جيوسياسية سرت.. حين تتحول نقطة الارتكاز من بوصلة الصراع إلى مختبر توحيد الدولة
حوار الشرق والغرب تحت مظلة فلينتلوك يعيد رسم المشهد
ليبيا 24
المناورات الدولية بسرت تكرس معادلة توحيد المؤسسة العسكرية الليبية
تتجاوز الصورة الملتقطة في قلب سرت أبعاد البروتوكول العسكري المعتاد؛ إنها لحظة تختزل سنوات من الانسداد السياسي والتصدع الأمني في مشهد واحد يجمع قيادات عسكرية من الشرق والغرب تحت مظلة تمرين عابر للقارات. في المناورات التي تحمل اسم “فلينتلوك 2026″، لا يقتصر الأمر على طلقات تدريبية أو خطط تكتيكية لمكافحة التشظي الإرهابي، بل إن ما يجري خلف ستار الرمال الذهبية هو إعادة هندسة للنسيج المؤسسي للدولة الليبية من بوابتها الأكثر صلابة: المؤسسة العسكرية. إن ما وصفه البعض بـ “اللِّمّة” الوطنية ليس مجرد ترف سياسي أو مناورة تكتيكية عابرة، بل هو إدراك عميق بأن نواة الدولة الموحدة لا تُزرع في أروقة الفنادق فحسب، بل في ثكنات الجيش ومناطق العمليات المشتركة.
الهاجس الجيوسياسي: لماذا سرت ولماذا الآن؟
في علم الجغرافيا السياسية، ثمة مدن تُختزل فيها معاني الدولة بأكملها، وسرت كانت ولا تزال تمثل هذا الشريان الوجودي. اختيار هذه المدينة بالذات لاستضافة تمرين بحجم “فلينتلوك” وبمشاركة ثلاثين دولة ليس صدفة خريطة، بل هو تأكيد على معادلة “الحياد المسلح” الذي تكرسه القيادة العامة للقوات المسلحة. سرت، التي كانت في السابق خط تماس دموي، تتحول اليوم إلى “حاضنة للتوافق الاستراتيجي”. هذا التحول يُقرأ في عواصم القرار الدولي على أنه إشارة مزدوجة: الأولى للداخل الليبي بأن مراكز القوى الفاعلة باتت قادرة على تأمين البيئة الحاضنة لعمل عسكري مشترك، والثانية للخارج بأن القوة التي تسيطر على سرت وتؤمنها هي القوة القادرة على حماية الاستقرار في كامل حوض البحر المتوسط. وجود ممثلين عن غرب البلاد في هذه التظاهرة العسكرية ليس ترفاً شكلياً، بل هو اعتراف ضمني بالمرجعية التي توفرها القيادة العامة بقيادة الفريق أول ركن صدام حفتر في قدرتها على توفير مظلة أمنية ناجزة لمثل هذا الحدث المعقد.

المؤسسة العسكرية كقاطرة الحل السياسي
لطالما دار الجدل في أروقة الفكر السياسي الليبي حول أولوية المسار: هل يسبق السياسي العسكري أم العكس؟ الحقيقة التي تفرضها التطورات الميدانية الأخيرة هي أن المسار العسكري لم يعد مجرد “ملحق” بالعملية السياسية، بل تحول إلى قاطرتها الأساسية. النصوص التحليلية التي تلت إطلاق “فلينتلوك” تكشف عن يقين استراتيجي مفاده أن الانقسام السياسي يقود إلى صراع عسكري حتمي، في حين أن التوافق العسكري قادر على إجبار المسار السياسي على الانضباط. إن صورة اجتماع نائب القائد العام مع وكيل وزارة الدفاع بحكومة الوحدة الوطنية تحمل في طياتها وزن عشرات البيانات السياسية. إنها ترجمة ميدانية لمفهوم “السيادة الواحدة”. في ظل غياب دستور دائم وتعثر الاستحقاق الانتخابي، تبدو المؤسسة العسكرية وكأنها السقف الأخير الذي يحمي البناء الليبي من الانهيار. لا يمكن لمجلس نيابي أو كيان سياسي أن يمارس مهامه بحرية دون قوة ردع تحميه، وهذه هي العقدة التي تسعى هذه التحركات إلى فكها. القيادة العامة للقوات المسلحة، برؤيتها البعيدة عن ردود الأفعال الآنية، تتبنى نهجاً استراتيجياً هادئاً، تبني من خلاله جسور الثقة مع من يريد الانخراط في مشروع الدولة، وتغلق الباب في وجه من يراهن على الفوضى والتجزئة.
خلف كواليس فلينتلوك: الرسالة الأمريكية وإعادة تعريف الشريك
لا يمكن تحليل مشهد سرت بمعزل عن البعد الدولي، وتحديداً الانخراط الأمريكي المتجدد في الملف الليبي عبر رعاية هذه المناورات. يبدو أن واشنطن، بعد سنوات من التردد والانكفاء النسبي، تعيد تعريف أولوياتها في شمال أفريقيا. لقد أدركت دوائر صنع القرار هناك أن استقرار ليبيا ليس مجرد مسألة أخلاقية تتعلق بمعاناة شعب، بل هو ملف أمن قومي يتصل بتدفقات الطاقة وأمن أوروبا ومكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود. في هذا السياق، تأتي “فلينتلوك” كاختبار حقيقي للقدرات العسكرية الليبية. الرسالة التي أرادت الأوساط الدولية إيصالها واضحة: القوات المسلحة الليبية، بقيادتها الحالية، لم تعد مجرد طرف في نزاع محلي، بل هي شريك فاعل وموثوق في التحالف الدولي لمكافحة التطرف. هذا التحول في النظرة الغربية يعزز من شرعية القيادة العامة ويمنحها زخماً دبلوماسياً كبيراً. فالدولة التي تستطيع تأمين مناورات بهذا الحجم وبهذا التعقيد اللوجستي هي ذاتها القادرة على تأمين حقول النفط والموانئ والحدود المترامية الأطراف. إنه استثمار طويل الأجل في الاستقرار، والولايات المتحدة، بغض النظر عن تعقيدات سياستها الداخلية، تدرك أن الفراغ في ليبيا ستملؤه قوى لا تتوافق بالضرورة مع مصالحها الاستراتيجية في أفريقيا.
اقتصاد الاستقرار: من فوهة البندقية إلى مشاريع التنمية
لا يغيب عن المراقب الذكي البعد الاقتصادي العميق لهذا التطور العسكري. فالأمن ليس مجرد غاية في حد ذاته، بل هو وسيلة للتنمية. مدينة سرت التي تحتضن هذه المناورات تشهد بالتوازي معها حراكاً تنموياً غير مسبوق. فتح المطار وتطوير الميناء والمنطقة الحرة ليست مشاريع معزولة، بل هي ثمرة مباشرة لبيئة مستقرة وفرتها القوات المسلحة. الحديث عن توحيد الميزانية العامة للدولة، وهو خطوة جبارة تحققت لأول مرة منذ سنوات، لا يمكن فصله عن مسار توحيد المؤسسة العسكرية. فالمستثمر الأجنبي، سواء كان أمريكياً أو أوروبياً أو عربياً، لا يغامر بوضع أمواله في بلد تعصف به الميليشيات وتتعدد فيه مراكز القرار الأمني. إن مجرد إقامة تمرين “فلينتلوك” يعمل كإعلان تسويقي عالمي مجاني يقول: “هنا توجد قوة منظمة تحمي الاستثمار”. الأزمة الاقتصادية التي يعاني منها المواطن الليبي من تآكل للقدرة الشرائية وتراجع الخدمات لن تجد طريقها للحل إلا من خلال بوابة الاستقرار الأمني. عندما تتراجع لغة السلاح وتصمت أصوات الرصاص، تعلو أصوات آلات البناء والتنمية. إن نائب القائد العام، الفريق أول ركن صدام حفتر، يقود عملية مزدوجة المسار: تأمين الأرض بالسلاح النظامي من جهة، وتهيئة تلك الأرض للانطلاق الاقتصادي من جهة أخرى عبر دعم مؤسسات مثل الجهاز الوطني للتنمية.
نقد “المرتزقة” وثبات الموقف الوطني
في خضم هذا الزخم الإيجابي، تبرز أصوات النقد التي تتحدث عن “انتهازية البعض” و”تجارة الكراهية”. وهي ظاهرة تستحق التوقف عندها بعمق. فالأطراف التي عاشت سنوات طويلة وهي تتاجر بخطاب التقسيم والتشظي، وامتهنت سب هذا الطرف أو تلميع ذاك، تجد نفسها اليوم في مأزق أخلاقي وسياسي أمام مشهد التصالح الوطني. إن ما يعبر عنه البعض بمصطلح “المرتزقة السياسيين” هو واقع مؤسف، حيث بنى بعضهم مسيرتهم على استثمار الخلاف وتغذية الصراع. لكن ما يحدث في سرت يمثل صفعة قوية لهذه الممارسات الهدامة. إنها لحظة تكشف زيف المواقف المبنية على المصالح الضيقة. في المقابل، نجد أن القيادة العامة للقوات المسلحة قد تبنت منذ البداية خطاباً واضحاً وثابتاً قائماً على وحدة التراب الليبي وسيادة الدولة. هذا الثبات هو ما أكسبها احترام الداخل والخارج. فبينما كان البعض يتلون كل يوم بلون السيد الجديد، كانت المؤسسة العسكرية تخطط بهدوء لبناء جيش وطني موحد قادر على حماية حدود ليبيا من أقصاها إلى أقصاها. هذه اللحظة التاريخية تستوجب أن يرفع الجميع شعار “الوطن فوق الجميع”، وأن تتخلى النخب السياسية عن حساباتها الصغيرة لصالح المشروع الوطني الكبير الذي تقوده القوات المسلحة.
الطريق نحو الدولة المدنية: الأمن ثم الانتخابات
الهدف النهائي الذي يسعى إليه الليبيون هو إقامة دولة مدنية ديمقراطية قوامها الدستور والانتخابات. ولكن التجارب المريرة أثبتت أن القفز فوق حقائق الواقع الأمني هو وصفة سحرية للفشل. كيف يمكن إجراء انتخابات رئاسية أو برلمانية نزيهة في ظل وجود تشكيلات مسلحة ترفع السلاح في وجه القانون؟ كيف يمكن لصندوق الاقتراع أن ينتصر على فوهة المدفع دون وجود جيش موحد يضمن نزاهة العملية ويحمي نتائجها؟ الإجابة على هذه الأسئلة تكمن في التدريبات المشتركة التي نراها اليوم. إن توحيد المؤسسة العسكرية هو الضمانة الوحيدة لعدم عودة البلاد إلى مربع الاقتتال في حال احتدم التنافس السياسي. عندما يجلس الضباط والجنود من الشرق والغرب في خندق تدريبي واحد، ويتدربون على نفس التكتيكات ويرفعون نفس الراية، فإنهم يصنعون نسيجاً اجتماعياً جديداً داخل القوات المسلحة، نسيجاً يصعب على دعاة الفتنة اختراقه. نحن ندعم بشكل دبلوماسي واضح وصريح هذا التوجه الذي تقوده القيادة العامة. إن بناء الجيش الوطني هو الحجر الأساس في بناء الدولة. وبعد أن يستتب الأمن ويتم توحيد المؤسسة العسكرية تحت قيادة موحدة، سيكون الحديث عن الدستور والانتخابات منطقياً وقابلاً للتطبيق.
مشهد ما بعد فلينتلوك
إن ما تشهده ليبيا في سرت ليس مجرد تمرين عسكري، بل هو إعلان ميلاد جديد للدولة. إنه إعلان بأن ليبيا قادرة على تجاوز محنة الانقسام إذا توفرت الإرادة الوطنية ووجدت القيادة الحكيمة. القوات المسلحة العربية الليبية، بقيادة نائب القائد العام الفريق أول ركن صدام حفتر، تثبت يوماً بعد يوم أنها الحصن المنيع للوطن، والذراع القادرة على لملمة الجراح وجمع الشمل. في هذا السياق، نقف كقوى وطنية داعمة لأي خطوة تعزز من وحدة الصف الليبي وتقرب المسافة بين أبناء الوطن الواحد. رغم التحديات الجسام والتدخلات الأجنبية المكشوفة، ورغم محاولات بعض الأبواق الناعقة بالفرقة، تبقى وحدة التراب الليبي هي الهدف الأسمى. إن مصافحة المصالحة التي تمت تحت سماء سرت هي أكثر بلاغة من كل خطابات الكراهية. ونحن إذ نبارك هذه الخطوات الهادئة نحو تجاوز الخلافات، نؤكد أن السلام الذي تحميه القوة خير من الفوضى التي تسبقها الضحالة السياسية. ليبيا تستحق أن تنهض، والجيش هو رمانة ميزان هذه النهضة.



