ليبيا

المركزية الليبية للفساد.. حكومة منتهية الولاية تُدير نظام حكم موازٍ بقبضة الميليشيات

الفساد بقوة السلاح.. هيمنة مسلحة تُحكم قبضتها على مؤسسات ليبيا


ليبيا 24
تقرير أممي يكشف: الميليشيات تبتلع الدولة الليبية وتُجهض الرقابة

في مشهد يختزل مأساة الدولة الليبية الحديثة، لم يعد الفساد مجرد ثغرة في جدار المؤسسات، بل تحول، وفق أدلة دامغة وثّقتها تقارير أممية ودراسات محلية، إلى بنية منهجية ونمط حكم موازٍ تُدار عبره موارد البلاد. تقرير لجنة الخبراء التابعة للأمم المتحدة، الذي صدر الأسبوع الماضي، لم يكن مجرد تشخيص لحالة مرضية مزمنة، بل كان شهادة وفاة فعلية لمشروع الدولة المدنية تحت الحكومة منتهية الولاية برئاسة عبدالحميد الدبيبة والمجلس الرئاسي برئاسة محمد المنفي. الوثيقة الأممية رسمت صورة قاتمة لكيان سياسي فقد بوصلته تماماً، متحالفاً بشكل عضوي مع تشكيلات مسلحة استشرت في جسد الدولة، لا لتحميها، بل لتلتهمها وتُخصخص مواردها لصالح مراكز نفوذ لا تعترف بغير لغة السلاح والمال الفاسد.

تشريح نظام حكم موازٍ: حين تصبح الدولة غنيمة

تتجاوز الوقائع الموصوفة في تقرير الخبراء حدود الاختراق الأمني التقليدي. فما كشفت عنه الوثيقة هو وجود “كيانات نافذة” استخدمت واجهات سياسية للتغلغل داخل مؤسسات الدولة. هذه الصياغة الدبلوماسية الحذرة لا يمكن أن تحجب حقيقة مرة وهي أن حكومة الدبيبة نفسها، في عجزها عن بسط سلطة القانون، إما أنها تحولت إلى رهينة لهذه الجماعات وإما إلى غطاء سياسي طوعي لها. حين تقرأ أن هذه التشكيلات تستخدم “العنف المسلح والتأثير السياسي والضغط الاقتصادي” لتكريس نفوذها، فإنك تقرأ وصفاً دقيقاً لمنظومة الحكم القائمة. إنها ليست جماعات خارجة عن القانون فحسب، بل هي شريك مؤسس في صياغة القرار السياسي والاقتصادي، تُجبر المؤسسات على العمل في بيئة تكرّس هيمنتها وتُضعف آليات المساءلة، كما يؤكد التقرير. هذا الإفلات المنهجي من العقاب ليس عرضاً جانبياً، بل هو الضمانة الوحيدة لاستمرار هذا النظام الموازي الذي يُدير ظهره للشعب الليبي.

أجهزة رقابية محاصرة: فاتورة الانقسام والهيمنة المسلحة

وسط هذا الخراب المؤسسي، تبرز مأساة الأجهزة الرقابية الليبية، وعلى رأسها ديوان المحاسبة، كشاهد صامت على جريمة كاملة الأركان. تصريحات عضو الحوار المهيكل، أبو عجيلة سيف النصر، تكشف عمق المأزق حين يؤكد أن ما ورد في التقارير الدولية عن الفساد “يتسق مع الواقع” وأن الآفة وجدت “بيئة خصبة” في ظل الانقسام السياسي وفوضى السلاح. هذه البيئة الخصبة لم تكن قدراً طبيعياً، بل هي نتاج سياسات متعمدة من قبل حكومة الدبيبة والمجلس الرئاسي اللذين فشلا في تفكيك الميليشيات أو دمجها، بل اعتمدا عليها كدعامة لوجودهما السياسي الهش. هذا الاعتماد المُذلّ جعل الأجهزة الرقابية تدفع “الجزء الأكبر من فاتورة” هذا الواقع المشوه. فلم يعد الأمر مقتصراً على امتناع الحكومة عن تنفيذ توصيات الديوان، بل وصل إلى حد وصم عملية الكشف عن الفساد بأنها عديمة الجدوى، حيث تبقى وقائع الفساد المرصودة “حبيسة الأدراج، دون مسار قضائي فعلي”.

هذا الشلل الرقابي الذي تُغذيه الحكومة عن قصد يُعد ضوءاً أخضر لمزيد من النهب. إن زيارة نائبتي المبعوثة الأممية، ستيفاني خوري وأولريكا ريتشاردسون، لرئيس الديوان خالد شكشك في طرابلس، والتشديد على “ضرورة تحصين المؤسسات الرقابية من أي نفوذ سياسي أو تدخل من تشكيلات مسلحة”، هي رسالة مباشرة بأن المجتمع الدولي يدرك أن الضغط الحقيقي على الديوان لا يأتي من الخارج، بل من قلب السلطة التي يفترض أن تحميه. إنها إدانة صريحة لمناخ الرعب الذي تخلقه حكومة الدبيبة والمجلس الرئاسي، والتي تسمح تحت سمعها وبصرها باقتحام الميليشيات لمقرات الديوان، بل واختطاف أحد مدرائه، رضا قرقاب، في حادثة دامغة تثبت أن الدولة في طرابلس اختارت أن تكون شريكاً في الجريمة بدلاً من أن تكون حارساً ضدها.

من فوضى السلاح إلى اقتصاد الظل: صياغة المستقبل المظلم

التحذير الذي أطلقه “التحالف الليبي لأحزاب التوافق الوطني” من أن تقرير الخبراء كشف عن “تشابك بين السلطة وحملة السلاح والاقتصاد غير المشروع” يلامس جوهر الكارثة التي يقودها الدبيبة والمنفي. حين يُعرّف التحالف هذا الواقع بأنه “نمط حكم موازٍ تُدار فيه الموارد خارج الأطر القانونية وتتآكل فيه أدوات الرقابة”، فهو يصف بدقة مطلقة طبيعة السلطة القائمة التي لم تعد تجد غضاضة في أن تكون واجهة لاقتصاد غير رسمي عنيف. وتزداد الصورة دمامة مع إشارة التقرير الأممي إلى استخدام حكومة “الوحدة الوطنية” لآليات مرتبطة بتهريب النفط في سياقات تتصل بالتمويل والتسليح. هذا ليس فساداً اعتيادياً، بل هو خيانة عظمى للسيادة الوطنية، حيث تحولت الثروة النفطية، التي هي ملك كل ليبي، إلى وقود لحرب داخلية وإثراء لشبكات إجرامية عابرة للحدود.

الدكتور مصطفى بن حكومة، مدير المركز الليبي للتنمية المستدامة، يضع يده على الجرح المفتوح حين يصف هذه الممارسات بأنها “فساد بقوة السلاح”. هذا الوصف يلخص المنظومة التي ترعاها حكومة الدبيبة، حيث لم يعد السلاح مجرد أداة للترويع، بل أصبح رأس المال نفسه. وفي تحذير يحمل نبوءة قاتمة، يرى بن حكومة أن هذا النمط الهجين يهدد “وحدة الدولة عبر ترسيخ مراكز قوى موازية للسلطة الشرعية”. وهنا تكمن المفارقة القاتلة: إن السلطة التي يُفترض أنها “شرعية” هي نفسها من تغذي مراكز القوى الموازية وتحميها، مما يُعمّق الشرخ الوطني ويُجهض أي فرصة لبناء دولة موحدة. إن تآكل فجوة الثقة بين المواطن والدولة، وإعاقة الاستثمار، وتعزيز اقتصاد الظل، ليست مجرد مخاطر مستقبلية، بل هي مخرجات يومية لأداء حكومة فقدت أي ادعاء بتمثيل الشعب أو حماية مصالحه.

إستراتيجية استعراضية لمكافحة الفساد: غبار في العيون

في مشهد عبثي لا يخلو من سخرية سوداء، أطلقت حكومة الدبيبة استراتيجية لمكافحة الفساد في نهاية عام 2024. هذه الخطوة، التي جاءت متأخرة ومشبوهة في توقيتها، تبدو اليوم، في ضوء ما كشفه تقرير لجنة الخبراء، أقرب إلى إعلان استعراضي لذر الرماد في العيون. كيف يمكن لحكومة يشير تقرير أممي إلى تورطها في تهريب النفط لتمويل شبكاتها أن تطلق استراتيجية لمكافحة الفساد؟ إنها كمحاولة تاجر مخدرات لافتتاح مركز لإعادة تأهيل المدمنين. الأرقام الصادرة عن منظمة الشفافية الدولية تفضح زيف هذه الادعاءات، حيث تراجع ترتيب البلاد في مؤشر مدركات الفساد إلى المرتبة 177 من أصل 182 دولة عام 2025، بعد أن كانت في المرتبة 173 في 2024. هذا التدهور ليس مجرد أرقام في تقرير، بل هو المقياس الحقيقي لنجاح حكومة الدبيبة والمنفي في ترسيخ اقتصاد الفساد، وفشلها الذريع في أي إجراء إصلاحي حقيقي.

تفكيك خط الدفاع الأخير: القضاء تحت الحصار

وسط هذا الانهيار الشامل، كان القضاء يمثل خط الدفاع الأخير والأكثر هشاشة عن بقايا هيبة الدولة. لكنه لم يسلم من عدوى التفكيك الممنهجة. فمنذ نهاية العام الماضي، بدأ القضاء الليبي يتشظى بين مجلسين في طرابلس وبنغازي، في حلقة جديدة من مسلسل الانقسام المدعوم من الطبقة السياسية الفاشلة. إن انقسام القضاء في هذه اللحظة الحرجة ليس صدفة، بل هو الضربة القاضية لأي أمل في مكافحة الفساد. فضعف قبضة القضاء، كما يحذر المحللون، هو البيئة المثالية التي يسعى الدبيبة وشركاؤه لتكريسها، كي تبقى شبكاتهم المالية والمسلحة في مأمن من أي مساءلة حقيقية. حين يُمنع القضاء من ملاحقة قضايا الفساد الكبرى، وحين يتم خطف رموزه مثل مدير ديوان المحاسبة، تصبح رسالة السلطة الحاكمة واضحة لا لبس فيها: لا سلطة فوق سلطة الميليشيا والمال الفاسد.

الطريق إلى الخلاص: تفكيك نظام ما بعد الدولة

إن ما وصفه المراقبون بأنه “تحد رئيسي يتمثل في استعادة سيادة القانون بوصفه المرجعية الوحيدة لإدارة الشأن العام” ليس مجرد إجراء إداري أو إصلاح تقني. إنه ثورة على واقع هجين كرسته حكومة الدبيبة والمجلس الرئاسي، يتطلب تفكيكاً كاملاً للمنظومة القائمة. لكن السؤال المؤلم الذي يطرح نفسه: كيف يمكن استعادة سيادة القانون ونظام الحكم الحالي يقوم على تحطيمها؟ إن الخبراء والمحللين، بدءاً من أعضاء الحوار المهيكل مثل أبو عجيلة سيف النصر، مروراً بالباحثين في جامعة فزان، الذين وثّقت دراستهم الأكاديمية كيف يُضعف الانقسام وعدم الاستقرار السياسي استقلالية العاملين في الأجهزة الرقابية، وصولاً إلى مدير المركز الليبي للتنمية المستدامة، يجمعون على حزمة من الحلول الجوهرية. إن توحيد المؤسسات السيادية، وفك الارتباط العضوي والمميت بين السلاح والاقتصاد، وتمكين القضاء الموحد من ملاحقة قضايا الفساد الكبرى، وتوسيع الشفافية عبر رقمنة المعاملات الحكومية، ليست مجرد توصيات مثالية، بل هي شروط البقاء للدولة الليبية.

بيد أن تنفيذ هذه الشروط يفترض وجود إرادة سياسية حقيقية، وهو ما يفتقر إليه بوضوح نظام يبني بقاءه على الفوضى والنهب والتشظي. إن التقارير الأممية والدراسات المحلية لم تكشف فقط عن حجم الجريمة، بل كشفت أيضاً عن هوية الجناة. لقد وضعت الأصبع مباشرة على الجرح الذي يمثله عبدالحميد الدبيبة ومحمد المنفي، اللذان يمارسان الحكم كما لو كانت ليبيا إقطاعية شخصية، حارمان الشعب الليبي من ثروته ومستقبله، ومكرسان لنمط من الحكم لا يمكن وصفه إلا بأنه “ما بعد الدولة”. الخلاص من هذا الواقع المأساوي لن يأتي من قمة هرمية أثبتت عقمها وتواطؤها، بل من ضغط شعبي هادر ومن إرادة دولية حازمة تتجاوز بيانات الشجب، لتنتقل إلى أفعال تُفكك هذه الشبكات الإجرامية، وتُجفف منابع تمويلها، وتُسقط الغطاء السياسي عنها، وتضع ليبيا على طريق استعادة نفسها من مختطفيها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى