ليبيا

انسداد أفق التسوية السياسية في ليبيا مع تفاقم عزلة الدبيبة والمنفي

فشل المجلس الرئاسي يعمق الأزمة الليبية وسط انتظار تسويات

ليبيا 24 – عبد العزيز الزقم

طرابلس… هيكل سياسي متآكل في مواجهة ضغوط إعادة التشكيل الجذرية

جدران السلطة المتصدعةفي الوقت الذي تراوح فيه الأزمة الليبية مكانها، مكبلة بإرث من الانقسامات العمودية والاتفاقات الهشة، يقف المشهد السياسي في طرابلس على أرضية تزداد تصدعًا يوماً بعد يوم. فالحكومة التي يقودها عبد الحميد الدبيبة، والتي انتهت ولايتها نظرياً وفقاً لخارطة الطريق التي أفرزها ملتقى الحوار السياسي، لم تعد تواجه فقط أزمة شرعية متجذرة، بل باتت في مواجهة سيل جارف من الانتقادات التي لم تعد حكراً على خصومها في الشرق الليبي، بل تسللت إلى عمق المعسكر الغربي ذاته.وإذا كانت تصريحات النخب السياسية الليبية مؤشراً على اتجاه الرياح الداخلية، فإن ما صدر مؤخراً عن أعضاء مجلسي النواب والدولة لا يقل عن كونه شهادة وفاة سياسية للصيغة الحاكمة الحالية. إنه اعتراف ضمني بأن الهيكل القائم في طرابلس، بذراعيه التنفيذي المتمثل في حكومة الدبيبة والرمزي المتمثل في المجلس الرئاسي برئاسة محمد المنفي، قد استنفد كل أغراضه المرحلية وتحول من أداة لإدارة المرحلة إلى عبء ثقيل يعطل أي أفق للحل الوطني.شرخ في جدار الغرب: انزياح الخطاب نحو النقد العلنيلطالما مثل المعسكر الغربي، بتشكيلاته السياسية المختلفة، حاضنة سياسية نسبية لحكومة الوحدة الوطنية منتهية الولاية عند تشكيلها. غير أن التحول الأبرز في الفترة الأخيرة هو تغير نبرة شخصيات محسوبة على هذا المعسكر. فتصريحات عضو مجلس الدولة بلقاسم قزيط، الذي أكد أن إدانة الأمين العام للأمم المتحدة لفشل المجلس الرئاسي “صحيحة ولا لبس فيها”، تمثل زلزالاً دبلوماسياً صغيراً داخل أروقة المجلس الاستشاري الذي طالما قدم الغطاء للسلطة التنفيذية.لم يعد الأمر مقتصراً على الإشارة إلى فشل المجلس الرئاسي في مهمته الأساسية، وهي تحقيق المصالحة الوطنية وتوحيد المؤسسة العسكرية، بل امتد ليشمل توصيفاً أشمل وأقسى، حيث أشار قزيط إلى أن الفشل “كان عاماً وشمل كافة الأجسام السياسية”. هذا التشخيص يضع حكومة الدبيبة في مرمى النيران بشكل مباشر، فهي الطرف المنفذ الذي تستند إليه شرعية المجلس الرئاسي الهشة. إن فشل الرئاسي يعني حكماً فشل الحكومة المنبثقة عنه في تحقيق أهداف خارطة الطريق.وفي تناغم لافت مع هذه الرؤية التشاؤمية، يبرز تحليل النائب عصام الجهاني الذي يذهب إلى أبعد من النقد، ليحمل المجتمع الدولي تحديداً مسؤولية التداعيات الناجمة عن “فرض المجلس الرئاسي بتركيبة ثلاثية منقسمة داخلياً”. إنها إدانة واضحة للهندسة السياسية التي أفرزت المنفي والدبيبة، وهي هندسة يراها الجهاني وغيرهم من النواب أنها صناعة أزمة بحد ذاتها. هذا الفهم يقوض تماماً أي ادعاء بأن استمرار الوضع القائم هو “أهون الشرين”، بل يجعل من تغيير هذه المنظومة شرطاً ضرورياً لأي تقدم حقيقي.جمود المناصب السيادية: ورقة الدبيبة الأخيرة في وجه التغييرفي قلب الأزمة السياسية الليبية يكمن ملف المناصب السيادية، الذي وصفه عضو مجلس النواب عبد المنعم العرفي بأنه “حجر الزاوية في أي تسوية سياسية”. هنا تكمن المفارقة الكبرى التي تواجه حكومة الدبيبة. فمن جهة، يتمسك رئيس الحكومة بمنصبه معتبراً أن تسليم السلطة لا يكون إلا لحكومة منتخبة، ومن جهة أخرى، فإن تعطيل ملف المناصب السيادية يعني شللاً كاملاً للمؤسسات التي من شأنها أن تمهد الطريق نحو هذه الانتخابات.إن تعنت الدبيبة في إدارة مفاصل الدولة الحساسة، والتي تشمل محافظ المصرف المركزي ورئيس المؤسسة الوطنية للنفط، ضمن سياق تمسكه بالسلطة، يفسر حالة الجمود الموصوفة بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة. تصريح العرفي بأن المستشار عقيلة صالح يرفض أي لقاء مع رئيس مجلس الدولة محمد تكالة “بسبب غياب الجدية في التعاطي مع مسار الحل السياسي”، هو إشارة مبطنة إلى أن بيئة طرابلس السياسية، وعلى رأسها الدبيبة، لا تتعامل بجدية مع أي استحقاق انتخابي حقيقي.فالحكومة منتهية الولاية تستفيد من استمرار الفراغ على رأس هذه المناصب لتمرير سياسات إنفاق غير خاضعة للمساءلة الحقيقية، وهو ما حذر منه العرفي بقوله إن “إنجاز ملف المناصب السيادية يُعد خطوة أساسية لضمان تنفيذ اتفاق الإنفاق التنموي بشكل منظم وشفاف”. هذا الغياب للشفافية، الذي تتهم به أطراف ليبية عديدة حكومة الدبيبة، يحول الإنفاق التنموي إلى أداة لتغذية مراكز القوى المحلية وشراء الولاءات، بدلاً من أن يكون محركاً للاستقرار الاقتصادي.لجنة تقاسم النفوذ: المجلس الرئاسي… فشل في الاختبار الأمميلا يمكن قراءة التحركات الدولية الأخيرة بمعزل عن الاعتراف الضمني بفشل المجلس الرئاسي كجسم جامع. إن وصف غوتيريش للفشل، والذي اعتبره النائب الجهاني “متأخراً لسنوات”، يعكس قناعة دولية بدأت تترسخ بأن الهيكل الثلاثي للمجلس الرئاسي كان خطأ في التصميم. فبدلاً من أن يكون بيتاً للحكمة الليبية الجامعة، تحول إلى ساحة صراع مصغرة تعكس الانقسامات الجهوية والسياسية نفسها التي كان يفترض أن يعالجها.المجلس الرئاسي، الذي يترأسه محمد المنفي، لم يتمكن من تقديم نموذج بديل للسلطة. فهو في حالة كمون سياسي، غائب عن المشهد إلا في بيانات الشجب والاستنكار، أو في محاولات باهتة للتوسط تنتهي بلا نتيجة. إن الاتهامات التي ساقها عضو مجلس الدولة سعد بن شرادة، حين تحدث عن “خيارات سياسية خاطئة وتغليب المصالح الضيقة على المصلحة الوطنية”، تنطبق بشكل شبه كامل على أداء هذا المجلس. فالسيادة الليبية التي كان يفترض أن يحميها المجلس، يتم التفريط بها يومياً من خلال التدخلات الخارجية التي تجد في ضعف القرار الوطني في طرابلس فرصتها السانحة.إن تصريح بن شرادة القائل بأن “استعادة السيادة تبدأ بقرار وطني مستقل” هو بمثابة إعلان ضمني بأن المجلس الرئاسي الحالي عاجز عن اتخاذ مثل هذا القرار، لأنه أسير لموازين القوى الإقليمية والدولية التي صنعته، وأسير أيضاً لوجود حكومة تنفيذية (حكومة الدبيبة) تتغول على صلاحياته وتنفرد بالقرار الاقتصادي والأمني داخل العاصمة.تحت المجهر الدولي: إعادة ترتيب المشهد بعيداً عن الدبيبة والمنفيفي تحليله العميق للمشهد، يلتقط المحلل السياسي فيصل أبوالرايقة جوهر التحول المرتقب بقوله إن الساحة الليبية تمر بلحظة “إعادة ترتيب مدروسة لا إلى انفراج عابر”. هذا التحليل لا ينبع من فراغ، بل من معطيات ملموسة تشير إلى أن المسار الذي تقوده البعثة الأممية والدول الفاعلة في الملف الليبي يتجه نحو تجاوز العقبة التي يمثلها الثنائي الدبيبة – المنفي.الحديث عن “تشكيل لجنة مصغرة تتولى مهمة إنتاج القوانين الانتخابية وإعادة النظر في بنية المفوضية” هو انقلاب ناعم على صلاحيات الأجسام القائمة. فالمجلس الأعلى للدولة ومجلس النواب هما المعنيان دستورياً بالمسار الانتخابي، لكن إحلال لجنة مصغرة محلهما يعني تجاوز الإطار الحالي برمته، وهو ما ينسحب بالضرورة على تجاوز السلطة التنفيذية التي تحاول استغلال الخلافات بين المجلسين لتمديد أمد بقائها.والأخطر بالنسبة لمستقبل حكومة الدبيبة هو الربط الذي أورده أبوالرايقة بين هذا التحرك و”التحرك الدولي الرامي إلى إعادة تشكيل الجهاز التنفيذي عبر مجلس رئاسي جديد وحكومة جديدة”. هذه العبارة تحديداً هي جوهر التحليل المعارض لاستمرار الوضع القائم. إنها تؤكد أن بقاء الدبيبة والمنفي لم يعد خياراً مطروحاً على طاولة الحلول الجادة، بل إن العائق الأساسي أمام تنفيذ أي اتفاق هو وجود هذه الوجوه ذاتها على رأس الهرم.الطرح الذي قدمه الخبير هاشم المهدي بالخير لخص الحاجة الماسة لـ “حكومة عبور مصغرة” بدلاً من “حكومة انتقالية جديدة”. هذا التمييز مهم للغاية. فالحكومة المصغرة تعني نقيض ما تمثله حكومة الدبيبة الحالية من تضخم في الهيكل الإداري وتوزيع للحقائب الوزارية كغنائم سياسية. إنها دعوة لتقليص الحكم، وليس لتوسيعه، وهي دعوة لوضع حد لسياسات التعيينات الواسعة التي ينظر إليها كثيرون على أنها رشوة سياسية لضمان البقاء في السلطة.نحو أفق مسدود… أو مرحلة جديدةإن النخب الليبية، سواء في مجلس النواب أو في المجلس الأعلى للدولة، بدأت تتفق على تشخيص واحد: إن بقاء الحكومة منتهية الولاية برئاسة الدبيبة والمجلس الرئاسي برئاسة المنفي لم يعد جزءاً من الحل، بل هو جوهر المشكلة. فالحكومة منتهية الولاية، بسيطرتها على الإنفاق العام ورفضها تسليم السلطة إلا وفق شروطها، تحولت إلى عائق أمام أي تسوية وطنية. والمجلس الرئاسي، بعجزه عن أداء أبسط مهامه السيادية، فقد كل مصداقية لدى الشارع الليبي والمجتمع الدولي على حد سواء.إن المسار الذي ترعاه القوى الدولية والإقليمية الآن لا يسير في اتجاه إقناع الدبيبة بالتنازل، بل في اتجاه هندسة واقع سياسي جديد يجعله وتياره خارج معادلة الحكم بالكامل. فالضغوط التي تحدث عنها عضو مجلس النواب العرفي “قد تُفرض في حال تصاعد الضغوط الدولية”، ليست ضغوطاً لحث الدبيبة على إجراء الانتخابات، بل هي ضغوط لفرض واقع بديل عنه.في نهاية المطاف، ما يجري في ليبيا هو سباق بين أمرين: إما انهيار اقتصادي وأمني محتوم بسبب جمود المؤسسات الحالية وفسادها، أو عملية جراحية سياسية قاسية ومؤلمة لاستئصال أسباب هذا الجمود. وكما تشير معظم التحليلات الجادة، فإن أي مسار للحل لن يكون ممكناً دون مغادرة نهائية لحقبة حكم عبد الحميد الدبيبة ومحمد المنفي، تلك الحقبة التي يصفها الليبيون بـ “سنوات الضياع الكبير”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى