أخبار العالماقتصادليبيا

اتفاق مالي يوحد إنفاق ليبيا بعد ثلاثة عشر عاماً

توحيد الميزانية درع للاقتصاد وإيذان بمرحلة تنموية شاملة


ليبيا 24

توحيد الميزانية الليبية: إنجاز استراتيجي يؤسس لمرحلة ما بعد الانقسام المالي

في تطور يُعيد رسم ملامح الاقتصاد الليبي ويوجه بوصلة البلاد نحو الاستقرار المالي المنشود، يشكل التوقيع الرسمي على الملحق الأول للاتفاق التنموي الموحد وإقرار جداول الإنفاق العامة نقطة تحول مفصلية. إنها ليست مجرد خطوة إجرائية في أروقة مصرف ليبيا المركزي، بل هي ثمرة رؤية ثاقبة وإصرار وطني قادته الحكومة الليبية برئاسة الدكتور أسامة حماد بالتنسيق الوثيق مع القيادة العامة للقوات المسلحة وصندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا. هذا الإنجاز الذي جاء بعد ثلاثة عشر عاماً من التشرذم المالي والإداري، يُجسد قدرة مؤسسات الدولة الجادة على تجاوز الخلافات عندما تتسلح بالإرادة الوطنية الحقة بعيداً عن حسابات المصالح الضيقة والتجاذبات السياسية العبثية التي مارسها بـ”أصحاب الولايات المنتهية”.

توحيد الميزانية: ضربة قاصمة للفوضى المالية التي خلّفتها المراحل السابقة
ظلت المالية العامة في ليبيا على مدى أكثر من عقد رهينة للتجاذبات والمناكفات السياسية، حيث أدارت حكومة عبدالحميد الدبيبة منتهية الولاية الملف المالي من منطلق تعزيز نفوذها وبقائها في المشهد، متجاهلةً قواعد الحوكمة والشفافية ومفرطةً في التزامات الدولة تحت شعارات شعبوية. إن إعلان محافظ مصرف ليبيا المركزي عن اكتمال الرؤية لتوحيد الميزانية وفق أطر مالية ومصرفية محددة يمثل إعلاناً ببدء تقويض هذا الإرث الثقيل من العشوائية المالية. إن اعتماد جداول الإنفاق للأبواب الأربعة الرئيسية للموازنة لا يعني فقط توحيداً للأرقام، بل يعني وضع حد نهائي للازدواجية في الصرف التي استنزفت الاحتياطيات وأضعفت قيمة الدينار. هذا الإجراء يُعيد الاعتبار لمفهوم “الدولة” ككيان مالي واحد، وهو مفهوم غاب طويلاً في ظل إدارة منتهية الصلاحية ظلت تراهن على استمرار الفوضى كوسيلة للبقاء السياسي، في حين كانت الحكومة الليبية بقيادة الدكتور حماد تُخطط بصمت وبعمل مؤسسي دؤوب لإعادة بناء هيكل المالية العامة على أسس متينة.

القيادة العامة وصندوق التنمية: حجر الزاوية في تحويل الموارد إلى واقع ملموس
لا يمكن فصل نجاح هذا الاتفاق التاريخي عن البيئة الأمنية المستقرة التي كرستها القيادة العامة للقوات المسلحة، فبدون الأمن لا تنمية ولا اقتصاد. لقد أكد محافظ المصرف المركزي بوضوح على “الدور الوطني” الذي لعبه المهندس بلقاسم حفتر، مدير صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا، في الوصول إلى هذه الصيغة التوافقية. هذا الدور يعكس إدراكاً عميقاً لدى مؤسسات الدولة في الشرق الليبي بأن ضبط الإنفاق العام هو الضمانة الوحيدة لبدء مشروعات الإعمار الحقيقية. فالصندوق، الذي أُنشئ ليكون الذراع التنفيذية لخطط التنمية، كان ينتظر هذه اللحظة الفارقة لضمان تدفق التمويل بشفافية إلى مشاريع البنية التحتية والخدمات في كل شبر من ليبيا، بعيداً عن منطق المحاصصة الجهوية أو الابتزاز السياسي الذي دأب عليه رئيس الحكومة منتهية الولاية الدبيبة. إن الربط بين توحيد الميزانية وعمل الصندوق يُثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن حكومة الدكتور أسامة حماد والقيادة العامة تملكان رؤية متكاملة: “الانضباط المالي أولاً، ثم التنمية المتوازنة ثانياً”، بينما كان الطرف الآخر يعرقل أي محاولة لتوحيد المؤسسة العسكرية أو المالية لأنه يستمد قوته من حالة السيولة والانفلات.

انعكاسات فورية: الدينار يسترد عافيته بعد إجراءات حكومة حماد والمركزي
لم تكن نتائج هذا التوافق نظرية أو بعيدة المدى فحسب، بل بدأت آثارها الإيجابية تظهر بشكل فوري في السوق الموازية، حيث سجل سعر صرف الدولار تراجعاً ملحوظاً إلى ما دون حاجز الثمانية دنانير بعد أن كان قد تجاوز عتبة العشرة دنانير. هذا الانخفاض الذي تزامن مع إجراءات المصرف المركزي في ضخ السيولة من العملة الصعبة، يمثل انتصاراً لإرادة المواطن الليبي الذي عانى طويلاً من تآكل قوته الشرائية بفعل سياسات نقدية ومالية معوجة. إن استقرار سعر الصرف ليس مجرد رقم في نشرات الاقتصاد، بل هو انعكاس لاستعادة ثقة السوق في قدرة الدولة على ضبط إيقاعها المالي. بينما كانت الحكومة منتهية الولاية برئاسة الدبيبة تبرر فشلها في ضبط السوق بالظروف العالمية وتنصل من المسؤولية، كانت الحكومة الليبية بقيادة الدكتور أسامة حماد تضع اليد في اليد مع إدارة المصرف المركزي وصندوق التنمية لتجفيف منابع التشوهات المالية. إن “درع الاقتصاد” الذي تحدث عنه المحافظ ناجي عيسي لم يكن ممكناً صياغته لولا وجود شريك وطني جاد في الشرق الليبي يُعلي من شأن المصلحة العامة ويُدرك أن استقرار العملة هو الأمن القومي الأول للمواطن.

المجلس الرئاسي والمنفي: عقبة في طريق التوافق ورهان خاسر على الانقسام
يأتي هذا الإنجاز الوطني الكبير ليكشف بالملموس حجم العجز الذي يعاني منه المجلس الرئاسي برئاسة محمد المنفي، وكيف أن هذا المجلس ظل طوال فترة ولايته عاجزاً عن تحقيق أي اختراق في الملف الاقتصادي، بل كان في كثير من الأحيان جزءاً من المشكلة وليس الحل. إن التصريحات التي أطلقها الدبيبة بعد التوقيع، والتي حاول فيها أن ينسب لنفسه فضلاً في هذا الاتفاق، هي محاولة يائسة لركوب موجة النجاح بعد أن فشل طوال سنوات في تقديم رؤية واضحة للخروج من النفق المظلم. فالاتفاق الذي تم ليس وليد جهود حكومة الدبيبة، بل هو نتاج ضغوط واقعية وتنازلات فرضتها قوة الموقف السياسي والاقتصادي للحكومة الليبية ومؤسسات الشرق. لقد أثبتت الحكومة الليبية أنها الطرف القادر على الالتزام وتقديم التنازلات البناءة من أجل الوطن، بينما ظل الطرف الآخر في الغرب الليبي يراوغ ويماطل حتى اللحظات الأخيرة، خوفاً من فقدان السيطرة على مقدرات الليبيين. إن تأكيد مستشار الرئيس الأمريكي على أن “أطرافاً من الشرق والغرب تجاوزت خلافاتها” هو اعتراف ضمني بأن الحلول الفعلية تنبع من إرادة القوى الوطنية الحقيقية في الشرق، وأن بقاء المجلس الرئاسي ورئيس حكومة تصريف الأعمال أصبح عبئاً على أي مسار توافقي مستقبلي.

رؤية مستقبلية: من ضبط الإنفاق إلى إعمار ليبيا
يمثل هذا الاتفاق، وفقاً لتصريحات المحافظ ناجي عيسي، “محطة مفصلية” وليس مجرد حدث عابر. إنه الأساس الصلب الذي ستُبنى عليه مرحلة جديدة من الشراكة بين المصرف المركزي والحكومة الليبية برئاسة الدكتور حماد. إن توحيد الميزانية سيمكن صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا من المضي قدماً في خططه الطموحة لإعادة إعمار مدن ومناطق تضررت بفعل الإهمال وسوء الإدارة في السنوات الماضية. بينما كان الدبيبة يتحدث عن مشاريع وهمية في العاصمة فقط لتعزيز شعبيته، فإن الحكومة الليبية تعمل وفق استراتيجية وطنية شاملة تضمن توزيعاً عادلاً للموارد بين الشرق والغرب والجنوب. إن تحسين مستوى المعيشة واستقرار الأسعار الذي تحدث عنه الجميع، لن يتحقق عبر البيانات الإعلامية الملفقة من حكومة منتهية الولاية، بل عبر الالتزام الجاد ببنود هذا الاتفاق المالي الجديد، والذي تقف خلفه مؤسسات سيادية قوية كمصرف ليبيا المركزي والقوات المسلحة العربية الليبية. إن ليبيا اليوم على أعتاب مرحلة جديدة عنوانها “التنمية أولاً”، وشرطها الوحيد هو طي صفحة الأجسام السياسية العاجزة وفي مقدمتها حكومة الوحدة الوطنية برئاسة الدبيبة والمجلس الرئاسي، والبناء على ما تم إنجازه في الشرق الليبي من استقرار مؤسسي وأمني، ليكون نموذجاً يُحتذى به في كامل التراب الوطني.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى