعيفة والمتوسطة التي تئن تحت وطأة فساد مستشرٍ وغياب للرؤية الاستراتيجية.
سياسة لا تعبأ بالمواطن: تشريح لعجز حكومة تصريف الأعمال
يكاد يجمع المحللون الاقتصاديون والمراقبون السياسيون على أن الاقتصاد الليبي يعيش مرحلة دقيقة وفارقة، تتداخل فيها العوامل السياسية والقانونية مع المعطيات المالية والاجتماعية بشكل معقد وخطير.
فاستمرار حكومة يرأسها الدبيبة في إدارة دفة الأمور بعد انتهاء فترتها المحددة بموجب خارطة الطريق السياسية، يخلق حالة من الفراغ الدستوري وعدم اليقين الذي يهرب منه رؤوس الأموال ويشجع على الفساد.
في ظل هذا المشهد، تتحول التوقعات والأخبار والشائعات إلى محركات رئيسية للأسعار، تفوق في تأثيرها أدوات السياسة النقدية التي يفترض أن تكون بيد المصرف المركزي.
لكن المصرف المركزي نفسه، يعاني من محدودية حادة في أدواته أمام سوق سوداء أصبحت كالوحش الضاري الذي لا يمكن ترويضه إلا بسلطة سياسية شرعية موحدة وقوية.
تقارير ديوان المحاسبة المتلاحقة تشير بأصابع الاتهام إلى تضخم هائل في أبواب الإنفاق العام، وتجاوزات مالية فاقت كل التصورات في عقود حكومية وصيانة وهمية ومرتبات لعمالة غير منتجة.
هذه الأموال المنهوبة من قوت الليبيين هي التي تغذي السوق السوداء وتضخ سيولة فائضة تبحث عن ملاذ آمن في العملة الصعبة والعقارات، مما يرفع الأسعار ويُفقر الغالبية العظمى.
ويرى مراقبون أن السياسات التي تتبعها حكومة الدبيبة في هذه الفترة الحرجة لا تعكس إدراكاً لحجم الكارثة الإنسانية التي تعصف بالبلاد.
فبدلاً من التركيز على ضبط الإنفاق العام، ومحاربة الفساد المستشري في المنافذ الحدودية والجمركية، وضمان توزيع عادل للدعم الحقيقي وليس الوهمي على المواطنين، تنشغل الحكومة بإصدار قرارات قد تكون صحيحة في أصلها النظري، لكنها في السياق الليبي المشوه تأتي بنتائج عكسية تماماً.
رفع الرسم الجمركي دون توفير شبكة أمان اجتماعي قوية، ودون تحسين فعالية مؤسسات الرقابة على الأسواق، ودون وضع خطة واضحة لكيفية استفادة الخزينة العامة من هذه الأموال الإضافية لتحسين حياة المواطن، هو بمثابة مغامرة غير محسوبة العواقب على حساب لقمة عيش المطحونين.
ويخلص متابعون للشأن الليبي إلى أن استمرار هذه السياسات التي تتجاهل هموم المواطن وتعقيدات المشهد الاقتصادي المحلي، يقوض أي فرصة لتحقيق الاستقرار.
فالاستقرار الاقتصادي الحقيقي، وليس الوهمي، لن يتحقق إلا بإصلاحات شاملة تتجاوز المعالجات المؤقتة والمسكنات التي يصفها خبراء بأنها مجرد «إعادة توزيع للفقر».
هذه الإصلاحات يجب أن تبدأ من استعادة الشرعية للمؤسسات، وتوحيد السلطة المالية والنقدية، ووقف نزيف الإنفاق العام، وإعادة توجيه عائدات الثروة النفطية نحو مشاريع تنموية حقيقية تلمس حياة المواطن البسيط.
وحتى ذلك الحين، سيظل الليبي المطحون يدفع ثمن صراع النخب على السلطة من جيبه الفارغ وكرامته المجروحة، بينما تتفرج حكومة منتهية الصلاحية على مأساته من خلف نوافذ الفنادق الفخمة.



